; رجل في فكرة... وفكرة في رجل | مجلة المجتمع

العنوان رجل في فكرة... وفكرة في رجل

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1999

مشاهدات 89

نشر في العدد 1348

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 04-مايو-1999

كم في الناس من يعيش لشهوته وبطنه أو لمطعمه ومشربه، يعيش ويموت ولا ذكر له ولا همة عنده ولا أثر لوجوده على ظهر الأرض، وكم في الناس من خلدهم التاريخ ووعتهم الأمم وسارت على خطوهم الشعوب، ورُفِع لهم ذكر، وسارت بحديثهم الركبان وكلا الفريقين ناس، ولكن الهمم تتفاوت، والغايات تختلف، والأفكار تتنوع، فيختلف الإنسان، وكل ينظر إلى الحياة بمنظار يخالف منظار الآخر، ويطعم الأمور بشكل مختلف، ويحسها بإحساس مغاير، فتتمايز الرجال، ولقد أحببت أن أصور وأوضح كيف يعيش رجل الفكرة، وصاحب الذكر، وكيف يكون شعوره بالحياة وإحساسه بها، وما الشيء الذي يفرحه، والشيء الذي يضجره، وكيف يلهم الحقيقة، والحكمة التي تجعله يعيش في قلوب الناس وعقولهم ونفوسهم، فننظر مثلًا إلى الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - يحكي لنا قصة الحياة فيقول رحمه الله: 

«عندما نعيش لذواتنا فحسب تبدو لنا الحياة كئيبة ضئيلة، تبدأ من حيث تبدأ شهواتنا، وتنتهي بانتهاء شهواتنا وأعمارنا المحدودة، أما عندما نعيش الفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه الأرض!!  

إننا نربح أضعاف عمرنا المحدود في هذه الحالة تربحها حقيقة لا وهمًا. فتصورنا الحياة على هذا النحو، يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا». 

وليست الحياة بعدد السنين، ولكنها بعدد المشاعر، وما جعلت الأفكار إلا لخدمة الحياة وسعادة الناس وإحساسنا بالآخرين، وصاحب الفكرة يستهين بكل شيء في سبيل تحقيق فكرته التي تساعد الناس على فهم الحياة وسلوك الطريق المستقيم، إن الفرح الصافي الخالص الذي يعتري أصحاب الأفكار هو أن يروا فكرتهم قد عمت الناس، وعقائدهم أصبحت ملكًا للآخرين وهم بعد أحياء، إن مجرد تصورنا أن افكارنا ستصبح - ولو بعد مفارقتنا للحياة على وجه الأرض - زادًا للآخرين وريًا، ليكفي لأن تفيض قلوبنا بالرضا والسعادة والاطمئنان!!

التجار وحدهم هم الذين يحرصون على العلاقات التجارية لبضائعهم؛ كي لا يستغلها الآخرون ويسلبوهم حقهم من الربح. 

أما المفكرون وأصحاب العقائد، فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس افكارهم وعقائدهم، ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم، لا إلى أصحابها الأولين إنهم لا يعتقدون أنهم أصحاب هذه الأفكار والعقائد، وإنما هم مجرد وسطاء في نقلها وترجمتها، إنهم يحسون أن النبع الذي يستمدون منه ليس من خلقهم، ولا من صنع أيديهم.. وكل فرحهم المقدس إنما هو ثمرة اطمئنانهم إلى أنهم على اتصال بهذا النبع الأصيل.. الفرق بعيد جد بعيد بين أن نفهم الحقائق، وأن ندرك الحقائق، إن الأولى العلم.. والثانية هي المعرفة!! وفي الأولى نحن نتعامل مع ألفاظ ومعانٍ مجردة او من تجارب ونتائج جزئية. 

وفي الثانية نحن نتعامل مع استجابة حية ومدركات كلية .... 

في الأولى ترد إلينا المعلومات من خارج ذواتنا، ثم تبقى في عقولنا متحيزة متميزة. 

وفي الثانية تنبثق الحقائق من أعماقنا يجري فيها الدم الذي يجري في عروقنا وأوشاجنا، ويتسق إشعاعها في نبضنا الذاتي. 

ثم يقول رحمه الله في كيفية انتقال الأفكار وانتشارها: «آمن أنت أولًا بفكرتك» آمن بها إلى حد الاعتقاد الحار عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة!!.. لا حياة لفكرة لم تتقمص روح الإنسان، ولم تصبح كائنًا حيًّا يدب على وجه الأرض في صورة بشر!!.. كذلك لا وجود لشخص في هذا المجال - لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص. 

إن التفريق بين الفكرة والشخص كالتفريق بين الروح والجسد، أو المعنى واللفظ، عملية في بعض الأحيان مستحيلة، وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء، فكل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان!! أما الأفكار التي لم تطعم هذا الغذاء المقدس فقد ولدت ميتة، ولم تدفع البشر شبرًا واحدًا إلى الأمام، والفكرة العظيمة، لابد لها من غاية نبيلة، ووسيلة نبيلة، ومن الصعب أن يتصور الإنسان غير ذلك. إن لغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل، فكيف يمكن لهذا القلب أن يطبق استخدام هذه الوسيلة غير النبيلة، إن الوسيلة في حساب الروح جزء من الغاية.. ففي عالم الروح لا توجد هذه الفوارق والتقسيمات، والفرح الروحي هو السعادة الحقة واللذة الفريدة في هذه الحياة، وبالتجربة عرف أنه لا شيء في الحياة يعدل ذلك، إنها لذة سماوية عجيبة ليست في شيء من هذه الأرض. إنها تجاوب العنصر السماوي الخالص في طبيعتنا. إنها لا تطلب لها جزاء خارجيًّا؛ لأن جزاءها كامن فيها، إن المسألة هنا مسألة الفرح بأن الخير يجد له صدى ظاهريًّا قريبًا في نفوس الآخرين، إن هذا لهو الفرح النقي الخالص الذي ينبع من نفوسنا ويرتد إليها بدون حاجة إلى أي عناصر خارجة عن ذواتنا، إنه يحمل جزاء كاملًا؛ لأن جزاءه كامن فيه. 

ونحن في الحقيقة نحب أن نسجل شيئًا فريدًا يحس به أصحاب الأفكار والعقائد عند فرحهم بتوفيق الله لهم في أفكارهم وخطوهم نسجله بكلمات للأستاذ سيد قطب قالها وكأنه كان يشعر بنهايته-رحمه الله- حيث يقول: «لم أعد الفزع من الموت حتى ولو جاء اللحظة، لقد أخذت من الحياة كثيرًا، أعني لقد أعطيت، لقد أخذت نفسي من عالم الروح الكثير، وفرحتي بما أعطيت لم تكن أقل من الذين أخذوا، لم أعد الفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة، لقد عملت بقدر ما كنت مستطيعًا أن أعمل. هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو مد لي في الحياة، ولكن الحسرة لن تأكل قلبي إذا لم أستطع.. إن آخرين سوف يقومون بها، إنها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء، فأنا مطمئن إلى أن العناية الإلهية التي تلحظ هذا الوجود لن تدع فكرة صالحة تموت، لم أعد الفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة لقد حاولت أن أكون خيرًا بقدر ما أستطيع، أما أخطائي وغلطاتي فإني نادم عليها، وأكل أمرها إلى الله، وأرجو رحمته وعفوه». 

نعم أيها الرجال، نعم أيتها الأفكار، إنكم ستظلون في سمع التاريخ وبصره، ونسأل الله لكم مجاورة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين... آمين آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1590

82

السبت 28-فبراير-2004

هيا نجدد الانتماء