; رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه | مجلة المجتمع

العنوان رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002

مشاهدات 75

نشر في العدد 1510

نشر في الصفحة 45

السبت 20-يوليو-2002

يقول توماس كارليل: خرجت جيوش رعاة الأمس «يقصد المسلمين» تقتحم الأرض شرقًا وغربًا، وتفتح باسم الدين الجديد، وفي خلال قرن واحد من الزمان قضت على القوى العظمى وملكت الأرض من تحت أرجلهم، إنها معجزة، ولولا أنها حقيقة لقلت إنها خرافة أو خيال!!، لقد كانت صيحة «محمد» أشبه ما تكون بشرارة ملتهبة وقعت لا على كثبان كسولة من رمال الصحراء، ولكن على جبال من البارود الذي تَفَجَّر مرة واحدة، فَعَمَّ نوره الآفاق, من هضاب الهند وحتى سهول الأندلس، لقد كان العرب أذَلُ الناس فصاروا سادتهم، وكانوا أضيع الناس فصاروا خيرهم خُلُقًا وعِلمًا وفهمًا، وكانوا أشدُّهم فِرقة وشِتاتًا فكَوَّنوا إمبراطورية لم يخرِج لها التاريخ مثيلًا أو شبيهًا، وما كان هذا إلا بالدين الذي اعتنقوه، والرسالة التي حملوها.

لقد كان الجيل الأول الذي اعتنق الرسالة وحمل الهداية, لا يعرف المستحيل، وحسبُك من شباب يُلَقِّن هذا ويُرضِعَه من تعاليم القرآن وتربية الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، ويقول صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك...» رجال لهم طريق مرسوم ولهم غايات لا تستطيع قوة على وجه الأرض الوقوف في طريقها، أو تحويل مجراها، لهم حساباتهم الخاصة بهم، حسابات الإيمان والعقيدة، ولهذا إخالك وأنت تسمع القرآن تَحِس نبضهم وتُنصِت إلى تكبيرهم وتهليلهم، حين أبصروا جموع الكُفر في غزوة الأحزاب زاحفين، وفي كثرتهم هادرين، يحكي القرآن الكريم حديث ذلك اللقاء العجيب فيقول: ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلمُؤمِنُونَ ٱلأَحزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُم إِلَّا إِيمَٰنا وَتَسلِيما﴿ (الأحزاب: 22)، ثم يقول في مدحهم: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

والصدق في العهود والوعود، هو عنوان العزائم وعربون النصر العظيم، ودلالة على صلابة المعدن، وشجاعة القلوب، وقوة السواعد، وفتوة النفوس, التي لا تعرف العقبات والمواقع، ولا تستنيم للظلم أو الإرهاب أو تَرهَب القوة والكثرة، وإذا أراد المسلمون أن يأخذوا الدروس والعِبَر، وأن يتعلموا الإقدام والبسالة، فليبحثوا عن الصحب الأول، فإنهم كانوا ليوث عرين، وإخوة غمرات، وفحول كريهة، وخواضي غمرات وأُباة ذل.

ولقد عَجِبتُ أشد العَجَب من إقدام الرسول صلى الله عليه وسلم على حرب الروم في غزوة تبوك في زمن عسرة من الناس وجدب في البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون شخوصهم على تلك الحال, هذه واحدة، أما الثانية: فهي بروز قرن النفاق واستهوال المنافقين لحرب بني الأصفر «الروم» فقال بعض المنافقين لبعض: «لا تنفروا في الحر، إنا نخاف أن نهلك في الصحراء، وقال بعضهم ساخرًا- ما معناه- : «أنا لا أستطيع أن أصبر على جمال نساء الرومان، وأخاف أن أقع في الخطيئة»، وقال بعضهم يُخَوِّف المؤمنين: «أتحسبون جلاد الروم مثل جلاد بعضكم لبعض، والله لكانا بكم غدًا أسرى مُقرَنين بالحبال، إرجافًا للمؤمنين»، أما الثالثة: فهي التآمر على رسول الله بين المنافقين وبعض اليهود، فقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يتآمرون على النبي ويثبطون الناس، فأرسل إليهم من حرق عليهم بيتهم. 

أما الرابعة: فهي خِلُو يد المسلمين من المال الذي يُجَهَّز به الجيش، وقد حَثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة، والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى، فأنفق عثمان بن عفان ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها وألف دينار عينًا، وأنفق كل صحابي ما يستطيع.

أما الخامسة: فهي محاولة التفريق بين المسلمين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب فتقول المنافقون لمَّا خَلَف النبي علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون, وقالوا: ما خلفه إلا استهانة به واستقلالًا له.

فأخذ علي رضي الله عنه سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف وحدَّثه بما قاله المنافقون، فقال صلى الله عليه وسلم: «كذبوا، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي, فرجع علي إلى المدينة راضيًّا، وهذا كله وغيره، لم يثن عزم الرسول صلى الله عليه وسلم عن حرب الروم.. الدولة العظمى بذلك النفر القليل.. على شظف في الزاد وقلة في السلاح والعدد.. إلخ، لأنه صلى الله عليه وسلم بَلَغَه أن الروم قد جمعت له جموعًا كثيرة بالشام، وأن هِرَقل قد رزق أصحابه سنة، وقد أجلب معه قبائل العرب الموالية له، وهم كثير: لخم، وجذام، وعاملة، وغسان، فذهب إليهم رسول الله في عُقر دارِهِم على رأس أصحابه غير هيَّابٍ ولا وَجِل، فإذا بالأعداء تنهار جموعهم، وتسارع القبائل العربية إلى موادعة الرسول ومصالحته، فأتاه صاحب أيلة، وصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جربا وأذرح، وأعطوه الجزية.

وبعث الرسول خالد بن الوليد على رأس ثلة من الجيش إلى أكيدر دومة وقومه- وكان رجلاً نصرانيًا- فأسَرَه وهو ملك قومه، وأتى به إلى رسول الله فحَقَن دمه وقَبِل منه الجِزية، وقَرَّت الروم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كتابًا يدعوه إلى الإسلام، وهو في تبوك وأرسله مع دحية الكلبي، فرد عليه هرقل بكتاب ترتعد فيه فرائصه، وقال لرسول صلى الله عليه وسلم: إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، فقال بعد اطلاعه على ما كَتَب: كَذَب عدو الله، ليس بمسلم، وأهدى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هدايا فقسَّمها بين المسلمين، هكذا كانت وقفات الرجال لا تَرهَب عدوًا، ولا تعرف مستحيلًا، ولا تقف أمامها عقبات. فهل نستطيع أن نسير على سُنَتِهِم؟ نسأل الله ذلك.. أمين.

الرابط المختصر :