العنوان رئيس إسلامي جديد .. يقود جزر القمر للتقارب مع العرب
الكاتب رضا عبدالودود
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 67
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 30
السبت 27-مايو-2006
فرنسا وأمريكا ستقفان له بالمرصاد
حصوله على ٥٨,٧٪ من أصوات الناخبين يؤكد حاجة الشعب القمري للعرب والمسلمين
حملات تشويه متواصلة ضده من الآلة الإعلامية المرتبطة بفرنسا واليساريين
فرنسا مازالت تستعمر جزيرة مايوت.. وتصدر أجود أنواع العطور منها على أنها فرنسية
ما بين التخويف من أن يكون أحمد عبد الله سامبي الرئيس الجديد لجزر القمر إسلاميًّا متشددًا سيطبق أحكام الشريعة الإسلامية –بالرغم من تأكيده أنه مازال أمام جزر القمر وقت طويل لتهيئة شعبها خلقيًّا واقتصاديًّا للقبول بالأحكام الإسلامية– واتهامه بأنه على علاقة وثيقة بإيران، بالرغم من تأكيده أنها لا تتعدى علاقاته العلمية خلال سني دراسته.
ما بين هذه وتلك تتواصل حملة التشويه التي تقودها آلة الإعلام الفرنسية والأوساط اليسارية، وتستهدف تشويه صورته، ووضعه في موضع الدفاع لتسهيل عملية إخضاعه للسياسات الفرنسية التي يعارضها بشدة, لكن تلك الحملة جاءت بنتائج عكسية إذ كانت من الأسباب الرئيسة لفوزه.
وفي أول تصريحاته الإعلامية بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد ١٤/٥/٢٠٠٦م قال سامبي: إن أول شيء فعله عقب فوزه صلاة ركعتين شكرًا لله، وقدم نفسه للإعلام الذي دأب على تشويهه قائلًا: أجدادي قدموا من حضرموت في اليمن, وأنا سني على مذهب الإمام الشافعي, مستغربًا تركيز وسائل الإعلام على السنوات التي أمضاها في إيران، ودراسته للنظرية السياسية الإسلامية بإحدى حوزاتها العلمية، مشيرًا إلى أن علاقته مع إيران ستحكمها المصالح الاقتصادية فقط كبقية الدول العربية والإسلامية، داعيًا الدول العربية للاستثمار في جزر القمر التي تتمتع بموقع استراتيجي في المحيط الهندي.
انتصار للتوجهات العربية الإسلامية
وقد اتسمت نتائج الانتخابات الرئاسية بقدر كبير من الشفافية, اعترف بها منافسو سامبي والرئيس السابق عثمان غزالي. وحصل سامبي فيها على 58,7٪ من أصوات الناخبين حسب النتائج النهائية (وكانت النتائج الأولية قد كشفت حصوله على ما بين ٦٠-٧٥٪ من الأصوات)، مقابل ۲۹٪ لخالد عبدالرحمن هاليدي المدعوم من الرئيس غزالي، و ١٤٪ لمحمد جعفري الضابط السابق في الجيش الفرنسي. ومعروف عن أحمد عبد الله سامبي توجهاته الإسلامية وريادته للإعلام الإسلامي في جزر القمر؛ فهو أول من أنشأ إذاعة إسلامية، ثم قناة تلفزيونية للبرامج الإسلامية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
ولعل مفاجأة فوز سامبي وحصوله على معظم أصوات الناخبين في جزيرة القمر الكبرى، بالرغم من أنه من مواطني جزيرة أنجوان الصغرى، قد أظهر شعبيته وقبول غالبية السكان بالحلول الواقعية التي يطرحها، من وجهة نظر عربية وإسلامية، طامحة للتعاون مع العالم العربي والإسلامي؛ لتخفيف وطأة السياسات الفرنسية التي ما زالت تحتل الجزيرة الرابعة (تتكون جزر القمر من أربع جزر ثلاث مستقلة والرابعة –وهي الكبرى– مازالت تحت الاحتلال الفرنسي)، وتسعى واشنطن هي الأخرى للسيطرة على جزر القمر بعد هجمات ۱9۹۸ ضد السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا.
ومنذ ذلك الحين تطارد القوات الأمريكية المواطن القمري فضل عبد الـ... محمد للاشتباه في تورطه في تلك الهجمات، كما أظهر الرئيس السابق غزال تعاونًا كبيرًا معها: تجلى في قرار السلطات القمرية إغلاق مكاتب مؤسسة الحرم الإسلامية الخيرية في مارس ٢٠٠٥م.
