العنوان ربيع سكوبيا: تتوقف الحرب ويبقى الصراع
الكاتب عبدالباقي خليفه
تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1445
نشر في الصفحة 36
السبت 07-أبريل-2001
لم يسبق أن ارتفع صوت واحد ينادي بإعطاء الألبان حقوقهم المشروعة بما يتناسب مع حجمهم الديموجرافي
شهدت أوروبا الشرقية ربيعًا آخر في مقدونيا بعد ربيع براغ.. الفارق بين الربيعين عشرات السنين، فقد دخلت الدبابات لسحق انتفاضة شعبية مقدونية إسلامية، تذكّر أيضًا بدخول ألمانيا النازية لبولندا سنة ۱۹۳۹م والتدخل الأمريكي في إيران سنة ١٩٥٤م للإطاحة بثورة مصدق، وإذا كان سحق انتفاضة «براغ»، قد تم عام ١٩٦٨م على يد الاتحاد السوفييتي السابق باسم حلف وارسو، فإن سحق انتفاضة ألبان مقدونيا تمت باسم حلفين أحدهما معلن والآخر مستتر، الأول حلف شمال الأطلسي، والثاني الحلف الأرثوذوكسي، الذي تمثله روسيا واليونان، وبلغاريا، وصربيا، بالإضافة للمجر التي لعبت دورًا عسكريًّا في الأحداث الأخيرة وهي التي سحقت انتفاضتها من قبل على يد من تتحالف معهم الآن في مقدونيا.
هل أخطأ الألبان؟ قد يخطر ببال البعض أن الألبان أخطؤوا التوقيت أو الهدف أو الاثنين معًا، وأن الأسلوب الذي اتبعوه لم يعد له سوق، أو أن تقديراتهم لموازين القوى الوطنية والإقليمية والدولية كانت خاطئة، ولكن العكس هو الصحيح، فالألبان استخدموا اللغة التي يفهمها العالم بالرغم من أنه لا يريد سماعها، فهم لم يفشلوا عسكريًّا، لأنهم لم يخوضوا حربًا لإسقاط الحكومة، وإنما انتفاضة لنيل حقوقهم من الحكومة، حيث إن المطالب تبقى حبرًا على ورق، فإذا ما وهبت لها الأرواح، دبت فيها الحياة، وأصبحت تدافع عن نفسها بنفسها.
ما كان لمقدونيا أن تحقق التقدم العسكري ضد المقاتلين الألبان لولا الموافقة الأوروبية على الدعم العسكري للحكومة المقدونية، وتقديمها الغطاء السياسي لتبرير ذلك، فلو لم توافق دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة على المعونات العسكرية الصربية للحكومة المقدونية، ولو لم تشدد قوات الأطلسي الحصار على ألبان مقدونيا وتضيق الخناق عليهم عبر مراقبة الحدود بشكل صارم من خلال طائرات الاستطلاع دون طيار وطائرات الأباتشي، ومنع المواد الغذائية من المرور إليهم، ودفع المدنيين للخروج من منازلهم ليتسنى للقوات المقدونية تدمير كل ما هو قائم وفي مقدمة ذلك منازل الألبان، لولا ذلك كله ما استطاعت الحكومة المقدونية السيطرة على الأوضاع، وهي بذلك حصلت على كل ما تريده لتحقيق النتيجة التي يعرفها الجميع وهي إجبار المقاتلين على إخلاء مواقعهم في مرتفعات تيتوفو، فقد كانت قرارات قمة الاتحاد الأوروبي التي اتخذت في 22/3/2001م جاءت مساندة بشكل مطلق للحكومة المقدونية أهم من كل المساعدات العسكرية التي تلقتها، فمن خلالها تم دخول الأسلحة ومن خلالها تم استخدامها ودمجها بالشرعية، لقد كان لفرنسا التي زار وزير خارجيتها ربيير فيدرين سكوبيا دورًا كبيرًا في صياغة الموقف الأوروبي من قضية مقدونيا بمساندة من ألمانيا التي أرسلت هي الأخرى وزير خارجيتها يوركا فيشر إلى سكوبيا لتقديم الدعم المباشر للحكومة هناك، في حين لم يحظ الألبان بأي دعم حيث ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
ضغوط على سكوبيا
لم تنعم الحكومة الطائفية في سكوبيا بالتأييد «الدولي» فقد اتخذ ذلك التأييد منحى طالما حاولت الحكومة المقدونية تجنبه من خلال رفض دخول جنود دوليين إلى أراضيها مكتفية بطلب السلاح والتأييد السياسي وهو ما حصلت عليه، إلا أن القوى الدولية الفاعلة على الساحة بدأت بحملة ضغوط على سكوبيا للاستجابة للمطالب الألبانية للسيطرة على التوتر الداخلي الذي مبعثه المظالم الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يرزح تحت كلاكلها الألبان، فدون ذلك لا يمكن ضمان منع انفجارات عسكرية ألبانية أوسع نطاقًا مما حصل مؤخرًا.
وفي هذا الإطار كانت الزيارة التي قام بها كل من خافيير سولانا المنسق الأوروبي للشؤون الأمنية والخارجية وجورج روبنتسون الأمين العام لحلف شمال الأطلسي لسكوبيا واستمرت ثلاثة أيام، تحدثا خلالها عن إصلاحات جذرية في مقدونيا، وأكدا أن التأييد الذي حظيت به حكومة مقدونيا لم يكن تأييدًا مجانيًّا، وخيّر جورج روبنسون حكومة مقدونيا بين تحسين وضع الألبان أو انتظار ثورة أخرى.
وعلق أربين تاتشي أحد زعماء الألبان على الدعم العسكري لمقدونيا قائلًا: السلام لن تحققه الدبابات الروسية والمجربة ولا الطائرات اليونانية والأوكرانية والذخيرة البلغارية وإنما العدالة والمساواة والحوار في إطار الاتحاد الأوروبي.
وعلى إثر ذلك أجرى الرئيس المقدوني بوريس ترايكوفسكي محادثات مع القادة السياسيين الألبان في مقدمتهم أربين جعفري ومندوح تاتشي دامت ساعتين، وأعلن في عقب اللقاء أن حوارات ومناقشات ستجري قريبًا حول تغيير الدستور وتحقيق مطالب الألبان.
كما صرح رئيس الوزراء المقدوني ليوبتشو جييور غيفسكي بأن حكومته مستعدة للحوار ومناقشة جميع مطالب الألبان بعد اكتشاف الادعاء الزاعم بأن المقاتلين قدموا من كوسوفا، وتأكد فيما بعد أن المقاتلين الألبان لم يأتوا من كوسوفا وإنما هم من ألبان مقدونيا، وهو ما أشار إليه خافيير سولانا الذي قال لا أحد يستطيع أن يثبت بأن المقاتلين قدموا من كوسوفا، ورغم ما يقال عن نجاح القوات المقدونية في إجبار المقاتلين الألبان على الانسحاب من مرتفعات تيتوفو، فإنه لا أحد يضمن عدم انفجار الوضع مجددًا في أي لحظة؛ فالمقاتلون ينتقلون بسهولة من مكان لآخر، وسيبقى «الألبان» مشروع ثورة في المنطقة ما دامت حقوقهم لم تلب بالكامل.
رئيس بعثة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي روبرت بيري أدرك حجم الخطر الذي يمثله استمرار سياسة الهيمنة على الشعوب المسلمة في منطقة البلقان، وإن لم يقل ذلك تحديدًا، لكنه أشار إلى أن «البلقان على مفترق طرق الاعتدال والتسامح والتكامل الاقتصادي.. أو الحرب والتقسيم».
أما ريتشارد هلبروك ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة الأسبق ومهندس اتفاقية دايتون فقد وصف الوضع بأنه خطير للغاية، وحذّر من اندلاع حرب جديدة في البلقان، كل ذلك مثل ضغطًا على الحكومة المقدونية، ويبدو أنه بقدر الإطالة في أمد الحرب يزداد الثمن الذي يدفعه الألبان لنيل حقوقهم، كما يبدو أن المساعي التي ينوي الرئيس الكرواتي «ستيبان ميسيتش» القيام بها للوساطة بين الألبان والسلاف في مقدونيا لإرساء علاقات جديدة بين الطرفين تؤسس للوئام الوطني والتعايش المشترك بشكل متساو، وقد بدأ تحركاته بدعوة الألبان الإعلان استعدادهم لذلك.
العصا والجزرة
الألبان من خلال تحركهم العسكري لفتوا الأنظار لقضاياهم في مقدونيا، وهذا في حد ذاته إنجاز ونجاح ما كان يتحقق لو استعملوا الأساليب السياسية الرتيبة، فقبل الأحداث الأخيرة ما كان مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يبحثون قضية الألبان في مقدونيا، ولم يسبق أن ارتفع صوت واحد ينادي بإعطاء الألبان حقوقهم المشروعة، وإجراء حوار مع الأحزاب الممثلة في البرلمان حول الإصلاحات المطلوبة ومنها تعديل الدستور، والاعتراف بالقومية واللغة الألبانية والسماح للألبان باستعمال لغتهم الخاصة في المدارس، وإشراكهم في الحكم ومؤسسات الدولة كالحكومة والجيش والشرطة والبرلمان والوظائف العمومية بما يتناسب وحجمهم الديموجرافي من خلال إجراء إحصاء وطني نزيه يضع كل شيء في نصابه.
وإذا ما راجعنا مطالب المقاتلين الألبان فإننا نجدها مطابقة لما يتحدث عنه الآن من إصلاحات تحت الضغط الدولي، بالطبع ليس حبًّا في الألبان وإنما خوفًا من انفجار الأوضاع بشكل يصعب السيطرة عليه كما هو الحال الآن في مقدونيا، حيث إن عددًا كبيرًا من الألبان الذين لم يستجيبوا لنداء المقاتلين بالانضمام إليهم هذه المرة سيستجيبون في المرة القادمة إذا ما بقيت الأوضاع على حالها، وهو ما يؤكده تاريخ الثورات في العالم؛ فالثورات الناجحة سبقتها ثورات محدودة مُنيت بالفشل ولكنها مثلّث زادًا، وتراكمًا وزخمًا للثورة الناجحة التي تلتها. وبالتالي فإن المكاسب العسكرية التي حققتها الحكومة المقدونية ستنعكس على الساحة السياسية التي لن يكون السلاف المتحكمون الوحيدون في إدارتها..