; رباعية الإصلاح والتمكين: البعد الأخلاقي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي | مجلة المجتمع

العنوان رباعية الإصلاح والتمكين: البعد الأخلاقي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي

الكاتب خالد الطراولي

تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003

مشاهدات 91

نشر في العدد 1577

نشر في الصفحة 66

السبت 15-نوفمبر-2003

كما يبرز البعد الأخلاقي في الإطار الاقتصادي، في تخليق كل العمليات الاقتصادية من استهلاك وإنتاج واستثمار. ولن يعدم تاريخنا وتراثنا في فترات رقيه، ومقدسنا الفعلي والقولي من مشاهد وأحوال وتنظيرات وممارسات في هذا المجال. ولعل قيماً كالصدق والثقة والإنصاف وهي أعمدة الصلاح والفلاح الاقتصادي في الأنساق الحالية، ليست غريبة عن أمسنا، ولن تكون مبعدة عن حاضرنا وعن غدنا. 

ويتجلى البعد الأخلاقي في المجال الاجتماعي في الرفض الشديد والحازم للمحسوبية والرشوة والفساد، التي تمثل ثلاثية الظلم الاجتماعي الحالقة      -ولو بعد حين- لكل أواصر الوحدة الوطنية، من إفقار أفراد وإثراء آخرين على حساب حقوق المواطنة والإنسانية من عدل ومساواة. ويسعى الطرح الأخلاقي اجتماعياً إلى تجنب النخبوية نظرًا لملامسته العديد من النقاط التي تجمع عليها الخاصة والعامة وتعيها، لأنها تمثل قيم اليوم والليلة.

كما تمثل الأخلاق عامة حاجة للمجتمع يجب إشباعها، ولا تمثل العودة الحالية للإسلام الفطري إلا أحد الأجوبة لهذه الانتفاضة الأخلاقية، التي تدعو إلى التجاوب معها من خلال هذا البعد عبر تخليق الخطاب والممارسة والتنظير والتنزيل، حتى تبقى حركة التغيير مثالًا ونموذجًا أخلاقيًا، يسهل التقاءه لاحقًا بهذا المد التديني العام. 

من حركات سلطة إلى حركات مجتمع ومشروع هداية: إن الحديث السالف عن الأخلاق والروحانية يعتبر منفذًا مبدئيًا واستراتيجيًا لطرق مسألة التغيير، ويعطي للطرح الإصلاحي تميزًا وأسبقية ومصداقية، وحتى أبوة تعجز عنها نسبيًا الأطراف الأخرى، وهو يشكل في الحقيقة فهماً آخر للمعالجة الوطنية يتركز على الجوانب التالية:

- تقليص لهيمنة السياسي في التنظير والتنزيل وإعطاء توازن جديد لمفهوم التغيير، يجعل من الحركة الإصلاحية حركة مجتمع، لا حركة سلطة. وهذا يستدعي إعادة الاعتبار لجوانب أخرى في التغيير من دعوي وأخلاقي وثقافي وتربوي وحتى اقتصادي، وتغليب التغيير القرآني على التغيير السلطاني، وإعطائه الأولوية كلما تبين أن الأرضية والواقع المحيط يسمحان بهذه دون تلك، وإذا عجز السياسي اليوم ولو في محطاته القريبة في النجاح فلقصور فهمنا في ماهية التغيير وحصره في الجانب السلطاني. 

- اعتماد الطريق الإصلاحي ذي المدى البعيد والعميق، والمتأني في التغيير الذي يأخذ بالاعتبار الخصائص المحلية والظروف الإقليمية والدولية. إن الإصلاح عملية إجرائية ومسار حضاري شامل وجامع يعنى بالفكر والممارسة، ويعتمد على مراحل ومحطات في التغيير، ولا يتعدى الواحدة منها دون استكمال للأولى، أو عدم نضج وقابلية التي تليها. 

- مشاركة كل الأمة في تبني المشروع والسعي لإنجاحه عبر توسعة إطار الحركة الإصلاحية ومفهومها وتنوع منهجية التغيير. فمن خصائص هذه الأمة المعنية في مسيرة التغيير من خلال الآية الكريمة: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤)، هذه الأمة هي من ذات الأمة لا تتميز عنها في التكليف وتحمل خصائصها، فهي الأمة في مجموعها الداعية الساعية، الحاملة للواء التغيير. فهو ليس تميزاً في نوعية الأفعال والمطالب ولكن في المستوى والدرجات.

- عدم الالتفاف أو توظيف حالة التدين التي تشهدها الشعوب حاليًا توظيفًا مرحليًا، وترك هذه الظاهرة تأخذ مسارها الطبيعي بعيدًا عن كل هيمنة أو توجيه. فللتدين منهجيته وخطابه ورجاله وذووه، ولحركات الإصلاح نخبها وأطرها واستراتيجياتها غير أن مواعيد اللقاء المحتومة لم يحن أوانها، وإن التسرع وطي المراحل لا يؤدي إلا إلى بوار (۱).

- اعتبار المشروع التغييري مشروع هداية بالأساس، يبتغي الرفاهة الروحية والمادية لأفراد المجتمع. حتى لا يقع فيما وقع فيه العديد من حركات الإصلاح من تضخيم الاعتبار للسلطة والتمكين، وتجاهل للدين وخصوصياته الربانية والروحية، فيقع المحظور، يقول الشيخ الترابي في هذا الشأن معللًا النقص الحاصل والتجاوز الملموس في مرحلة التمكين لحركته: «ودفعنا بقيادات كثيرة لتولي هذه المناصب، وهؤلاء تخلوا عن المجتمع، وأضعفوا الحركة الإسلامية في المجتمع، والحركة هي حركة دين وليست حركة سلطة. هذا الخلط أدركناه الآن..» (٢)

الحرية والإطار السليم للمرجعية

إن أهمية المرجعية الأخلاقية والروحية في أي مشروع تغييري لا يمكن أن تنال درجتها المثلى خارج إطار جامع وشامل تحمله قيمة الحرية، فالحرية تشكل منظومة قيمية وتنزيلاً واقعياً يحوي الأبعاد الأخلاقية والروحية في التغيير، وينزع عنهما قدسية مغشوشة أو فردية زائفة، ويعطيهما أفاقاً إنسانية تمثل في الحقيقة هدف التغيير ومنهجيته، لقد ظلت الحرية الفريضة الغائبة عند الراعي والفقيه والرعية على السواء، قديمًا وحديثًا، رغم تشوف النصوص والأفعال المقدسة إلى قيمتها، وغابت أخلاقها وروحانيتها وهدفها العبادي، فاستبد الحاكم وجعل نفسه ظل الله في أرضه، وتهمش الفقه السياسي وانكمشت أوصاله، وتربع فقه الحواشي والمداراة والسلامة، وانسحب الجمهور ولاذ بالزوايا نشداناً لغيبة أو غيبوبة، أو بالأسواق طلباً للمعاش والارتزاق وإذا كانت الأخلاق والروحانية مرتكزات أساسية لمشروع إصلاحي للتغيير وبوابة صالحة لولوجه، فإن الحرية تشكل الإطار السليم والمقصد الغالي والنفيس التي تصطحب التغيير المخلق والمعبد وتهدفه.

ختامًا: إن المرجعية الأخلاقية والروحية تشكل جزءاً من كل متكامل تمثل أطرافه الأربعة شروط التغيير السليم وأهدافه الصحيحة، وهي رباعية الإصلاح والتمكين التي نراها بداهة: من أخلاق وروحانية وعدل وحرية، التي على صرحها يتمكن نمط حضاري صاعد، يستطيع أن يثمر ويعطي الفرد والمجموعة اتجاهات واعية ومسالك صائبة وأقوالاً راشدة، وأفعالاً ناجحة. هذه الرباعية التي يتحمل الرشاد والوعي وتفهم الوضع المحلي والدولي ومدى قابليته وقبوله وحالة الإطار المعيشي للفرد والمجموعة مهمة تحديد أولوياتها، وسلامة تنزيلاتها، يجعل من هذا الطرح المتكامل نسبياً قابلًا لاستجابة جماهيره، بعيدًا عن مثالية مزيفة، وأقوال مسقطة، ومطالب متنطعة وغير موضوعية، ولا يمكن لمشروع تغييري أن ينال قرب شعوبه وتبنيها له إذا لم يجسد أمالها، ويستجب لمطالبها وحاجاتها، وإنا نرى أن الأبعاد الروحية والأخلاقية تمثل مطالب وأطرًا تنتظرها الشعوب وتسعى لكسبها مع غيرها من المكاسب.

الرابط المختصر :