; رجال على الدرب.. محمد إقبال«2» | مجلة المجتمع

العنوان رجال على الدرب.. محمد إقبال«2»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1343

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 23-مارس-1999

الحديث عن محمد إقبال، حديث ذو شجون، لأنه حديث عن شخصية فذة متكاملة، في الأخلاق والعقل والعزم والإيمان والغيرة على الدين، يضاف إلى كل ذلك ثقافة محيطة، ودراسة عميقة، ونظر ثاقب، وبصيرة مضيئة، وبلاغة وفصاحة عالية رائعة، ملك بها ناصية الكلمة والتعبير، وأسر بها مجامع القلوب، وملك بها أقطار النفوس، وكان أصل هذا كله وجماعه اتصاله بكتاب الله، ومعايشته له، تصاحبه نصائح الأسرة، وتوجيه الوالدين، حيث يقول إقبال عن نفسه:

«كنت أجد متعة في الاتصال بكتاب الله، أجد فيه الزاد والمدد والقوة، فرآني والدي وعرف مني ذلك، فقال: يا بني! اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك، وجاء لك»، فصار الشاب يتمعن في الآيات، ويتفاعل مع التوجهات، حتى كونت تعاليم الكتاب العزيز شخصية الرجل، ونفذت إلى أعماقه، واختلطت بدمائه وأعصابه، وعاش لها، ونطق باسمها، فكان كأنه رجل من الصدر الأول، وإنسان من الزمن الراشد، وجندي من الكتيبة الربانية، يعيش في زمان الحداثة، ويعاصر عهود الفتوح العلمية التي بدأها المسلمون، ولم يستفد منها المتأخرون، فعمل الرجل على إظهار تعاليم الإسلام التي تستطيع في كل عصر أن تمحو الجاهلية، وتزرع المدنية، وتحيي الإنسانية، فكان الرجل من البراهين على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، لقد ظهر الرجل في أمة تهدم بنيانها النفسي والخلقي والمادي، وتعطلت عزائمها وعقولها وأفكارها وقواها، فإذا به الرائد الذي لا يكذب أهله، والناصح الذي لا يضلل أمته.

ولقد كان لإقبال من الآراء والأفكار والتصورات العليا، والأخيلة السامية، ما يستعصي على الحصر، ويجل عن الوصف، وكل من درس شعره يلمس بعد نظره وصدق فراسته، ويرى أنه تناول في فلسفته أحوال العالم كله محللًا وناقدًا، مصوبًا أو مخطئًا، مفندًا أو مؤيدًا، وتعرض لمنطق القوة في الأمم والشعوب، فاحصًا مبينًا متسائلًا ومجيبًا: هل القوة هي قوة الفرد؟ أم قوة الجماعة؟ أم قوة الأخلاق والعقائد؟ أم هي الاستقلال الذي يتحلل به الإنسان من التقاليد؟

وكان هدفه من كل ذلك وضع قواعد للحرية الحقيقية التي تتمايز عن الانفلات، والوصول إلى تصور القيم العليا للحياة، والكشف عن أسرار الإسلام في هذا المجال، وبيان مجد المسلمين الأول الذين وضعوا أسس تلك الحرية الإنسانية في أبهى صورها، وليثير في أبناء الجيل قوة وحماسًا وأملًا وإقدامًا، لحمل رسالتهم والاعتزاز بمنهجهم، وليتقدموا في معترك الحياة إلى كل غاية تنهض بشرف الدنيا والآخرة، ثم يقول بعد ذلك: «لقد وعد آباؤكم الاستخلاف في الأرض، وتحقق الوعد فدانت لهم الدنيا بكنوزها، والأرض بخيراتها، والسماء بنجومها ومطرها، ثم ضيعتم فضعتم، وهذه الدنيا قد أفلتت من أيديكم؛ لأن أيديكم قد فاصلت سنن الفطرة، وتفلتت من عروة الدين، أليس ربكم هو الذي يقيم العدل والحق؟ أكنتم تنتظرون أن يعمل أعداؤكم في الأرض، وأن يتخلقوا بأخلاق أسلافكم في الجهاد، وينفقوا أوقاتهم في الزراعة، ثم يحرموا الحصاد؟!.

