; رحلة طويلة.. في غزوة بدر الأهمية الحركية لغزوة بدر (الحلقة الثالثة) | مجلة المجتمع

العنوان رحلة طويلة.. في غزوة بدر الأهمية الحركية لغزوة بدر (الحلقة الثالثة)

الكاتب نبيه عبد ربه

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1972

مشاهدات 52

نشر في العدد 125

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 07-نوفمبر-1972

صحيح أن الله قد وعد المؤمنين بالنصر، ولكن الله جلت قدرته لا يمنح النصر جزافًا، بل لابد أن يدفع المؤمنون من أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم الشيء الكثير ثمنا لذلك، ولن يتنزل النصر على المؤمنين إلا إذا تحقق فيهم هذان الشرطان:

أولًا: أن ينتصر المسلمون لله على نفوسهم بأن يلتزموا أوامر الله وينتهوا عن نواهيه وأن ينتصروا لله على أهلهم وقومهم بأن يأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر ولا يخشون في ذلك لومة لائم: وأن ينتصروا لله على دنياهم وشهواتهم فيؤثرون الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، فلا يكن همهم في هذه الحياة إلا إحدى الحسنيين الموت والشهادة أو النصر والسيادة، لأن الموت في سبيل الله هو عين البقاء ومن يطلب الموت توهب له الحياة بل تأتيه صاغرة راضية وصدق الله العظيم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج:٤٠ - ٤١).

ثانيهما: أن يسير المسلمون وفق نواميس الله وسننه، فيعدوا لكل شيء عدته، ويأخذوا بأسباب القوة المادية والمعنوية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا فالله لا يقبل من المسلمين أن يكونوا «سلبيين» يعتكفون في المساجد صائمين قائمين رافعين أيديهم إلى السماء يطلبون النصر على أعدائهم، ولكن يرضى لهم أن يكونوا رهبانًا بالليل فرسانًا في النهار لا يخافون في الله لومة لائم وصدق الله العظيم ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الأنفال:٦٠).

والأخذ بالشرط الأول ضروري حتى يتنزل النصر، بمقدار أخذ المؤمنين بهذا الشرط يكون مقدار النصر بهم، وبمقدار تمسكهم بشروط تطول أو تقصر المدة التي يتنزل بها النصر عليهم، أما الشرط الثاني فعلى المؤمنين أن يعدوا العدة على قدر استطاعتهم دونما تهاون أو تكاسل وأن تكون في قلوبهم نية الجهاد والشهادة في سبيل الله، وأن تكون في أعصابهم عزيمة القتال والذود عن حياض الإسلام، ثم يعذرون إلى الله بأن هذا مبلغ جهودهم ومدى طاقتهم فالله جلت قدرته كفيل عندها أن يكمل النقص ويسد الثغرة بمدد من عنده وصدق الله العظيم ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (الأنفال:60).

لقد كان المؤمنون ببدر ضعفاء في العدد والعدة، أذلاء من حيث المنزلة بين العرب فلم يكن عددهم يتجاوز الثلاثمائة نفر بينما كانت قريش تزيد على ألف مقاتل مدججين بالسلاح والعتاد ومعهم من الخيل الشيء الكثير، ومنزلة الخيل في الحروب القديمة كمنزلة الدبابات «الدروع» في الحروب الحديثة، كما أن العرب كانت مع قريش ورمت المؤمنين عن قوس واحدة وكان كل ثلاثة منهم يعتقبون بعيرًا بينما كانت قريش تذبح كل يوم عشرة من الإبل، كما كان زادهم الأسودين -التمر والماء- بينما كان زاد قريش الجزور والخمور، وصدق الله العظيم ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (آل عمران:١٢٣). ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال:٢٦).

وبالرغم من تفوق قريش المادي إلا أن النصر كان حليف المؤمنين لأن نتائج المعركة لا تعتمد على القوة المادية فحسب، ولكنها تعتمد أيضًا على القوة المعنوية، فإذا كانت قريش متفوقة في قوتها المادية، فقد كان المؤمنون متفوقين عليها بقوتهم الروحية والمعنوية، وبهذا تحقق لهم النصر، ولهذا فإنه إذا وجد التفوق الروحي والمعنوي عند الجماعة المؤمنة وأعدت من القوة المادية على قدر استطاعتها، ثم خاضت المعركة باسم الله وعلى بركة الله فإن الله كفيل أن يسد كل ثغرة في صفها ويكمل كل نقص في قوتها، فمن كان الله معه فلا يبالي ومن كان الله معه سخر له كل شيء حتى الشجر والحجر والملائكة يسخرها الله له تمده بالعون وتقاتل إلى جانبه.. لقد ألقى الله الرعب يوم بدر في قلوب الكافرين فامتلأت قلوبهم بالمهابة من المؤمنين على قلة عددهم، قال ابن إسحاق: فلما جال عمرو بن وهب الجمحي بمعسكر المسلمين ولم يجد لهم كمينا رجع إلى قريش وقال لها: «يا معشر قريش رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما لهم أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم».

أما في معسكر المسلمين فقد أرسل الله من الأسباب ما يرفع الروح المعنوية عندهم ويقوي أرواحهم وأبدانهم وعزائمهم، قال ابن هشام: «وبعث الله السماء فأصاب المسلمون ما لبد الأرض ولم يمنع السير، وأصاب قريش من ذلك ما لم يقدروا أن يرتحلوا منه، وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة على المشركين، وأصاب المسلمون تلك الليلة نعاس ألقي عليهم فناموا حتى إن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه، واحتلم رفاعة بن رافع بن مالك فاغتسل في آخر الليل، وبعث عليه الصلاة والسلام عمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما فأطافا بالقوم، ثم رجعا فأخبرا رسول الله بأن القوم مذعورون وأن السماء تسح عليهم» وصدق الله العظيم ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (الأنفال: ١١ - ١٢).

ونزل المدد من السماء، ونزل جبريل يقود الملائكة لتقاتل إلى جانب المؤمنين لسد النقص في قوتهم المادية وتحقيق النصر لهم.

ونزول الملائكة ليس خاصا بيوم بدر، ولكن الله ينزل ملائكته لتحقيق النصر للمؤمنين في كل زمان ومكان ما كان المؤمنون أهِلًا لذلك، وكلما كان لديهم نقص في القوة المادية.

۸ - أسباب النصر:

ومن عوامل تقويم المعركة البحث عن الأسباب التي من أجلها تحقق النصر للمسلمين، وعند البحث عنها نجد أن الله جلت قدرته أوجزها في آيتين كريمتين من سورة الأنفال فقال عز من قائل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال: ٤٥ - ٤٦).

فأسباب النصر سنة ما اتصفت بها جماعة مؤمنة إلا وحق على الله أن ينصرها: «الإیمان الثبات، ذكر الله وحده، طاعة القيادة، وحدة الصف، الصبر عند اللقاء».

فمن الإيمان أن يؤمن المؤمنون أن النصر من عند الله ومن عند الله وحده فهو القاهر فوق عباده المتحكم في ميزان القوى في العالم لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران: ١٦٠). ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (آل عمران: ١٢٦).

فالنصر قدر من قدر الله لا دخل للمسلمين فيه ولا تأثير، فهم ليسوا سوى ستار لقدرة الله وأدوات تحقق مشيئته، لقد أكد الله على هذا المعنى في مواضع كثيرة في القرآن، وأكد أن رسوله إنما هو واحد من المسلمين ليس له أي تأثير في مجريات الأحداث ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (آل عمران: ١٥٤).

كل هذا لينقي عقيدة المؤمنين من شوائب الشرك حتى تخلص قلوبهم لله وتبقى الصلة مباشرة بينهم وبين ربهم لا تحتاج إلى واسطة نبي أو ولي وحتى يشعر المؤمنون دائمًا بالتواضع والتأدب تجاه الله مما يبعد عن نفوسهم الكبر والخيلاء التي تصيب نفوس المنتصرين.

ومن الإيمان أن «يستشعر المؤمنون بالحاجة إلى الله والذلة له سبحانه» فرغم أنهم أعدوا لكل شيء عدته على قدر طاقاتهم وإمكاناتهم، إلا أنهم يستشعرون أنهم أضعف من عدوهم ويستشعرون أنهم لن ينتصروا بمددهم ولا بعددهم، ولكن ينتصرون بمشيئة الله إن شاء لهم النصر فيردون إليه الأمر كله ويضرعون إليه طالبين التأييد والنصر، فإذا استشعر المؤمنون الذلة والمهانة، وإذا شعروا بأن جميع الأسباب قد استنفذت إلا سبب السماء، وجميع الحبال قد قطعت إلا حبل الله المتين، وجميع الأبواب قد أوصدت إلا بابًا واحدًا هو باب الله يطرقونه بأيد قد أثر فيها الإجهاد والعمل وقلوب أثر فيها طول القيام والسهر، عندئذ يستحقون النصر وعندئذ فقط ينزل الله نصره عليهم، ينصر دينه ويعز جنده».

لقد دعا نوح قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا كان يصاحبهم بدعوة التوحيد ويماشيهم فلم يزدهم ذلك إلا إصرارا على الشرك ونفورًا من الخير وبقوا على ذلك حتى كان الأجداد يوصون بها الأحفاد ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (نوح: ٢٧).

ولكن كل هذا لم يفل من عزم نوح ولم يثنه عن عزمه، بل بقي يصدع بالحق لا يبالي استجاب القوم أم لا مادام هو يصدع بأمر ربه ولا يألو جُهدًا في ذلك، وبقي نوح على هذه الحال حتى استنفدت طاقاته، وشعر بأنه عاجز عن تبليغ دعوة ربه وأنه مستضعف مغلوب على أمره، فرد الأمر إلى الله ورفع يديه إلى السماء يردد هذا الدعاء ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (القمر: ١٠).

وفي هذه اللحظة فقط استحق نــــــوح نصر الله ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (القمر: ١١ - ١٣).

لقد وقف محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر وقد استشعر ضعف أصحابه وقلة مددهم وعددهم وكثرة عدد أعدائهم وعدتهم، فأيقن أنه مهزوم لا محالة إلا إذا شاء الله له النصر، فرفع يديه إلى السماء بعد أن سدت في وجهه أسباب الأرض وأخذ يناشد ربه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم» ذلك أن محمدا عليه الصلاة والسلام استشعر أن النصر إن لم يكن من عند الله فلن يكون من عند أحد غيره، ففي هذه اللحظة استحق المؤمنون النصر فأنزل الله المدد من السماء ليعدل ميزان القوى في الأرض لمصلحة المسلمين وصدق الله العظيم ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا (يوسف : ١١٠ ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ (الأنعام: 34).

ومن الإيمان أيضًا أن يكون للمسلم هدف يضعه نصب عينيه، هدف المسلم في هذه الحياة أن ينال إحدى الحسنيين: النصر والسيادة أو الموت والشهادة.

وأريد أن أقف قليلًا عند كلمة الشهادة فلهذه الكلمة دلالة عظيمة في الإسلام، فهي «شهادة» عظيمة يتوق كل مؤمن للحصول عليها، لأنها تعني الشهادة بالإيمان والنجاح في الامتحان، شهادة يشهد على صحة المعلومات التي فيها الله وملائكته، شهادة تثبت أن صاحبها نجح في الامتحان الرباني الذي ليس له جزاء إلا الجنة، وقد ذكر فقهاء اللغة عدة معان لكلمة «شهيد» فقالوا إن هذه الكلمة تأتي كاسم فاعل بمعنى «شاهد»، وكاسم مفعول بمعنى «مشهود» فالشهيد شاهد لأنه يشهد على الناس يوم القيامة، والشهيد شاهد لأنه حي بعد أن ظن الناس أنه قد مات، والشهيد مشهود لأن الملائكة تشهد وفاته، والشهيد مشهود لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، يقول عليه الصلاة والسلام: «للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر الله له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه » (رواه الترمذي وابن ماجهوللشهادة في الإسلام معنى أوسع من معنى «الموت في المعركة» فالمطعون شهيد، والمعدوم شهيد، ومن قاتل دون حقه فهو شهيد، وسيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، وصدق رسول الله: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (رواه الخمسة إلا البخاري).

وبعد فإن الطريق طويل والزاد قليل والعرض على الله عسير وإنها لجنة أبدا أو نار أبدا، وإن كلا منا سيقف يوم القيامة بين يدي الله وحيدًا فريدًا ليس معه ماله ولا ولده ولا شيء من متاع الدنيا، كلا منا سيقف بين يدي الله ليس معه إلا جوارحه التي ستشهد عليه أو له، يومئذ لن يسألنا الله لماذا لم ننتصر، ولكنه جلت قدرته سيسألنا إذا كنا عملنا أم قصرنا جاهدنا أم قعدنا، يومئذ لن يسألنا لماذا لم يتحقق النصر على أيدينا، ولكنه جلت قدرته سيسألنا لماذا لم نبذل جهدنا لتحقيق النصر، لأنه ليس على المؤمن إلا أن يعمل، أما نتائج الأعمال فليست بیده ولكنها بيد الله، فليحضر كل منا للسؤال جوابًا، وليتق النار ولو بشق تمرة أو بكلمة طيبة أو بخطوة صادقة نحو الخير، فلنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله، ولنزن أعمالنا قبل أن توزن علينا في يوم لا يتعامل فيه الناس بالدرهم والدينار، ولكن يتعاملــون بالحسنات والسيئات في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصدق الله العظيم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (القصص: ٨٣ - ٨٤). 

الرابط المختصر :