يشار إلى أن ۹۸٪ من سكان جزر القمر البالغ عددهم ٦٧٠ ألف نسمة -مسلمين سنة مثل سامبي- و٢٪ من الكاثوليك.
برنامج إصلاح شامل
وركز برنامج سامبي الانتخابي على ضرورة التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، بعد عشرات السنين من الفساد والصراع الأهلي، ويقوم برنامج سامبي الانتخابي على ثلاثة أهداف رئيسة:
أولها: تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين.
وثانيها: فرض سيادة القانون.
وثالثها: الحد من الفقر ومحاربة البطالة بين الشباب.
كما تضمن برنامجه مشاريع التحديث العمراني لجزر القمر، من خلال إقامة سلسلة من المجمعات السكنية على الطريق الحديث، في محاولة للقضاء على ظاهرة الأكواخ المنتشرة هناك. وسيسعى سامبي لتعزيز العلاقات مع الدول الأعضاء بالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي في كافة المجالات.
سيناريو الاستقرار وميراث الانقلابات
ولعل نتائج الانتخابات الرئاسية القمرية وفوز سامبي يضعان جزر القمر على المحك السياسي أمام آمال الاستقرار التي أخذت طريقها منذ التسوية السياسية عام ٢٠٠٣م التي جاءت بالرئيس السابق غزالي، حيث تراهن أطراف غربية وإقليمية على استقرار جزر القمر خلال الأربع سنوات القادمة, والتي يبدو أن سامبي قد وعاها جيدًا، من خلال تصريحاته بأنه مع الجهود الأمريكية لمكافحة ما يسمى الإرهاب، مؤكدًا أن الإسلام الحقيقي ليس به تطرف ولا إرهاب, وأن بلاده خالية تمامًا من أي عناصر إرهابية، وكذلك زيارته لإحدى الكنائس الكاثوليكية عقب فوزه، مطمئنًا النصارى الذين تبلغ نسبتهم في الجزر ٢٪.
وقد زار السفير الفرنسي سامبي في منزله مؤكدًا أن فرنسا ستحترم وتتعامل مع من جاء به الشعب حاكمًا له.
يذكر أن جزر القمر قد عانت من مرارات ۲۹ انقلابًا أو محاولة انقلاب منذ الاستقلال عن فرنسا في عام ١٩٧٥م, وقد وقف وراء معظمها المرتزق الفرنسي الشهير بوب دينار، وأجريت انتخابات الجمعية الاتحادية، وكذا الجمعيات الإقليمية للجزر عام ٢٠٠٤م، وشكلت حكومة الوحدة الوطنية في يوليو ۲۰۰۳م، برئاسة عثمان غزالي وهو من جزيرة القمر الكبرى.. وتعد الانتخابات الأخيرة ثاني تجربة ديمقراطية في البلاد.
محطات سياسية
وبالعودة إلى الوراء قليلًا تبرز مخاوف عدم الاستقرار التي قد تثيرها القوى العلمانية المرتبطة بالاستعمار الفرنسي, الذي مازال له نفوذ قوي بالجزر، وكذا المخططات الأمريكية التي تصارع مع النفوذ الفرنسي في إفريقيا .. وتؤكد حقائق التاريخ القمري ذلك، بدءًا من فرض فرنسا سيطرتها على جزيرة مايوت عام ١٨٤٣م، ثم احتلالها جزيرة موهيلي عام ١٨٨٦م، ثم إعلان الجزر الأربع كمستعمرات فرنسية عام ١٩١٢م، ثم احتلال بريطانيا للجزر كقاعدة عسكرية لها في المحيط الهندي أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم عودة السيادة الفرنسية عليها.
وفي عام ١٩٥٨م أعلن الرئيس الفرنسي شارل ديجول عن إجراء استفتاء في جميع مستعمرات فرنسا, وخاصة في القارة الإفريقية للاختيار بين الاستقلال أو البقاء ضمن المجموعة الفرنسية، فاختارت جزر القمر البقاء ضمن المجموعة الفرنسية مع حكم ذاتي، ولكن هذا القرار لم يكن مطلبًا لجميع القمريين، وإنما لفئة معينة، فبدأت موجة الاضطرابات تدريجيًّا في الداخل والخارج منذ عام ١٩٦٣م، فاتخذت فرنسا حيال هذه الموجة أساليب المحتل المعتادة من قتل وتشريد وحبس تجاه شعب جزر القمر المسالم.
واعتمدت سياسة عدم استقرار هذه الجزر بحبك المؤامرات الداخلية والخارجية عليها, وخاصة من قبل عملائها في المنطقة، وعلى رأسهم بوب دينار الذي كان يشكل –مع باقي عصابته– أكبر العصابات الإجرامية في القارة كلها, حيث سفكوا دماء الكثيرين من أبناء القارة بأدوارهم الخبيثة خلال محاولات الانقلاب لفصل الجزر عن بعضها؛ لتسهيل مهمة فرنسا في سرقة خيرات جزر القمر.
ووسط انتقادات دولية قادتها منظمة الوحدة الإفريقية ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي قام بها المحتل الفرنسي في جزر القمر، وافقت الأمم المتحدة على استقلال جزر القمر عام ۱۹۷۲م، فاضطرت فرنسا في ١٥ يونيو ۱۹۷۳م لتوقيع معاهدة استقلال الجزر في غضون خمسة أعوام بعد إجراء استفتاء عام.
ومن خلال ما اتخذته فرنسا من تدابير احترازية، في الحفاظ على أهم الجزر وهي جزيرة مايوت فقد وافق ٩٦٪ من سكان الجزر الثلاث على الاستقلال، في حين وافق ٧٤٪ من سكان جزيرة مايوت على البقاء تحت الحماية الفرنسية، ويشكل المرتزقة الأوروبيون النسبة الأكبر من سكانها، واستقلت الجزر الثلاث في ٦ يوليو عام ١٩٧٥م عن فرنسا، مكونة اتحاد جزر القمر.
إلا أن المستعمر الفرنسي الرابض في الجزيرة الرابعة ما زال يستغلها كقاعدة عسكرية وتجارية تصدر عبرها إلى فرنسا كل المنتجات القمرية, والتي تصدر بدورها إلى العالم باعتبارها صناعات فرنسية خالصة، وخاصة العطور الباريسية الشهيرة!
ومن خلال التاريخ الأسود للاحتلال الفرنسي والصراع الأمريكي الفرنسي والبرتغالي على جزر القمر تبدو المخاوف من عودة سيناريوهات الانقلابات ضد سامبي, بما يستوجب على الدول العربية والإسلامية مد يد العون له وتنمية علاقاتها الاقتصادية والثقافية بأبناء جزر القمر.
سامبي.. بين الدعوة والتجارة والرئاسة
- من مواليد يونيو عام ١٩٦١م.
- تلقى تعليمه الأساسي على أيدي العلماء القمريين، ثم سافر إلى السعودية ما بين عام ۱۹۷۳ و ۱۹۸۱ ليستكمل تعليمه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
- بعدها درس النظرية السياسية الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة طهران على مدى أربع سنوات، وهو أول رئيس لجزر القمر يتحدث العربية منذ استقلالها إلى جانب إجادته للغة الفرنسية.
- وهو لاعب كرة سلة سابق, ورجل أعمال ناجح يدير عددًا من المشاريع الصغيرة, ويمتلك محطة إذاعة وتلفزيون خاصة تسمى أوليزي (التعليم).
- اشتغل سامبي بعد عودته من طهران بالعمل الدعوي؛ حيث أدار مدارس لتعليم القرآن في جزيرة «أنجوان» التي ينتمي إليها -والتي تعد وسطى الجزر الثلاث- لمدة ٢٠ عامًا.
- كما اشتغل بالتجارة؛ حيث أدار العديد من الشركات مختلفة الأنشطة في المقاولات والتشييد والمياه الغازية والعطور والسجاد.
- دخل معترك السياسة والعمل الحزبي عام ١٩٩٦ وانتخب نائبًا في البرلمان القمري عن أنجوان.
- وفي عام ۱۹۹۷ قدم استقالته من المجلس إثر انفصال جزيرته عن جمهورية القمر الاتحادية، فتم نفيه إلى جزيرة موهيلي المجاورة بسبب معارضته لفكرة الانفصال التي شابتها توترات واسعة، ثم رجع إلى البلاد بعد تحسن الأوضاع.
- عاد سامبي من جديد إلى السياسة عندما دخل سباق المنافسة على الرئاسة كمرشح مستقل، وحقق فوزًا كبيرًا على منافسيه في أول انتقال سلمي للسلطة منذ ٣٠ عامًا.