; رحلة طويلة .. في غزوة بدر | مجلة المجتمع

العنوان رحلة طويلة .. في غزوة بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1972

مشاهدات 103

نشر في العدد 124

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 31-أكتوبر-1972

رحلة طويلة .. في غزوة بدر

· لیست « بدر » معركة فاصلة في التاريخ ، بل هي باب مستقل للتاريخ

· في بدر تجسدت أساليب الدعوة الإسلامية 

· المقداد وبلال نموذجان للتغيير الخطير الذي أحدثه الإسلام

· بدر .. هزيمة ساحقة للقومية الإسلامية التي يقودها أبو جهل

وقفة معاصرة مع بدر

بقلم الأستاذ عبد الحليم عويس

 

«بدر .. مصير دعوة»

في السنة الثانية من الهجرة انتصر المسلمون في بدر.

وفي السنة الثالثة من الهجرة انهزم المسلمون في أحد.

وفي السنة الخامسة من الهجرة حوصر المسلمين في المدينة، وتدخلت يد العناية الإلهية لتنقذهم من هلاك محقق.

وفي السنة السادسة من الهجرة مُنع المسلمين من أداء العمرة، وعقدوا صلح الحديبية، وهو صلح كان - بالتأكيد وفي ظاهره - على حساب المسلمين، وإن كانت يد العناية الإلهية قد حولت هذا الصلح لحسابهم .

لننظر في هذه التواريخ وهذه الأحداث نظرة مقارنة، لا نعرف مكان «بدر» بالنسبة للدعوة الإسلامية وحسب، بل ندلف منها إلى مقارنة تاريخية مهمة في عملية تقييم غزوة بدر .

وأول ملمح نراه في هذه المقارنة، هو انتصار المسلمين في بدر وهزيمتهم في أحد، وهذا الملحظ الأول يكشف لنا أبرز قيمة مثلها انتصار المسلمين في بدر .

ونزيد الأمر وضوحًا:

• • •

عندما هزم المسلمين وشجت رباعية الرسول عليه الصلاة والسلام وقتل حمزة رضي الله عنه وخسر المسلمون سبعين شهيدًا في أحد، بقي المسلمون كدولة، وعادوا إلى المدينة يضمدون جراحهم، ويستعدون لجولة جديدة، بل وتتابع دخول الناس في دين الله، ونجح المسلمون في طرد بني النضير من اليهود على الرغم من كل آثار غزوة أحد.

 لقد كانت وضعية المسلمين قد اختلفت تمامًا في أحد عن وضعيتهم في بدر، ولقد أصبح من المتعذر الآن القضاء على الكيان المادي والمعنوي لهذه الفئة المؤمنة بربها والتي تتخذ من المدينة عاصمة ومن الرسول عليه الصلاة والسلام قائدًا ومن القرآن دستورًا.

أما في بدر فالوضع كان مختلفا تمامًا.

 ظروف بالغة الخطورة

كان هذا أول لقاء جاد في التاريخ بين قوى الإيمان وقوى الشرك، وكانت الذخيرة الحية للمسلمين تقف في موقف عصيب، قليلة العدد والعدة، لا تملك من أساليب النصر إلا الإيمان الذي يحترق به داخلها، وكل المظاهر المادية تقف في جبهة إبادتهم والقضاء على كيانهم الناشئ.

اليهود في المدينة لا عهد لهم ولا ميثاق ينتظرون أية فرصة مواتية.

قريش في مكة مغرورة بقواها الطاغية، حاسبة أن محمد عليه الصلاة والسلام لا بد أن يعود يومًا ليلقى جزاء خروجه على دين الآباء والأجداد.

المنافقون يقودهم عبد الله ابن أبي بن سلول، يزرعون ألغام الفتنة والشك ويروجون أن هذه القوة الناشئة مجرد ظاهرة عارضة لن تلبث أن تزول.

والشيء الأكثر من ذلك أن المهاجرين، مهما تکن تضحيات إخوانهم الأنصار، لا يزالون يشكلون في المدينة ظاهرة تحتاج إلى كثير عناية كي تجد الحياة الأولية على أرض المدينة، وتستقر وتنمو وتؤدي دورها في حمل الدعوة في المدينة بعد مكة.

والأنصار كانوا بدورهم في موقف الإنسان الذي يمثل دخول المعارك خارج أسوار مدينة الرسول شيئًا نافلة منه وليس واجبًا عليه، إذ أن شروط بيعتهم للرسول عليه السلام لم تنص على القتال خارج المدينة، وإنما نصت على أن يحموا الرسول حمايتهم لذويهم ونسائهم وأموالهم، أي -داخل المدينة- أما القتال خارج المدينة فهو مرحلة كانت تحتاج إلى تمهيد، بل إلى تغيير في شروط هذه البيعة.

• • •

وتأتي بالإضافة إلى كل ذلك ظروف بدر نفسها، فالمسلمون لم يخرجوا فيها لحرب، وإنما خرجوا للاستيلاء على قافلة تجارية لقريش عاد بها أبو سفيان من الشام في طريقه إلى مكة، خرجوا للاستيلاء عليها تعويضًا عن أموالهم التي أممتها وصادراتها قريش وحرمتهم من حملها إلى مهجرهم الجديد.

كما أن نفوسهم - فضلًا عن الاستعداد المادي - لم تعد لهذه الحرب ولم تهيأ لها بفعل الظروف التي ذكرناها.

ومن هنا كانت «بدر» إبادة للمسلمين ما لم يتم النصر، كانت بدر «بئرًا» يمكن أن تغرق فيه الدعوة لو أنها كانت دعوة بشرية يقود أمرها بشر، كانت بدر
«واديًا» يمكن أن يسقط فيه المسلمين فلا تقوم لهم في التاريخ قائمة أبدًا .

ولقد ترجم الرسول عليه الصلاة والسلام عن هذه الحقيقة حين خاطب ربه ضارعًا إليه، طالبًا العون والنصر في هذه الظروف البالغة الخطورة قائلًا:

«اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» .

مجلس الحرب

من أبرز الأسس التي قامت عليها حضارتنا مبدأ خطير تأكد في «بدر» وأدى إلى النصر، وتأكد في «أحد» تأكيدًا قويًا من سلوك الرسول عليه السلام ومن الوحي مع أنه قد غير نتائج المعركة، حيث كان الرسول يريد القتال داخل المدينة، ولكن القوم أشاروا عليه بالخروج، ذلك هو مبدأ «الشورى».

المبدأ مبدأ، هكذا علمنا ديننا، وكل مبدأ في التاريخ لا بد أن يتعرض لبعض الاختبارات،  لبعض عوامل المد والجزر، ربما نتيجة سوء التطبيق، وكثير من الناس تتهاوى مبادئهم تحت مطارق تجربة ما.

لكن في إسلامنا لا، في إسلامنا: المبدأ واحد لا يتجزأ، ولا يتقلب، هو مبدأ، لا بد أن يسود مهما كانت استفزازات بعض تجارب الواقع.

• • •

وانعقد أول مجلس حرب في الإسلام .

ووجه القائد الرسول حديثه إلى الطوائف الممثلة في الجيش، إلى المهاجرين والأنصار من أوس وخزرج قائلًا للجميع: أشيروا علي أيها الناس.

وقد فهم سعد بن معاذ أن الناس المعنيين هم الأنصار ذلك لأنهم أكثر الجيش، كما أنهم وحدهم الذين لا زال موقف الحرب بهم خارج المدينة غير واضح الأبعاد، فلربما كان في نفوسهم من ذلك شيء .

ولقد تكلم سعد كلمات عدت من أكثر ما أخرج لسانه من كلمات طيبات، فأجاب الرسول بسرد قصته معه، مدلفًا من ذلك إلى النتيجة الحتمية التي يراها:

قال سعد :

«لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره إن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله»

و كان لكلام سعد الذي جاء بعد کلام أبو بکر رضي الله عنه  وعمر رضي الله عنه والمقداد بن عمرو أوقع الأثر في نفس الرسول.. لا سيما بعد كلمات المقداد التي قال للرسول فيها بأصدق لهجة إيمانية تكشف معادن الرجال الذين صنعهم هذا الدين العظيم:

«امض یا رسول الله لما أمرك الله فنحن معك لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد «يعني مدينة بالحبشة » لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه»

وانتهى المجلس بتفويض الرسول عليه السلام بالحرب، وهو تفويض لا إكراه فيه، نابع من إيمان المسلمين أنفسهم وليس تفويضًا صوريًا سبقه اتخاذ القرار، وهم مجرد موقعين أو مصفقين، أبدًا، ففي «أحد» خرج الرسول على الرغم من أن رأيه كان مخالفًا للخروج، ولما انهزم المسلمين نزل الوحي بتأكيد الشورى رغم الهزيمة ـ كما ذكرنا - !!

• • •

 المخابرات والمعلومات

في الحروب لا بد من مخابرات، ولا بد من طريقة لجمع المعلومات، وهذه المخابرات وتلك المعلومات يجب أن يستعمل لها رجال أكفاء مخلصين لهم مثل عليا وقيم أخلاقية، وإلا أصبح جهاز المخابرات والمعلومات أداة لهدم أساس البناء، وتحول إلى حرب على الأمة بدلًا من أن يكون حربًا عنها.

ولم تفت الرسول عليه الصلاة والسلام أهمية المخابرات والمعلومات «فلما أمسى بعث عليه السلام عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص يلتمسون له الخبر فأصابوا راوية فيها أسلم غلام بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فأتوا بهما إلى رسول الله بينما كان رسول الله يصلى فسألوهما فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما فلما أذلفوهما «شددوا عليهما» قالا نحن لأبی سفیان فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم، فقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقًا والله أنهما لقريش، ثم سألهما الرسول عن مكان قريش وعن عددهم الذي لم يعرفوه لكن الرسول عرفه من عدد ذبائحهم في اليوم، ثم سأل عن أشراف قريش بينهم»

(انظر: الطبري - حوادث السنة الثانية للهجرة) .

ولم يكتف الرسول عليه السلام بهذا، بل أنه كان قد بعث بسبس ابن عمرو وعدي بن أبي الزغباء،  فمضيا حتى نزلا بدرًا يتعرفان على قريش وأناخا إلى تل قريب من الماء، فسمعا جاريتين من الجواري تقول إحداهما لصاحبتها: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك، فعرف بسبس وعدي أن أبا سفيان سوف ينيخ غدًا في هذا المكان.

وهكذا كان جهاز المخابرات وجمع المعلومات يؤدي دوره في بدر، ويؤديه - وهو الأهم - في الاتجاه الصحيح.

• • •

موقف القومية العربية الجاهلية «اللا إسلامية»

في الجبهة الأخرى للمعركة كانت تقف بقايا أحقاد وقبيلة تجمعها وحدة العنصر وعبادة القديم على ضلاله وزيفه.

كان يقف أبو سفيان الذي غاظه من الإسلام أكثر ما غاظه أن يخرج من بنی هاشم نبي، يسبق بني أمية ويبزهم بالشرف ،هكذا تصور هذا القبائلي القومي الأمور، أنه لم يستطع بحكم تكوينه الثقافي والاجتماعي أن يدرك أن ثمة حضارة إنسانية تخاطب كل الناس تهبط من السماء .

إنه كان كغيره من القوميين لا ينظرون إلى أكثر من أنفسهم وعشائرهم، أو كان كغيره من القوميين الآخرين، يستتر في النزعة القبائلية القومية لينشر ميوله الإلحادية ونزعة الكبر والسلطة فيه.

وأيًّا كان فقد برزت القومية العربية اللاإسلامية بكل ثقلها، أو كما قال الرسول الكريم لصحابته: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها»، برز عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل وأمية بن خلف.. إلخ.. إلخ..

ولما حاول عتبة أن يهدئ من جاهلية وقومية زملائه في «بدر» ويردهم إلى مكة تاركين محمدًا وصحبه لبقية العرب والناس، سبه زعيم الجاهلية القومية «أبو جهل» وقد أشاع أبو جهل بين المشركين الذين معه كلمته المشهورة «والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم ثلاثًا ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا» .

وقد ظل شعار أبي جهل هذا شعارًا لكل الحركات الجاهلية والقومية اللاإسلامية، من حب للفخر وشرب للخمور وعزف على القيان إلى آخره...!

• • •

بدر باب للتاريخ

وهكذا كان لقاء بدر امتحانًا للإسلام والمسلمين، كان حصاده الأخير يعنى انفتاحًا جديدًا على الحقيقة الإنسانية، بداية جيدة لعصر الحضارة والإنسانية الصحيحة، قضاء على النفوذ القبائلي والقومي والتفرقة العنصرية وعصر الطبقات.

وقد شهدت بدر أروع مثل قدمته الحضارة الناشئة، في ظروفها تلك، فقد قتل بلال «العبد في ظل الجاهلية» سیده أمية بن خلف، وكان هذا الحادث العابر تغييرًا خطيرًا في موازين القيم العالمية، لقد بدأ عهد السيادة فيه للقيم الأعلى سواء حمل هذه القيم عبد أو سيد، العبرة للقيم وحدها، وقد مثلت بدر أخطر أبواب هذا العهد.

لم تكن بدر معركة تحتمل الهزيمة أو النصر بالنسبة للمسلمين، لقد كان النصر الحاسم المذل للنفسية المشركة والرافع للنفسية الإسلامية هو حلها الوحيد.

من هنا أعطى الله وعده الأكيد للمسلمين بالنصر فيها ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ

ومن هنا نزلت الملائكة ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وبالجهد المشترك بين السماء والأرض فتحت بدر باب المسيرة الجديدة في التاريخ أو قل فتحت باب التاريخ الحقيقي للإنسانية وللإنسان.

عبد الحليم عويس

 

الرابط المختصر :