; رباعية الإصلاح والتمكين (3): خطاب التميز الأخلاقي | مجلة المجتمع

العنوان رباعية الإصلاح والتمكين (3): خطاب التميز الأخلاقي

الكاتب خالد الطراولي

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 68

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 66

السبت 08-نوفمبر-2003

يحفل المقدس الذي تحمله بالبعد الأخلاقي في كل أطرافه حتى تلخص هدف الرسالة المحمدية، مع شموليتها، في هذا الجانب الإنساني «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» «حديث» ( أخرجه البيهقي (21301) واللفظ له)، وهذا يستدعي مسؤولية مضاعفة لتبنيه كمنهاج عمل فردي وجماعي وواجب شرعي يحمله أي مشروع تغييري. وإذا كنا لا ندعى الأستاذية فيه، فإن الأخلاق تمثل محورًا مهمًا وأساسيًا في تكون الأفراد عقلية وممارسة، وفي تشكيل الخطاب تنظيرًا وتنزيلًا. ورغم أن حديثنا في هذا الباب يقارب الوعظ والإرشاد، غير أن هذا لا يقلص من متانة البحث ولا من منهجيته.

فعلى مستوى الفرد تبقى التربية الأخلاقية صمام الأمان لأي انحراف عملي أو فكري، وتجعل من بعض القيم كالأخوة والتواضع والمقاسمة عناصر التماسك والتلاحم داخل المؤسسة وخارجها، في أيام المحنة والابتلاء وفي فترات النعمة والرخاء أما على مستوى الخطاب، فإن المناداة بالمراجعة الأخلاقية في كل نواحي الحياة العامة، وتبنيها كجزء مهم ومكون أساسي للمشروع الذي تطرحه، يجعل لها تأثيراً مباشراً على مصداقية الخطاب وتنزيلاته فتخليق المشروع المطروح في كل طوابقه يبدو أمرًا أساسيًا وأوليًا، شعاره السياسة أخلاق أو لا تكون، والاقتصاد أخلاق أو لا يكون، والاجتماع أخلاق أو لا يكون والثقافة أخلاق أو لا تكون فلا انفصام ولا تجزئة، فالأخلاق كل متكامل يتنزل على كل الأطراف وكل الظواهر فليست هناك أخلاق خاصة للتعامل الداخلي وأخرى للمنافسة والتدافع الخارجي، ولا الغاية تبرر الوسيلة، بل الوسيلة النظيفة والحكمة النيرة والممارسة الراشدة والغاية الشريفة والكلمة الطيبة هي شعار ومبادئ وأهداف ثابتة ومتمكنة في أصول المشروع وفروعه تنظيراً وتنزيلاً.

وليست الأخلاق ثوابت منفصلة عن مجتمعاتها، ولا منبتة الصلة عن واقعها، بل إن أولويات التنزيل تتبع حجم النقائص والحاجات، فإذا كانت الشجاعة والإجارة والكرم العناوين البارزة في السلم القيمي في الجاهلية، فإن التقوى والإيمان كانا المعيار الثابت في المبدأ دائمًا، والمتحرك عند التفسير والتنزيل والأفضل للصفوف الأولى عند صدر الإسلام في مفهومه الأول والبسيط، ثم تبعته في مراحل متقدمة تفسيرات للتقوى أكثر التصاقاً بمطالب المرحلة من قيم الإيثار والقوة والبسالة والصمود، وإنا لنرى أن حاجات المشروع الأخلاقي في زماننا في كل تنزيلاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تتطلب عنونة أخرى للإيمان والتقوى تتجاوز بعدها الفردي الثابت إلى أبعاد فعلية مباشرة تمس مسار المجتمع في مناشدته للتحضر من مثل الفاعلية والإحسان في الاقتصاد، واحترام الآخر والذود على حرية تعبيره وتفاعله في السياسة والإيثار والتكافل بين الأفراد والمجموعات في الاجتماع، وبلورة الفن الهادف والبديل المنشود والضروري للفنون بأشكالها المتعددة وإعطاء الفرصة للإبداع في كل ميادين الظاهرة الثقافية والإعلامية.

 ففي الجانب السياسي، يتجلى البعد الأخلاقي في إطاره الإجرائي في تأكيد الثوابت والمبادئ في الفعل السياسي الذي كثيراً ما غمرته المصلحة الآنية والحسابات الضيقة، وأضحت السياسة مصالح صارخة لنزوات فرد أو مجموعة على حساب الجماعة أو الأمة. والحزم في المبادئ هو غير الشدة المعسرة والمضلة، والمرونة والرفق في التنزيل ليستا التسيب والانحلال، ومن تجليات تخليق السياسة الأخذ بأطرافها من مستنقع المناورات والكذب وقول الزور دون السقوط في مثالية زائفة والتقوقع والانعزال غير المبرر وكذلك الاجتهاد على إبعاد العمل «الإصلاحي» عن التلبس بالمزايدات السياسية ووسائل الأحزاب الأخرى في التحايل والخداع للوصول إلى الحكم والسلطة، فليس «الهدف» الوصول إلى الحكم «فقط» إنما ضبط الممارسة السياسية وعدم توريط الدعوة بصراعات يومية تبتعد بها عن أهدافها السامية وتغرقها في بحار من الدماء([1])

 والانحطاط الأخلاقي في السياسة نتيجة بارزة لضمور الشورى والديمقراطية، فأول أثر يظهر في الأمة المحكومة بالاستبداد هو فساد الأخلاق، ولذا فإن الاعتبار لهذا السلوك الحضاري وهذه المنهجية في التغيير والتمكين في بعدهما الديمقراطي، يجعل من الديمقراطية مبدأ ثابتًا في الخطاب والممارسة، وأخلاقاً قائمة داخل المؤسسة الحاملة المشروع التغيير وخارجها.

([1]) محمد سليمان:  العمل الإسلامي وسؤال النهضة. مقال منشور على موقع «إسلام أون لاين» - جوان ۲۰۰۲م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل