العنوان راعي البقر: سنحتل مراعي حقول النفط بالقوة
عنوان تمهيدي رأي في الأحداث
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1973
مشاهدات 13
نشر في العدد 152
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-مايو-1973
(إن الاعتماد المتزايد على نفط الشرق الأوسط قد يدفع بالولايات المتحدة أو بديلاتها ذات القدرة العسكرية مثل إسرائيل وإيران إلى الاستيلاء على البلدان العربية المنتجة للنفط بالقوة.
وليس هناك شك في قدرتنا على الاستيلاء على
الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط بالقوة.. فهذه الدول لا أهمية لها من الناحية
العسكرية وهي تشكل ما كان علماء الجغرافيا السياسية يصفونه بـ«فراغ القوة»).
السناتور
وليم فولبرايت
رئيس
لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي
في الدراسات السياسية ذات الصلة بالبحث الحضاري
والتاريخي ما يسمى «بخطر التحجر».. ويبدو أن الأمريكيين يمرون هذه السنوات بهذه
المرحلة الخطرة.
كانوا يسخرون من التحجر الشيوعي في السياسة
والتعامل.. ويتهكمون من النظريات الجامدة التي يحشر الشيوعيون فيها أنفسهم
متجاهلين حقائق العصر.. ومتطلباته المتجددة.
وكان رجال الدبلوماسية الأمريكية يتندرون كثيرًا
وهم يعلقون على مندوب روسيا في الأمم المتحدة الذي طلب رفع الجلسة حتى يستشير
حكومته في تغيير لفظ عادي لا يحمل أي مدلول سياسي..
فهل تبنى الأمريكيون اليوم نظرية «التحجر» هذه؟
في الخمسينيات طرحت أمريكا في منطقة الشرق الأوسط
نظرية «سد الفراغ»..
وبعد ربع قرن يكرر فولبرايت نفس الكلام.. ويقدم لنا
خلاصة ما قرأه في الجغرافيا السياسية حين يطبق مقولة «فراغ القوة» على منطقتنا.
إن الأيام تغيرت..
والعلاقات الدولية تغيرت..
والناس تغيروا..
وظهرت حقائق عصرية جديدة.
ورغم ذلك يحاول فولبرايت أن يجرنا إلى الخلف بمسافة
ربع قرن من الزمان..
قديمًا - وأيام حكاية سد الفراغ - كانت الصين
متحالفة مع روسيا.. ضد أمريكا..
تغير الوضع الآن.. فأصبحت الصين تتعاون مع أمريكا..
ضد روسيا..
قديمًا - وإبان حكاية الفراغ - كانت نسبة التعليم
في منطقتنا جد ضئيلة.. ومع هذه الضآلة رفض مشروع سد الفراغ.
الآن.. ارتفعت نسبة التعليم.. فهل يقبل الناس وهم
متعلمون ما رفضوه وهم جاهلون؟
قديمًا - في زمان سد الفراغ - كان نيكسون العدو
الأول للشيوعية في أمريكا.. وكان يحاربها بكل وسيلة.. ولقد اجتهد في صياغة قانون
لمكافحة الشيوعية يسمى بقانون نيكسون..
اليوم.. نيكسون يزور روسيا والصين.. ويستقبل
بريجنيف في البيت الأبيض ويدعم روسيا بالقمح..
قديمًا - في عهود نظريات سد الفراغ - كان الدولار
الأمريكي موضع ثقة دولية.. وكان ميزان المدفوعات يحقق -باستمرار- فائضًا ضخمًا..
الآن.. الثقة بالدولار اهتزت.. وميزان المدفوعات
أصبح في كل عام يضيف عجزًا جديدًا..
يقولون: إن بروز اليابان.. وقيام السوق الأوروبية
المشتركة.. واحتياج الولايات المتحدة المتزايد إلى الواردات.. هذه العوامل كانت
سببًا في اضطراب الدولار.. وعجز ميزان المدفوعات..
وهذا صحيح.. ولكن صحته تؤكد ظهور حقائق عصرية
جديدة.. لا تصلح العيون القديمة لرؤيتها.. ولا الأسلوب القديم.. للتعامل معها..
قديمًا - في أحقاب سد الفراغ - كان النظام الأمريكي
- وبيته الأبيض - يبهر كثيرًا من الناس.. ويغريهم بتقليده.
اليوم.. وبعد فضيحة ووترجيت.. التي شلت أسلوب
الانتخابات.. والتنافس الحزبي.. وموظفي البيت الأبيض.. ووزير العدل.. ومكتب
التحقيقات الفدرالي.. أعاد الناس النظر في النظام الأمريكي.
