; رؤية غربية عن: «الأصولية» في عالمنا الراهن | مجلة المجتمع

العنوان رؤية غربية عن: «الأصولية» في عالمنا الراهن

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994

مشاهدات 80

نشر في العدد 1114

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 30-أغسطس-1994

"فريد هاليداي يحرض الغرب والأنظمة العلمانية على القضاء على «الأصولية» قبل فوات الأوان"

"هاليداي يشوه صورة الأصولية الإسلامية ويتهمها بأنها مجرد حركة تهدف إلى الوصول إلى الحكم والسيطرة على الشعب"

رغم حرص الحركات الإسلامية الواعية على ضرورة فتح حوار مع الغرب لإفهام صانعي القرار فيه بحقيقة الإسلام وماهيته، إلا أن معظم المفكرين وصانعي القرار الغربيين يعمدون إلى تأجيج الصراع وتحفيز العالم ضد الإسلاميين للقضاء عليهم، وهذه رؤية للكاتب البريطاني المعروف فريد هاليداي في هذا المجال نقدمها دون رتوش.


رؤية "هاليداي" للأصولية

في معرض دراسته المختصرة عن الأصولية في عالمنا الراهن، يشير فريد هاليداي الأستاذ بجامعة لندن، والمتخصص في شؤون العالم الإسلامي، إلى أهمية النظر في ماهية ومسببات الأصولية كظاهرة سياسية وذلك بصورة نقدية ومن منظور علماني وديمقراطي ومنطقي، ذلك أنها -أي الأصولية- إلى جانب الحاجة الماسة لفهمها، تشكل تحديًا خطيرًا للسلام والحرية في العديد من المجتمعات.

ويتابع هاليداي جدلية الأصولية من خلال تعريفها تاريخيًا فيقول بأن المصطلح بحد ذاته أوروبي المنشأ ويتعلق بالمعركة التي اندلعت خلال العشرينيات في الولايات المتحدة بين القائلين بتطور الكائنات الحية "الداروينية" وبين أولئك النفر الرافض لمثل هذه الفكرة على أساس أن "الله" هو خالق كل شيء بغير ما حاجة إلى تطور أو تبديل، ولا يزال هذا الصراع بشكله الأصلي يدور حول أصول الجنس البشري، وأسباب الخلق، كما يدور حول المواضيع الثقافية الأوسع نطاقًا والمطروحة حاليًّا.

أما دائرة تعريف الأصولية المعاصرة فتتسع لتشمل الأصولية اليهودية والنصرانية والإسلامية على السواء من وجوب العودة إلى الكتاب المقدس والتفسير الحرفي -لآيات هذا الكتاب- وتطبيق برنامج هذا التفسير على الواقع، وبذلك ينحصر المصطلح بكل ما هو ديني، مع العلم بأن التعريف بحد ذاته يتضح بصورة أقوى إذا ما امتد ليشمل الإيمان بأي معتقد سماوي إضافة إلى أي من الأيديولوجيات الوضعية كالعلمانية وغيرها.

ويؤكد هاليداي في معرض دراسته على وجود الاختلافات الجذرية بين مختلف الحركات الأصولية الإسلامي منها أو اليهودي أو حتى الهندوسي، غير أنه يركز على خصائص أربع تشترك فيها معظم بل جميع هذه الأصوليات المختلفة.


الخصائص المشتركة بين الحركات الأصولية:

يرى هاليداي بأن الحركات الأصولية على اختلاف أفكارها وبرامجها تشترك في أربع سمات أساسية هي:

  • السمة الأولى: سعي هذه الحركات إلى اعتبار سلطتها ناجمة عن الدعوة إلى النصوص المقدسة و"إلى الكتابات التي يفترض أنها نابعة من العناية الإلهية"، ويخص بالذكر هنا الأصولية الإسلامية فيفيد بوجود قراءة من جانب السلطات القائمة لهذه النصوص من أجل استخدامها للوصول إلى أهداف معاصرة، أي توظيف النصوص الثابتة لخدمة أهداف مرحلية معينة؛ من هنا انبثق الجدل حول ما يسمى في الإسلام "التفسير"، حيث تعمل هذه السلطات القائمة على الإفادة بما تأمر به هذه النصوص فيما يتعلق بوضعية المرأة أو الشكل الحقيقي للحكومة المناسبة أو ما يتوجب أكله وشربه أو متى سيأتي العالم إلى نهاية؟ أو حتى متى بدأ؟ والملاحظ هنا الغياب المتعمد لتحديد المفاهيم بصورة أوضح إضافة إلى الخلط المقصود بين عدة قضايا لا تتساوى فيما بينها في الثبات والتغيير بحسب تبدل الحال، ومرور الوقت.
  • السمة الثانية: الادعاء بأن دستور الدولة في عصرنا الحديث يمكن استيحاؤه من العودة إلى الأصول، ويخص هاليداي شرح هذه الخاصية مرة أخرى بالأصولية الإسلامية فيقول: "ويستند الأصوليون الإسلاميون بشكل كبير إلى الشريعة -في الحديث عن طبيعة الدستور- علمًا بأن الشريعة لا تشكل بالمفهوم الحرفي سوى ثمانين سطرًا من أصل مجمل النصائح القانونية التي يحتويها القرآن"، والمراد من هذا التخصيص إثبات عدم منطقية بناء كيان سياسي معقد وكامل على أساس الشريعة وهو المنظور العلماني في رؤية القضية كما أشار هاليداي في بداية دراسته. مع أن موضوع الشريعة أعمق من مجرد الأصول التي أشار إليها وأوحى إلى أنها قليلة عدديًّا، إضافة إلى السنة النبوية كمصدر ثانٍ من مصادر التشريع أو الشريعة، "حتى مع افتراض أن نظام الحكم الذي تطور في مدن القرن السابع العربية مناسب حاليًّا، ويحمل على التساؤل عن مدى صلاح هذا النظام، علمًا بأن ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة قتلوا بطريقة غير دستورية وعنيفة"، مع أن أحدًا من الأصوليين لم ينادِ بالتطبيق الحرفي لنظام الحكم في القرن السابع؛ وعلى افتراض ذلك فما هي العلاقة بين عدم صلاح أنظمة الحكم الإسلامية من الناحية الدستورية وبين مقتل عمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- بطريقة عنيفة وغير دستورية؟
  • السمة الثالثة: المشتركة لدى هذه الحركات هو أنها "برغم طبيعتها الأخروية الواضحة فهي جميعها تتطلع إلى أمر واحد يفوق كل شيء هو السلطة السياسية والاجتماعية"، ومن هنا فإن هاليداي يعزو نشاط الحركة الأصولية الإسلامية -على حد وصفه- إلى مجرد الغاية للوصول إلى الحكم والسيطرة على الشعب، فهي ليست حركة تدعو إلى التحول والتجديد نظريًا، بل تسعى إلى الفوز بالسلطة وإقامة دولتها سواء كان ذلك من خلال الانتخابات أو حتى العصيان المسلح، والأصولية بهذا المعنى وسيلة للوصول إلى السلطة السياسية والاحتفاظ بها بعد ذلك فهي لهذا السبب أساسًا تشكل قلقًا بالنسبة لنا جميعًا.
  • السمة الرابعة: أن هذه الحركات تشترك معًا إلى حد كبير في طابعها غير الديمقراطي، فعلى الرغم من أنها "تدعي تمثيل الشعب وتحقيق طموحاته وآلامه إلا أنها مؤهلة للتحول إلى أحزاب سياسية استبدادية وديكتاتورية"، وهذا يعود إلى كونها رافضة للمبادئ الديمقراطية بما فيها من مبدأ التسامح وحقوق الفرد، إضافة إلى أنها لا تستند حقيقة على ما يريده الشعب بل على الإرادة المحتواة في الكتاب المقدس والمشروحة من قبل قادة نصبوا أنفسهم بأنفسهم. والمقصود بالأصولية هنا الحركات الإسلامية، وتعميم هاليداي هذا دون ضرب أمثلة حقيقية أو تحديد وقائع معينة أمر يتنافى مع الموضوعية التي ألزم بها نفسه في مطلع دراسته. ثم إن "علمنة" الأصوليات -غير الإسلام- أمر مقبول وطبيعي وشيء تحتمله هذه الأصوليات من ذات كتبها المقدسة التي تقرر بأن "ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، إضافة إلى أن تاريخ هذه الأصوليات في الحكم تاريخ دموي وغير مشرف. أما علمنة الواقع الإسلامي فمعناه إيجاد كيان مشوه وغير طبيعي، يتنافى مع أصل الإسلام الذي هو في حد ذاته منهاج كامل في السياسة والاقتصاد والقانون والاجتماع... إلخ. ثم إن تاريخ الممارسة الإسلامية على الساحة السياسية كنظام حكم أثبت نجاحه، ولم ينحصر انعكاس هذا النجاح على موقع جغرافي معين بل امتدت آثاره على الكيانات السياسية الأخرى في العالم، ولا نعتقد بأن هاليداي نفسه صاحب المؤلفات العديدة في قضايا العالم الإسلامي ينكر ذلك.

استراتيجية القضاء على الحركات الإسلامية

ويشير هاليداي في معرض دراسته عن الأصولية الإسلامية بأنها ردة فعل مضادة لفشل الدولة العلمانية العصرية في مجالات عدة، هذه الدولة التي تعتبر فاسدة، وعاجزة عن حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية فضلًا عن كونها استبدادية ديكتاتورية، ويضرب على ذلك الأمثلة بإيران في عهد الشاه، والجزائر في عهد جبهة التحرير، إضافة إلى أن نجاح الحركة الإسلامية جاء في الوقت الذي أخفق فيه المشروع العلماني في الدول العربية في حل مشاكل فعلية وواقعية كالبطالة والإحساس بالسيطرة الأجنبية.

غير أن هاليداي يرفض المبالغة في أهمية الحركة الإسلامية، ذلك أن غالبية الدول الإسلامية ليست معرضة للاجتياح من جانبها، ويرى أن بعض الحركات الإسلامية قد تعمر طويلًا بسبب أزمات راهنة كما هو الحال في إيران والسودان، وقد تصل هذه الحركات في مصر والجزائر إلى السلطة أيضًا، ويقترح هاليداي استراتيجية للقضاء على ظاهرة الأصولية الإسلامية أو على الأقل تهميش دورها فيرى:

1.    أولًا: ضرورة دعم الأنظمة الحاكمة والعمل على إصلاحها؛ حيث لا يمكن تصور حل للأزمة القائمة في الجزائر "مثلاً" من دون تغيير اقتصادي وتأمين فرص العمل وإصلاح نظام الدولة الذي يتزايد فيه الفساد.

2.    ثانيًا: وهي رؤية فلسفية أكثر منها عملية، أهمية الابتعاد عن التبسيط والتعتيم عند تحليل الظاهرة الإسلامية، ذلك أن معظم المسلمين ليسوا إسلاميين والإسلام بالمفهوم الجدي لا يشكل خطرًا على الغرب سواء كان الخطر عسكريًّا أو اقتصاديًّا.

ويطالب أيضًا بضرورة العمل على تعزيز مبادئ "العلمانية" بصورة أكثر وضوحًا، فالأصوليون على اختلاف أنواعهم صارمون مصممون على تحقيق أهدافهم ومستعدون لإسكات من يعترض طريقهم أحيانًا بالتصفية الجسدية، كما أنهم مستعدون لإرسالنا جميعًا إلى جهنم مهما كلف الأمر، ولا بد أن يتوافر في صفوف أولئك الذين ليسوا أصوليين -أي العلمانيين- قدر أكبر من الوضوح والحزم والرغبة في النضال وذلك قبل فوات الأوان. فهذه صيحة إنذار من هاليداي الذي يرى القضية قضية حرب ونضال وعراك في صراع دموي للأبقى والأقوى، بدلًا من أن تكون القضية مشروعًا سلميًا مبنيًّا على الحوار والتسامح، وتقدير حقوق الفرد وتثمين إرادة الشعب واحترام رغبتها كما تقول بذلك مبادئ العلمانية.

 

الرابط المختصر :