; رثاء.. الشيخ العلامة صالح الحصين في الفكر العربي والإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان رثاء.. الشيخ العلامة صالح الحصين في الفكر العربي والإسلامي

الكاتب د. أحمد الحاج توتونجي

تاريخ النشر السبت 25-مايو-2013

مشاهدات 65

نشر في العدد 2054

نشر في الصفحة 50

السبت 25-مايو-2013

  • تنوعت مداركه المعرفية وأجاد عدة لغات منها العربية والإنجليزية والفرنسية.. وألم بمبادئ الاقتصاد الإسلامي وأفكار الفلاسفة
  • قبل وفاته بعام أشرفت على ترجمة كتابه الأخير بعنوان «التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب» أظهر فيه عورات المسيحية واليهودية في عدم التسامح

غيب الموت أستاذي وشيخي صالح الحصين، إمام الزهاد والمتقين، العالم الجليل.. وقبل أن أتناول سيرة شيخي وبعضًا من أعماله الخيرة؛ دعوني أتقدم لولاة الأمر والمسؤولين وللأمة الإسلامية بخالص العزاء لوفاة الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين بوصفه واحدًا من أبرز أعلامها ومفكريها وأئمتها الذين خدموا الإسلام في الداخل والخارج، وقاموا على رعاية شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف بكل إخلاص ومسؤولية.

تعرفت على الشيخ صالح الحصين منذ أن تبوأت منصبي أول أمين عام مساعد للندوة العالمية للشباب الإسلامي منذ إنشائها عام ۱۹۷۳م، وعملنا سويًا بجدية وإخلاص في الدعوة والعمل الإسلامي في لجنة مساعدة الشيخ الراجحي لمدة عشر سنوات، وتعلمت منه الكثير، وسافرنا سويًا للخارج أكثر من مرة وخاصة إلى أفريقيا، حيث كان الشيخ يقابل رؤساء المنظمات الإسلامية والمسلمين ببساطة وكل تواضع يأكل ويجلس معهم حيث يجلسون على الأرض، ويتبادل معهم الأحاديث الودية بكل أريحية، وكنت أتعلم منه أدب الحوار والحديث.

وحيثما تكون هناك نقطة اختلاف تحتاج إلى توضيح، كان شيخي يقدم الحلول الشرعية في بساطة وأدب، ويطرحها على رؤساء المنظمات الإسلامية الأفريقية ويجعلهم يقدمونها للمسلمين بأنفسهم وكأنها وجهة نظرهم.

كانت آخر مرة التقينا فيها خارج المملكة أثناء أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان في بيتي مع زوجته أثناء هذا الحدث المؤسف في فرجينيا، وكان يتأهب للسفر والعودة إلى المملكة، ولكن تم احتجازه بسبب إلغاء كافة الرحلات وإغلاق المطارات، إلى أن سهل الله علينا ودبرنا له رحلة ووصل بسلامة الله إلى أرض الوطن.

رحلة دعوية

كانت رحلة الشيخ صالح إلى الولايات المتحدة في ذلك الوقت، رحلة علمية دعوية وقد وفقه الله في مهمته، وكنت أرافقه في منطقة فرجينيا معظم الوقت، وكان تواضعه وأدبه الجم يسر له مهمته بعد توفيق الله في لقائه مع الجماعات الإسلامية التي التقى بها بالولايات المتحدة، وكان منهجه في حواراته الوسطية والاعتدال والبساطة في الحديث.

وقبل وفاته بأقل من سنة أشرفت على ترجمة كتاب من أحدث مؤلفاته إلى الإنجليزية وهو بعنوان «التسامح والعدوانية بين الإسلام والغرب»، وراجع الترجمة الإنجليزية د. أحمد بن علي تمراز الأستاذ بجامعة الإمام سابقًا، والمستشار بوزارة الثقافة والإعلام حاليًا.. وفي هذا الكتاب أظهر الشيخ صالح عورات المسيحية واليهودية بالوثائق والدليل القاطع في عدم تسامحهم وانحيازهم وتعصبهم ضد المسلمين.

ومن هذا المنبر أدعو أهل الخير والوفاء إلى ترجمة ونشر هذا الكتاب بلغات كثيرة؛ حيث يقدم تاريخ الإسلام والمسلمين وتسامحهم مع الأديان الأخرى بصورة ناصعة، فهو أداة مهمة من أدوات الدعوة.

وراجع -يرحمه الله تعالى- كتاب «الطريق إلى مكة» لمؤلفه الداعية الإسلامي محمد أسد، ونشر على نفقته الخاصة كتاب «رياض الصالحين» بلغات كثيرة، كما نشر «الأحاديث الصحيحة» التي استخلصها من «رياض الصالحين».

إننا في حاجة إلى ندوة بل ندوات لدراسة فكر تلك الشخصية العظيمة وفاء له يرحمه الله تعالى.