وأقوى دليل على ذلك أن نيكسون نفسه قدم مشروعًا
بإجراء إصلاحات جذرية في النظام..
إن تجاهل حقائق العصر لهو أخطر ما تصاب به أمة من
الأمم.
ومن تجاهل حقائق العصر التفكيرُ في استعمال القوة
لاحتلال منابع النفط في الدول العربية.
لماذا هذا التفكير الذي سيكون أول ضحاياه.. مصالح
أمريكا في المنطقة؟
القضية -بموضوعية وعقل- هي أننا نملك بترولًا نريد
تسويقه.. والولايات المتحدة -وغيرها- تريد شراء هذا البترول للانتفاع به.. فمن أين
أتى التعقيد؟
التعقيد جاءنا لأن أمريكا تريد أن تأخذ بترولنا...
ثم تقف ضدنا مع اليهود..
وأمريكا بهذا التصرف لا تقف ضدنا فحسب.. وإنما تقف
ضد مصالحها القومية أيضًا.
وحين تُضارُّ مصالحها القومية فعليها أن تلوم نفسها
لا أن تفكر -بهوس وعصبية- في استعمال القوة ضدنا.
إن تحالف أمريكا مع اليهود سيجر عليها المتاعب
ويدمرها تدميرًا..
إن أمريكا تدفع ضريبة الوقوف الدائم.. والدعم
الدائم لليهود..
وفكرة السطو علينا بالقوة لن تحل المشكلة بل
ستزيدها تعقيدًا وحدة وخطورة..
فهذه الشعوب التي يراد احتلالها بالقوة.. لن تستقبل
الغزاة بالمحبة والترحيب..
هذه الشعوب ستجدد كفاحها -بمبررات جديدة- ضد
المتسلطين والطامعين.
ولا تستطيع أمريكا.. ولا بديلاتها السيطرة على شعوب
بأكملها.
إن الصراع سيستمر.. ما لم تعدل أمريكا موقفها فلا
تلوم إلا نفسها..
إن تفكير فولبرايت أخطر من أزمة الوقود ذاتها..
أخطر لأنه سيكون وقود أزمة جديدة تورط بلاده في
مأزق خانق..
ومشكلة أمريكا أنها لا تزال تتعامل مع العالم..
بناء على معلومات المخابرات والجاسوسية..
إن القرار السياسي الفاشل هو الذي يعتمد على
معلومات المخابرات وحدها..
وكم من مرة اتخذ فيها الأمريكيون قرارًا سياسيًا
اعتمادًا على تقارير الاستخبارات فإذا بهم يقعون في هُوَّة الأخطاء القاتلة؟
وقصة خليج الخنازير معروفة، وورطات صفقة القمح
لروسيا، والتقرير الجاهل الذي قدمته المخابرات الأمريكية وأكد بأنه لن يحدث غزو
لتشيكوسلوفاكيا فإذا بالغزو يحدث.. والتقرير الذي أكد وصول أسلحة شيوعية إلى جنوب
فيتنام مرورًا بمرفأ سيهانوك فيل ثم اتضح خطؤه..
والكذب الذي انطوى عليه تقرير يتحدث عن سيطرة
الشيوعيين على مساحات شاسعة من الريف الفيتنامي الجنوبي.
هذه كلها وقائع تثبت مدى المآزق التي تقع فيها
أمريكا لأنها لا تريد أن ترى العالم إلا بمنظار الاستخبارات!
ولكن ماذا عن موقفنا نحن؟
إن فراغ القوة الذي يتحدث عنه فولبرايت.. ينبغي أن
يكذب بعمل جدي من أهل المنطقة جميعًا..
إن الشعوب تريد أن تحيا حياة عزيزة حرة شريفة، بلا
تسلط ولا تبعية.. ولا وصاية..
وحكام هذه المنطقة ملزمون بالتعبير عن إرادة الشعوب
وتمثيلها وتطبيقها..
وإذا لم يفعلوا.. فالمرحلة لا تحتمل وجود حكام
فاشلين أو غير مكترثين بأمتهم.. حاضرًا ومصيرًا.
لقد اتضح الموقف.. فليحمل كل إنسان مسؤوليته..
وليؤد واجبه وأمانته.
ولكي تكون المسيرة.. واثقة الخطى.. قوية النهضة محصنة الصف.. فإن الاعتصام بالله هو أول شرط في مواجهة متاعب النفس.. ومجابهة الظروف الخارجية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل