; رابين يسابق الزمن من أجل تهويد القدس | مجلة المجتمع

العنوان رابين يسابق الزمن من أجل تهويد القدس

الكاتب ربيع حسين

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1151

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 30-مايو-1995

  • الكيان الصهيوني صادر حتى الآن ٧٪ من مساحة القدس تحت مسميات مختلفة فيما يواصل عرفات تسليم ما تبقى
  • كل القوى الإسرائيلية تسعى لضم القدس، وتهويدها، والڤيتو الأمريكي أثبت ولاء أمريكا لإسرائيل 

القدس المحتلة : ربيع حسين 

 خدمة خاصة لـ «المجتمع» من قدس برس.

أدى إعلان الحكومة الإسرائيلية مصادرة ٥٣٠ دونمًا من أراضي المواطنين العرب في الجزء الشرقي من مدينة القدس لإقامة مستوطنات جديدة لليهود عليها إلى أزمة سياسية في العلاقات الناشئة بين الدولة العبرية وأطراف عربية عدة. 

ويرى أنصار مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية أن القرار الإسرائيلي يلقى ظلالًا كثيفة من الشك على نوايا الإسرائيليين تجاه المدينة ومستقبلها رغم الاتفاقات التي توصلت لها منظمة التحرير الفلسطينية مع الحكومة الإسرائيلية والتي تقضي بتأجيل بحث مستقبل المدينة إلى مفاوضات المرحلة النهائية.

وفيما كانت الأزمة تتصاعد دبلوماسيًا في الجانب العربي أكدت الحكومة الإسرائيلية عزمها على المضي قدمًا في تنفيذ خططها الاستيطانية في شرقي القدس، في إطار مشاريع ما يسمى بـ «القدس الكبرى»، وإيجاد تواصل ديمغرافي يهودي حول القدس.

انتزاع ما تبقى من أراض للعرب قبل التفاوض

من جانبه أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين تعليقًا على انتقادات يساريين إسرائيليين بينهم وزراء في حكومته الائتلافية لقرارات المصادرة التي رأوا فيها ضربة جديدة لمشروع السلام الجاري أنه «يجب الاستمرار في توطين اليهود في القدس من أجل تدعيم الوجود اليهودي فيها من مختلف الاتجاهات».

فيما صادقت السلطات الإسرائيلية على إقامة ٧٥٠٠ وحدة سكنية لاستيعاب ٣٥ ألف مستوطن يهودي على أراض تمت مصادرتها قبل نحو خمس سنوات من أصحابها العرب في قرى صور باهر وأم طوبا وبلدة بيت ساحور إلى الجنوب من القدس وذكر أن العمل في إقامة هذه المستوطنة الجديدة سيبدأ بعد أربعة أشهر، ومن المتوقع أن يتم في غضون عام إلى عامين بناء آلاف الوحدات السكنية في نطاق المخطط.

 وتعتبر الخطط والمشاريع الاستيطانية التي أعلنت عنها الحكومة الإسرائيلية برئاسة حزب العمل أو تلك التي أعلن عنها المجلس البلدي الإسرائيلي في القدس بزعامة تكتل ليكود اليميني المعارض في القدس الشرقية هي الأوسع من نوعها منذ ما يزيد عن 15 عامًا، وتندرج المشاريع الاستيطانية الجديدة في نطاق حزام المستوطنات اليهودية حول القدس، الذي يسعى لتكريس حدود ما يسمى بـ «القدس الكبرى» بما يؤدي إلى خلق وقائع سياسية وديمغرافية تنتهي قبل بدأ المفاوضات بين إسرائيل، ومنظمة التحرير حول وضع المدينة التي نص اتفاق إعلان المبادئ بين الجانبين على إرجاء البحث فيها إلى مفاوضات المرحلة النهائية التي من المقرر أن تبدأ بعد في غضون النصف الأول من عام ١٩٩٦م.

 ينقل داني روبنشتاين المعلق الإسرائيلي في صحيفة «هارتس» العبرية الصادرة في ١٢ مايو (أيار) الجاري عن ياسر عرفات قوله لأعضاء وقد من أنصار منظمة التحرير الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» في الضفة الغربية احتج على خطط إسرائيلية المصادرة أراض قريبة من مدينة البيرة وسط الضفة بهدف شق شارع استيطاني يتلافى مرور المستوطنين اليهود في المدن والقرى العربية «اتركوا ذلك، فهذه أرض صغيرة، ثم هل تريدون أن يتنقل الجنود والمستوطنون من وسط البيرة ويسببون المشاكل لكم، أعتقد أن من الأفضل أن يتنقلوا من خارج البيرة ورام الله» وتعكس هذه الأقوال – إن صحت – نمطًا خطيرًا في التفكير السياسي لقيادة السلطة الفلسطينية الذاتية ومنظمة التحرير الفلسطينية. 

كما ويمكن الإشارة سريعًا إلى أن عرفات وأنصاره لم يحتجوا على مصادرات الإسرائيليين لأراض عربية في الضفة يقول الإسرائيليون أنها ضرورية لشق الطرق المتجاورة، التي تشكل جزءًا من عملية إعادة نشر قوات الاحتلال في الضفة الغربية.

المخطط الصهيوني لتهويد القدس

وتشير إحصاءات عربية إلى أن قوات الاحتلال صادرت نحو ٧٠ في المائة من أراضي الضفة الغربية منذ احتلالها عام ١٩٦٧م، غير أن عمليات المصادرة والاستيطان شهدت تطورًا مثيرًا بعد توقيع اتفاق أوسلو، وحسب إحصاءات «مركز أبحاث الأراضي» التابع لجمعية الدراسات العربية التي يشرف عليها فيصل الحسيني، فإن المعدل الشهري للمصادرات بلغ خلال سنوات الانتفاضة ٤٧٠٠ دونم، وانخفض بعض انعقاد مؤتمر مدريد ليصل إلى ٢٥٠٠ دونم، غير أنه عاد ليقفز إلى ٨٤٠٠ دونم شهريًا بعد توقيع اتفاق أوسلو، أما معدلات الاستيطان المباشر فكانت ۲۳۳ دونمًا قبل مدريد وقفزت إلى ۱۰۸۱ دونمًا بعد اتفاق أوسلو أما في القدس التي ترى فيها جميع القوى السياسية الإسرائيلية عاصمة موحدة للدولة اليهودية، فتشير إحصاءات جمعية الدراسات العربية إلى أن الاحتلال صادر ٧٩ في المائة من مساحتها الإجمالية تحت مسميات مختلفة.

 ويلاحظ أن مخططات الاستيطان الإسرائيلي الحالية في مدينة القدس تتجه نحو تكثيف الاستيطان في المنطقة الممتدة ما بين مستوطنة «معاليه أدوميم» القريبة من منطقة الخان الأحمر شمال شرق مدينة القدس والمدينة نفسها، وكذلك توسيع وتكثيف الوجود اليهودي بين مستوطنة «بسغات زئيف» ومدينة القدس، وكانت مستوطنة «بسغات زئيف» أقيمت بين مستوطنتي «التلة الفرنسية»، و«النبي يعقوب»، لقطع الطريق على التعدد السكاني العربي في القدس باتجاه بيت لحم وبالعكس.

ويسعى المسئولون اليهود إلى إقامة مستوطنات جديدة بين «بسغات زئيف» و «التلة الفرنسية»، لمنع العرب من اختراق «البوابة الشرقية» اليهودية للقدس، وفي سياق المخطط الإسرائيلي الرامي إلى عزل القدس عن محيطها العربي وتفريغها من المواطنين العرب تواصل بلدية المدينة حملات المداهمة والهدم للمنازل العربية بحجة البناء غير المرخص، في وقت تنشط فيه الجمعيات الاستيطانية اليهودية للاستيلاء على العقارات العربية داخل الأحياء الشرقية في المدينة المحتلة، وتتلقى هذه الجمعيات دعمًا مباشرًا وغير مباشر من الوزارات الإسرائيلية وتبرعات مالية ضخمة من الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة وأوروبا. 

كما يشمل المخطط الصهيوني لتهويد القدس توسيع حدود المدينة من أجل خلخلة المعادلة الديمغرافية فيها، وإيجاد واقع جغرافي جديد تكون فيه المدينة محاطة بالمستوطنات من جهاتها الأربعة، بحيث تمتد هذه المستوطنات لتصل إلى البحر الميت شرقا ومستوطنة «متسببة يريحونه» القريبة من مدينة أريحا غرب ومستوطنة «بيت إيل»، في منطقة رام الله شمالا، ومستوطنات مدينة الخليلة جنوبا، ومن شأن تنفيذ هذا المخطط شطر الضفة الغربية إلى قسمين رئيسين تفصل بينهما منطقة القدس، وكذلك إيجاد تواصل استيطاني بين التجمعات اليهودية التي ستتحول إلى امتداد إسرائيلي داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ في الضفة الغربية

 ويقول المراقبون إن الاتفاق الفلسطيني- الإسرائيلي الذي تجاهل ذكر الأرض منحا شرعية سياسية لعمليات الاستيطان إذ لم يطل الجانب الفلسطيني الذي فاوض الإسرائيليين في أوسلو بوقف تام لعمليات الاستيطان، رغم أنه رفع شعار إنقاذ ما يمكن إنقاذه للدخول في محادثات مدريد، فيما أدى تأجيل بحث مستقبل القدس إلى المرحلة النهائية إلى منح شرعية زمنية العمليات المصادرة الإسرائيلية ومخططات الاستيطان اليهودي.

 ردود فعل عربية وفلسطينية

 ردا على القرارات الإسرائيلية طالبت معظم القوى الفلسطينية بوقف المفاوضات مع الإسرائيليين والعمل على تشكيل جبهة تضم كافة القوى والاتجاهات الفلسطينية على اختلاف انتماءاتها ومواقفها تتولى – من خلال توفير برامج وخطط عملية وإسناد عربي وإسلامي – التصدي للمخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد المدينة المقدسة وإحكام السيطرة عليها عن طريق فرض الأمر الواقع.

غير أن أبرز ما كان في الموقف الرسمي الفلسطيني هو تصريحات مروان كنفاني – مستشار عرفات لشئون الإعلام – حيث أعلن في مؤتمر صحفي عقده في مدينة غزة يوم ١٤ مايو (أيار) الجاري أنه «إذا فشل مجلس الأمن أو نجح في وقف المصادرات الإسرائيلية، وإذا استمرت إسرائيل أو لم تستمر وإذا أعطونا (للسلطة) الأموال أم لم يعطونا أموال دعم، فإن هذه التجربة مشروع الحكم الذاتي ستستمر».

 وتلخص أقوال كنفاني الموقف الذي تتبناه السلطة الذاتية الفلسطينية برمته وهو المضي قدما في المشروع حتى النهاية أيا كانت إجراءات «إسرائيل»، لتحديد معالم هذه النهاية.

 سياسيا تقدم الفلسطينيون بدعوة لجامعة الدول العربية للنظر في المصادرات الصهيونية لأراضي القدس، وطلبت المجموعة العربية في الأمم المتحدة من مجلس الأمن اتخاذ موقف يحول دون مصادرة الأراضي، وأعرب الإسرائيليون عن استيائهم من الشكوى الفلسطينية والعربية، فيما قال شمعون بيريز – وزير خارجية الدولة العبرية إن حكومته «لن تتراجع وأن العرب أخطئوا باللجوء لمجلس الأمن، وكان من الأجدى أن يسارعوا للتفاوض مع إسرائيل بشأن الموضوع».

 منذ البداية لم تكن المؤشرات مطمئنة تجاه هذه التحركات خاصة في ظل إدارة وكونجرس أمريكيين يتسابقان لإثبات أنهما إسرائيليان أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، وأدى الفيتو الأمريكي المستخدم -لأول مرة- منذ خمس سنوات إلى إحباط التحرك العربي على هذا الصعيد، ويمكن التوقع أن التصرف الأمريكي سيؤثر على العلاقات الأمريكية – الأوروبية والعلاقات الأمريكية – الروسية وسيدفع باتجاه إعادة نمط جديد من أنماط الحرب الباردة على الساحة الدولية قد يظهر أثره عند نقاش قادم للحظر النفطي المفروض على العراق، غير أن تأثير القرار الأمريكي الذي وصف بأنه «منحاز» لإسرائيل على العلاقات العربية – الأمريكية في ظل الوضع القائم على التشرذم والانكسار العربي سيبقى محصورا غير فعال.

من المنطقي الاعتراف أن الفيتو الأمريكي لا يعد انقلابًا في مواقف، وسياسات إدارة أمريكية مقبلة على انتخابات عامة بعد نحو عام، وتحتاج لأصوات اللوبي اليهودي في مواجهة الجمهوريين المندفعين بقوة لاستعادة سيطرتهم على المكتب البيضاوي في واشنطن بعد أن اكتسحوا الكونجرس فيما يشبه الانقلاب.

إلا أن استخدام الإدارة الأمريكية للفيتو يعد مؤشرًا على مصير السياسات القائمة على الثقة بالموقف الأمريكي، كما أنها دليل على خطأ مقولة عرفات بعد حضوره حفل التوقيع على اتفاق أوسلو بأنه ترك صديقًا للفلسطينيين في البيت الأبيض في إشارة إلى الرئيس الأمريكي بل كلينتون.

مستقبل القدس.. والانتخابات الإسرائيلية

يجب الاعتراف أن جميع القوى اليهودية في الدولة العبرية تؤيد ضم القدس الموحدة لدولتهم، وبالتالي فإن التعويل على موقف إسرائيلي يقبل بشرقي القدس عاصمة لدولة فلسطينية فوق الضفة والقطاع هو نوع من العبث إذا سلمنا بأن القوى المؤيدة لاتفاق أوسلو قادرة على تطويره ليصبح دولة.

 كما أنه يجب على أصدقاء الولايات المتحدة العرب الاعتراف أنه لا يمكن التعويل على الموقف الأمريكي المندفع بقوة لتأييد الإسرائيليين في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والفيتو الأخير دليل على ذلك.

 من ناحية ثانية يجب على الفلسطينيين الاستعداد لتلقي المزيد من اللطمات التي ستكون بلا شك قاسية جدًا أحيانًا من شريكهم في اتفاق أوسلو، إذ يدرك رابين أنه وصل سدة الحكم في الدولة العبرية على جبل من الوعود بالرخاء الاقتصادي، والأمن الشخصي للإسرائيليين، وهو مقبل على معركة انتخابية قاسية بعد ۱۳ شهرًا.

وإذا أمكن لرابين مجادلة معارضيه اليمينيين في أن حكومته حققت نجاحًا في الشق الأول فإنه بالتأكيد سيهزم عن جدارة في الشق الثاني، وعليه فإن رابين سيعمل على تعزيز موقعه بين الإسرائيليين عن طريق إجراءات قادرة على إقناعهم بإعادة انتخابه، وتبدو المباراة الانتخابية داخل المعسكر الإسرائيلي ستتركز حول محورين أساسيين الأول القدس، والثاني المقاومة الفلسطينية، وسيحاول رابين وخصومه اليمينيين العمل على تحقيق نقاط ضد بعضهما البعض في هذين المجالين، ولعل مصادرة أراضي القدس هي جزء من السباق الانتخابي الإسرائيلي.

 ويقول دبلوماسيون غربيون في القدس إن على الفلسطينيين النظر بحذر لمحاولات مجموعات اليمينيين المتطرفين اليهود اقتحام المسجد الأقصى، إذ قد يعمد رابين لمنحهم حقًا في أداء طقوسهم داخل المسجد الأقصى تمهيدًا لتكرار تجربة الحرم الإبراهيمي، وهي خطوات من شأنها منح مصداقية لرابين في أوساط المتزمتين اليهود. 

وباختصار؛ فإن استمرار الإجراءات الإسرائيلية لتهويد القدس وشن هجمات ضد المقاومة الفلسطينية تشكل لرابين ورقته الأخيرة لكسب الانتخابات الإسرائيلية المقررة أواسط العام القادم.

وفي المقابل فإن التشتت العربي، واحتدام الخلافات الفلسطينية سيشكلان حاجزًا طبيعيًا أمام أي خطط للتصدي للمخطط الإسرائيلي، وإذا كان من الصعب التعويل على المواقف العربية في هذا السياق كثيرًا، فإن الفلسطينيين وهم في صف المواجهة الأول ملزمون بالاستعداد لها، ويمكن في هذه العجالة التفكير في هدنة، فلسطينية تمتد حتى نهاية الانتخابات الإسرائيلية، وتقوم على العمل المشترك لحماية الفلسطينيين وما تبقى من القدس.

 إن فشل الفلسطينيين في توحيد رؤيتهم لقيادة صراعهم مع الإسرائيليين حول القدس يعني تمكين الفلسطينيين من السيطرة على المدينة.

 ويقول مفاوض فلسطيني سابق شارك في مؤتمر مدريد ويحظى باحترام واسع في أوساط الفلسطينيين.

 إن المسئولية تقع بشكل مباشر على عائق السلطة، لأنها قادرة على تمزيق الفلسطينيين أو حفظ وحدتهم، ويشير المفاوض إلى أن السلطة إذا واصلت إجراءاتها ضد معارضيها داخل قطاع غزة في هذه المرحلة؛ فإنها تواصل عمليًا تفتيت الجبهة الفلسطينية الداخلية وفتحها على مصراعيها أمام المخططات الإسرائيلية .

 

الرابط المختصر :