العنوان رجل من رائحة السلف الصالح
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1576
نشر في الصفحة 42
السبت 08-نوفمبر-2003
في عز البرد والأمطار، كان أكثر من مائة ألف مسلم يغطون شوارع «سراييفو» ويحملون الأعلام واللافتات وباقات الورد في وداع زعيمهم المحبوب وقائدهم المجاهد ورئيس جمهوريتهم السابق: علي عزت بيجوفيتش، لم يكن الوداع لمجرد زعيم أو قائد أو رئيس، ولكنه كان الشخص ارتبطت به القلوب والأفئدة على مدى نصف قرن أو يزيد في بلد ظل أسيرًا في قبضة القوى الظالمة الملحدة التي صادرت حريته ودينه وكرامته، ولم تكتف بذلك، بل سفكت دماء أبنائه، ودفنت جثثهم في قبور جماعية.
كان علي عزت بيجوفيتش المولود في عام 1925م بشمال البوسنة من طلائع المقاومة التي واجهت الاحتلال الشيوعي الذي ضم البوسنة والهرسك ودولًا أخرى إلى صربيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان مصير الرجل غيابات السجون التي قضى فيها زهرة شبابه، لقد أودعه النظام الشيوعي في يوغوسلافيا «المنهارة» السجن أولًا لمدة ثلاث سنوات عام ١٩٤٦ بسبب نشاطاته الإسلامية، ثم اعتقله مرة أخرى عام ۱۹۸۳م بتهمة توزيع منشورات إسلامية، وحكم عليه بالسجن ١٤ عامًا، ولكن أفرج عنه بعد خمس سنوات عقب سقوط الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا عامي ۱۹۸۹م، ۱۹۹۰م.
حين خرج علي عزت إلى الحرية مرة أخرى، واصل مسيرة العمل والنشاط من أجل تحرير المسلمين البوسنيين، ونهضتهم على أسس إسلامية، ولكن الصليبية الاستعمارية في صربيا قامت بمساعدة صرب البوسنة بالسلاح، وشاركت معهم في القتال لتفريغ صربيا الكبرى التي «يحلمون بإنشائها» من المسلمين، وشجعتهم دول الغرب الاستعمارية الصليبية على القيام بمذابحهم ضد المسلمين البوسنيين.
كان بيجوفيتش قد أسس عقب تفكك الاتحاد اليوغسلافي «حزب العمل الديمقراطي» وهو حزب إسلامي معتدل، وقاده في الانتخابات العامة التي جرت في البوسنة والهرسك عام ١٩٩٠م، وفاز بيجوفيتش بعضوية مجلس الرئاسة السباعي الذي حكم البوسنة وكان هذا المجلس يتكون من عضوين من كل من المسلمين والصرب والكروات، بالإضافة إلى عضو واحد يمثل بقية الأقليات.
في أثناء الرئاسة، حاول الرئيس الراحل أن يحافظ على التعددية العرقية في البلاد من خلال النظام الديمقراطي، ولكن حلم الصليبيين بتفريغ أوروبا من المسلمين جعلهم يختلقون الذرائع والأسباب، ومنها محاولة استقلال صرب البوسنة بدولة خاصة بهم، تنضم بعد ذلك إلى صربيا، وفي عام ۱۹۹۱م، بدأ الصرب البوسنيون بمعاونة الجيش الصربي في سحق المسلمين «غير المسلحين» واستخدام ما عرف بسياسة التطهير العرقي، واستمرت عملية السحق الصربي التي شارك فيها الكروات في بعض فترات الحرب، وكادت البوسنة تُمحى من الوجود لولا استبسال البوسنيين بقيادة «علي عزت بيجوفيتش» الذي قاد المعارك السياسية مع قادة المعارك العسكرية المسلمين باقتدار في ظل ظروف غير مواتية على الإطلاق... كانت المعارك العسكرية والسياسية تجري بين كر وفر، وبعد أربع سنوات من المذابح التي قام بها الصرب والعناء الذي عاشه المسلمون البوسنيون، استطاع مقاتلو البوسنة أن يحرروا معظم أراضيهم، وتدخلت الدول الصليبية الاستعمارية في النهاية لتفرض اتفاقًا فيه كثير من السلبيات عرف باتفاق «دايتون» عام ١٩٩٥م. ولكنه كان أفضل الحلول المتاحة التي أتاحت للبوسنيين التقاط الأنفاس، واستعادة زمام المبادرة لعودة بعض اللاجئين الذين رحلوا إلى الدول الأوروبية وغيرها، ومحاولة إعادة بناء ما تهدم في دولة البوسنة المسلمة.
لقد أدى اتفاق «دايتون» إلى قيام اتحاد بين المسلمين والكروات يسيطر على معظم الأراضي في دولة البوسنة والهرسك، وبداخله كيان صربي يتمتع بحكم ذاتي يطلق عليه جمهورية صربستا!، وصار للدولة الجديدة التي تضم المسلمين والكروات والصرب رئاسة ثلاثية، كان «علي عزت بيجوفيتش» عضوًا فيها حتى عام ٢٠٠٠م، حيث استقال بسبب ظروفه الصحية.
إن رحلة الرجل الإنسانية والفكرية لا تقل خصوبة عن رحلته السياسية والقيادية، فهو على المستوى الإنساني رجل بسيط شبه زاهد، كان يعيش حتى وفاته في شقة متواضعة بأحد بيوت سراييفو، وكانت ترعاه إحدى بناته بعد وفاة زوجه، ولم يعرف عن الرجل حب السلطة أو الوجاهة أو العجرفة.
وقد حظي باحترام البوسنيين من جميع التيارات الإسلامية وغير الإسلامية، وظل حتى وفاته يمثل الأب الروحي للبوسنيين الذين أحبوه بصدق، لأنه أخلص في عمله وصدق في قوله، وكان يصارح شعبه بالحقائق مهما كانت مرارتها وغضاضتها، فقد كان يرى أن الصراحة هي الطريق الصحيح الذي يجب على السياسي المسلم أن يسلكه في مسيرته الصعبة والمعقدة. بالإضافة إلى كل ما سبق فقد كان نظيف اليد واللسان، ما عرف عنه انحراف مادي أو سوء أدب في تعبيره أو كلامه وكان في كل الأحوال يستلهم أخلاق الإسلام في موازناته ومناوراته من أجل مصلحة المسلمين. لقد كان «العقل» أو استخدام العقل مفتاحًا لشخصيته الإنسانية والسياسية معًا، مع الصبر في مواجهة المحن والكوارث التي تزلزل كل جبل أشم، ولكن العقل حين يجتمع إلى الصبر، فإن المعادلة تكون مثمرة بكل تأكيد وهو ما وظفه باقتدار في مراحل حياته السياسية وخاصة مرحلة السحق الصليبي الصربي، ف فاستطاعت البوسنة أن تولد على يديه من جديد. وهو ما أكده زعماء ورؤساء ارتبطوا به وعرفوه واقتربوا منه فقد قال الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون: «لو لم يكن عزت بيجوفيتش لما كانت البوسنة والهرسك حرة مستقلة» كما قال: «إنه من الشخصيات التاريخية التي ستترك بصماتها واضحة على مستقبل منطقة البلقان».
أما رئيس وزراء تركيا، وزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان فقد قال: «إن عزت بيجوفيتش يحظى باحترام وتقدير واسع داخل تركيا والعالم الإسلامي، وإنه أحد الرموز التي استهدي بها في حياتي».
وقال الرئيس البوسني الحالي «سليمان تايهتش»: «عزت بيجوفيتش سيعيش في وجدان المسلمين، وأفضاله على البوسنة والمسلمين فيها لن تُنسى أبدًا».
وقال الشيخ مصطفى تيسيريتش رئيس علماء البوسنة: «إن الله أرسل إلينا علي عزت بيجوفيتش ليعيد للمسلمين كيانهم وللبوسنة حريتها».
ولعل الرحلة الفكرية لعلي عزت أهم – في نظري - من رحلته السياسية مع أهمية هذه الأخيرة وخطورتها، فقد رأى الإسلام وقدمه بمنظور علمي، ولغة يفهمها الأوروبيون ويتأثرون بها، وكان كتابه «منهاج الإسلام» أو البيان الإسلامي، مع كتابه الآخر الذي ضم حديثًا عن الإسلام وقضايا العصر، من أبرز عطائه الفكري والثقافي والدعوي، وفيهما شرح الإسلام والعقيدة من خلال أسلوب مبسط وسهل مدعوم بالأدلة والإحصاءات والتسلسل المنطقي، جعل الأوروبيين يقبلون على هذا الكتاب إقبالًا، وجعل القوى المتعصبة في بعض البلاد الأوروبية «فرنسا تحديدًا» تصادر الكتاب وتحظر توزيعه لأنها عرفت تأثيره القوي على مواطنيها غير المسلمين. لقد تمنيت أن ينشر هذا الكتاب في البلاد العربية في طبعة شعبية متاحة للبسطاء من القراء، كي يدركوا عظمة الإسلام وسر قوته دون إنشائيات فارغة ودون خطب جوفاء باردة، ليس فيها حرارة الإيمان ولا صدق العاطفة الإسلامية. لقد كان ما كتب بيجوفيتش حول الإسلام مسوغًا لمنحه جائزة الملك فيصل العالمية في مجال خدمة الإسلام والدعوة الإسلامية.
وقد عبرت - بتواضع - عن حبي له وتقديري حين أهديت له كتابي المتواضع «الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني» الذي أصدرته عام ۱۹۹٤ ، وبعثت إليه بنسخة عن طريق سفارة بلاده ولا أدري أوصلت أم لا؟
وإذا كان عضو الرئاسة الصربي في البوسنة والهرسك، قد عارض إعلان الحداد رسميًا على الرئيس الراحل تعبيرًا عن تعصبه الصليبي، فإن بيجوفيتش يعيش في قلوب الملايين من المسلمين ومن أصحاب الضمائر الإنسانية الحية في كل مكان.