لقد سار الكافر في طريق المسلم الأول، فأعطي حظًا من الدنيا، وسار على السنن الذي ساروا عليه، فملك وساد، وأنتم قد أهلكتكم نار العصبية هنا، وجذوة الجنسية هنالك، فحدثوني عن قوم أدركوا نجاحهم بالفرقة، أو نالوا سيادتهم بالكسل، أو بلغوا عزتهم وسعادتهم بالشقاق!

لقد تركتم القرآن، وجعلتم مقياس رقيكم براعتكم في الكلام، واتخذتم من قشور المدنية كل شعار، واتبعتم سبيل الأغيار، فلم يبق في القلوب للإيمان مذاق، ولا للوعة الإيمان احتراق، ومن عجب أن الملة البيضاء ما تزال قويمة البناء، ممتدة النماء، فلماذا هذا التيه؟».

ثم يقول: «أيطمع كل امرئ منكم أن يبلغ أوج الثريا بلا عزم قويم، ولا قلب سليم، لقد ملكوا عرش كسرى، وسرير «قیصر»، وتاج «فخفور» وعظمة القياصرة بجدهم وعظمتهم وعزمهم وإيمانهم، أما أنتم فقد اقتنيتم الكلام، وأكثرتم الأوهام، لقد كان آباؤكم حكام أنفسهم قبل أن يكونوا حكام الخلق، وكانوا بناة الأخوة والاتحاد في الأمة، وأنتم فقدتم المودة حتى في الأسرة، كانت حياتهم عملًا، وأصبحت حياتكم أملًا»... 

ثم يقول: «إن الأرض كلها هي ميدان للمسلم، وهو الموعود بعزها وأستاذيتها»، ثم أنشد ذلك النشيد الخالد العظيم:

الصين لنا والعُرْبُ لَنَا                              والهند لنا والكُلُّ لَنَا 

أضحى الإسلام لنا دينا                            وجميع الكون لنا وطنا

توحيد الله لنا نور                                   أعددنا الروح له سكنا 

الكون يزول ولا تُمحى                            في الدهر صحائف سؤددنا

بنيت في الأرض معابدها                         والبيت الأَول كَعْبَتُنَا

هُوَ أولُ بَيْتِ نَحْفَظُهُ                                بحياة الروح ويحفظنا

في ظل السيف تربينا                              وبنينا العز لدولتنا

علم الإسلام على الأيا                              م شعار المَجْدِ لِمِلْتِنَا 

بهلال النصر يضيء لنا                           ويُمثلُ خَنْجَر سَطُوتِنَا 

وأذان المسلم كان له                                في الغرب صدى من همتنا 

قولوا لسماء الكون لقد                               طَاوَلنَا النَّجْمَ بِرِفعَتِنَا

یا دهرُ لَقَدْ جَربت على                             نيران الشدة عَزْمَتَنَا

طوفان الباطل لم يغرق                            في الخوف سفينة قوتنا

يا ظل حدائق أندلس                                آنست مغاني عشرتنا

وعلى أغصانك أوكار                             عمَرَتْ بِطلائِعِ نَشَأتِنَا 

یا دجلة هل سجلت على                           شطيك مآثر عزتنا؟

امْوَاجُكِ تَروي للدنيا                               وتعيد جواهر سيرتنا

يا أرض النُّورِ من الحرميـ                        ــــن ويا ميلاد شريعتنا

روض الإسلام ودوحته                            فِي أَرْضِكِ رَوَّاهَا دَمُنَا

وَمُحَمَّدُ كَان أمير الركـ                             ـــب يقودُ الفَوْزُ لِنُصْرَتِنَا

إن اسم محمد الهادي                                        روح الآمَالِ لِنَهْضَتِنَا

دوت انشودة «إقبال»                              جرسًا يحدو فيه الزمنا

ليعيد قوافلنا الأولى                                 في المجد ويبعث أمتنا

نعم، إقبال سيظل علم الإسلام على الأيام شعار المجد لأمتنا، وستردد الأجيال

الزاحفة هذا النشيد حتى يفرح المؤمنون بنصر الله..

الرابط المختصر :