أعمال جليلة

إن الحديث عن الشيخ صالح الحصين -يرحمه الله تعالى- عن زهده وعلمه وتقاه وورعه وبساطته وتسامحه يقودنا إلى أعماله الجليلة التي قدمها لدينه ولأمته ونزعته التحررية العقلية والشخصية.. فقد كان مثالًا للعطاء الفكري الغزير لمدة تزيد على نصف قرن من الزمان.. وصدر له قبل وفاته كتابًا ذكر فيه: «إن الإسلام عقيدة قوية لأنه يستجيب لحاجات الروح، وليس لحاجات الجسد فقط، والعلمانية في الغرب لا تستطيع أن تغالبه، وكذلك العلمانية في العالم الإسلامي.. إن قوة الأفكار العظيمة سوف تكون عامل الحسم في تاريخنا.

إن الشيخ صالح -يرحمه الله تعالى- ارتبط بالأصل واتصل بالعصر.. هكذا قال عنه معالي الأستاذ فيصل المعمر، المستشار بالديوان الملكي السعودي، في كلمة وفاء لمعالي الشيخ تناول فيها قبسات من شخصية الشيخ الحصين يرحمه الله قبل وفاته بيومين، حيث عرف عنه بأنه شخصية ذات نسيج مختلف يرى أن العمل الخيري والاجتماعي والإنساني أكثر إمتاعًا من الوظيفة الرسمية؛ وهو بهذا يؤسس مدرسة في نكران الذات.. ويستطرد معاليه أنه -يرحمه الله تعالى- من السهل الممتنع سهل وميسر في كل شيء إلا ثوابت الدين والوطن.

نعي الهيئات: وقد رثاه عدد من الكتاب والعلماء والهيئات الدينية سواء في المملكة العربية السعودية أو العالم العربي والإسلامي فقد نعته الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، فوصفه د. عبد الله المعتوق، رئيس الهيئة، بأنه الداعية الإسلامي الكبير، وقدم خالص العزاء للأمة الإسلامية، وأنه واحد من أبرز أعلامها وأئمتها الذين قاموا على رعاية شؤون الحرمين الشريفين.

أما الكاتب الكبير وعضو مجلس الشورى حمد بن عبد الله القاضي، فقد دعي إلى جمع بحوثه وتراثه وإرثه، فنحن أحوج ما نكون إليه، وأنا أضم صوتي إلى صوت الأستاذ حمد القاضي في ذلك، فقد نهض به عالم جليل يجمع بين فقه الدين وفقه الواقع.. بين منابع الثقافة الإسلامية ومعارف الثقافة الغربية.

وقال الأمين العام لهيئة كبار العلماء في تعازيه: «لقد فقدت هيئة كبار العلماء بوفاة معالي الشيخ صالح الحصين رجلًا من رجالات العلم والفكر، وكان له إسهامات بارزة في خدمة دينه وأمته ووطنه سائلًا المولى أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته».

وفي الكويت نعت جريدة «الأنباء» الكويتية العلامة صالح الحصين.. زاهد الحرمين بقلم الأستاذ الفاضل يوسف عبد الرحمن، حيث ذكر قبسًا من حياته منذ ولادته بمحافظة شقراء بالمملكة عام ١٣٥١هـ إلى أن تبوأ مكانه نائب رئيس الهيئة الخيرية العالمية في الكويت وعضوًا بهيئة كبار العلماء، وعضوًا في مجلس أمناء مؤسسة الوقف الإسلامي، ورئيسًا لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.

وأشار إلى تنوع مداركه المعرفية المتمثلة في الإلمام بعدد من اللغات، فهو يجيد الإنجليزية والفرنسية، وبمبادئ الاقتصاد الإسلامي، وبأفكار بعض الفلاسفة المسلمين والغربيين، مما يجعله يبحر في الحديث الفلسفي واللغوي عندما يطلب منه التعليق في بعض المحافل الفكرية والثقافية.

فكر مستنير

ونعى الأزهر الشريف بجمهورية مصر العربية في بيان صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكذلك صدر عن فضيلة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، نعى فيه الشيخ صالح بذكر مناقبه وجهوده المخلصة في الدعوة إلى الله، وفكره المستنير.

أما في الهند، فقد نعى معهد الدراسات الموضوعية في نيو دلهي الداعية الإسلامي الكبير، وذكر مدير المعهد د. منظور عالم أن الفقيد أدى دورًا بارزًا في خدمة الدعوة الإسلامية والحرص على الوسطية في المجتمع الإسلامي، وأن له بحوثًا رصينة في الاقتصاد الإسلامي، وقد قام بزيارة المعهد بالهند في ١٨ شعبان ١٤٢١هـ.

أما الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ عبد الرحمن السديس، فقال في تعازيه في وفاة الشيخ صالح الحصين: لقد فقدت الأمة الإسلامية بوفاة الشيخ الجليل عالمًا من علمائها الذين اشتهروا بالتواضع ولين الجانب وحسن الخلق ووفاء نادر لزملائه وأصدقائه.

إن فقد قامة كبيرة مثل الشيخ صالح الحصين لهو خطب عظيم، ومصاب جلل وقد نعاه الكثير والكثير من الهيئات والجمعيات في العالم العربي والإسلامي.. رحم الله شيخنا، وندعو الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويكرم نزله، ويجعله مع النبيين والصديقين، وحسن أولئك رفيقًا.

الرابط المختصر :