العنوان الأستاذ غانم حمودات في ذمة الله.. ربح البيع.. أبا صهيب
الكاتب محمد خالد محسن
تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012
مشاهدات 80
نشر في العدد 1998
نشر في الصفحة 48
الجمعة 20-أبريل-2012
فقدت الأمة الإسلامية واحدًا من الأخفياء الأتقياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا وان حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا، إنه الأستاذ غانم بن حمودات يرحمه الله.
أكثر من ٨٦ عامًا هي مجموع سنين عمر شيخنا الفقيد وقد عصفت بالعراق وأهله خلالها العواصف والحروب، واشتعلت بنيران الفتنة مدنه من الشمال إلى الجنوب، وكان المدينة الموصل نصيب من تلكم الويلات والخطوب، وقلة من قاموا وسلاحهم الثبات حملوا أرواحهم على راحاتهم دفاعا عن عقيدتهم مربين ودعاة إذا حصرناهم فلا يغفل منصف عن ذكر شيخهم في الموصل فقيد الدعوة وفارس الميدان الأستاذ غانم بن حمودات يرحمه الله.
ولد الأستاذ غانم عام ١٩٢٦م في مدينة مساجدها عامرة، وشوارعها محافظة، وسمتها مسلمة من هنا كانت الهجمات عليها شديدة واستهداف أصالتها معلومة أكيدة، نشأ في عائلة كريمة لوالد يذكر إذا ذكر القرآن، وأكمل دراسته الأولية بتفوق وتميز بدا فيها أكبر من عمره، وأرشد من أقرانه، وأوعى الحال أمته، ثم أكمل الدراسة الإعدادية عام ١٩٤٧م، وكان ترتيبه الأول على لواء الموصل أنذاك وعلى المنطقة الشمالية في العراق ككل.
وفي عام ١٩٥٣م أنهى دراسته الجامعية في دار المعلمين العالية (كلية التربية) بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وكان مع رجاحة عقله وعظيم همته وسعة علمه مؤهلا لإكمال الدراسات العليا ونيل الشهادات الكبيرة والعكوف على تأليف المراجع والكتبولكن الله أنار بصيرته وهدى قلبه إلى خير طريق وأجل مهنة وأعلى مقام في الأجر والمكانة إلى مهنة الحبيب محمد الذي وصف نفسه قائلًا: إنما بعثت معلمًا.. فعاش ما يقارب نصف قرن أو يزيد معلمًا ومدرسًا في مدارس الموصل، ابتداء من متوسطة الحدباء، وانتهاء بالإعدادية الشرقية، وقد أدرك أن غاية الداعية هو حسن الاختلاط بالناس والتعايش معهم، حيث زيادة المعارف الرائعة واستحداث القناعات النافعة وتهذيب السلوكيات الشائعة ليقتفي في كل ذلك أثر الحبيب محمد. فغاية المنى لمن سلك طريق الدعوة أن يفتح الله عليه في إقباله على الناس، فما بالك إذا ما أقبل الناس عليك بأنفسهم؟ وأي ناس؟ إنهم الشباب حيث الهمة والتصميم. يرصون صفوف المدارس ينتظرون منك تربية قبل تعليم، ويقيمون بك موازين التحليل والتحريم، فكان الخير كل الخير وتخرج على يديه الآلاف من عمار الحياة في شتى الميادين، فكان له في كل خير أثر، وعلا له في كل ربع ثمر، وبقي خفيا تقيا إذا غاب لم يفتقد. ولا يحس إذا ما حضر، فلك الأجر والفردوس أبا صهيب.
لقد كانت أثر محبة الله له جلية تراها في ذلك القبول الذي وضع له في الأرض فتراه محبوبا من طلابه قريبًا إليهم، يحبه المدرسون من حوله، وله في قلوبهم منزلة مميزة، ترى هالة من الهيبة والوقار لا تفارقه إذا ما أنعم الله عليك وعشت ذلك الحال فكأنك تسمع روح نداء جبريل لأهل السماء يا أهل السماء، إن الله يحب فلانًا فأحبوه.
كان الأستاذ غانم بن حمودات - يرحمه الله - من رموز جماعة الإخوان المسلمين في العراق، ومن مؤسسي حركة الإخوان في الموصل وروادها مع الأستاذ الشيخ محمد محمود الصواف - يرحمه الله - وقد كنت أراه في لقاءات الإخوان العامة والخاصة قمة باسقة تشرنب إليها الأعناق، ومحلًا أسرًا تهوي إليه الأفئدة، وأستاذًا مهيبا تتوجه إليه قيادات العمل التنظيمية وأهل الحل والعقد من حملة الشهادات ومستودع الخبرات بكل تقدير وإنكسار تسوقهم إليه أقدامهم ما إن ظهر وطل، وتعلو الفرحة على وجوههم ما إن بان أو هل لقد كان - بحق - رجلا تشد إليه الرحال، لا مجرد عالم ترنو إليه النظرات.
وما زلت أذكر أوائل لقاءات مجلس شورى الإخوان المسلمين في العراق بعد الاحتلال وهيبة أهل السبق وهم يدخلون على إخوانهم من أهل الميدان، وللراحل الأستاذ غائم بن حمودات وقع ليس ككل وقع لقد كنت أتتبع حركاته وسكناته، ولطالما أسرتني لحظات وضونه إسباغًا ودعاء، حيث قطرات الماء الساقطة من أطرافه ولحيته، تنظر إليها فتكاد تجزم أنها أنقى من قطرات المطر، وحركات شفاهه لاهجة بدعاء سريع مستمر. ولن أنسى ذلك الدعاء الصادق المهيب الذي كان يختم به مجالس شورى جماعة الإخوان المسلمين المركزية بصوته الرخيم وارثه القديم، ليظلل جمعنا بغمام الخشوع فترجع للأصل كل الفروع، ويروي الدمع نقي الزروع فتغسل القلوب من ران الذنوب وتتصافي النفوس فما من خطوب، ويتغافر الجمع وتمحى الحظوظ، فيرتفع بنياننا وتتعافى الرضوض.
وأخيرا.. وقد رحلت يا أستاذنا - إن شاء الله - إلى دار خير من دارك، وإلى أهل خير من أهلك، فما عسانا ولك في رقابنا فضل سنين، وقد نذرت حياتك لدعوة ودين، إلا أن ندعو الله لك بعريض الدعاء، أن يجمعك مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. وربح البيع أبا صهيب.. ربح البيع أبا صهيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل