; رؤية إسلامية للنظام الاقتصادي الغربي: محاولات تبرير الفقر | مجلة المجتمع

العنوان رؤية إسلامية للنظام الاقتصادي الغربي: محاولات تبرير الفقر

الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب

تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1986

مشاهدات 68

نشر في العدد 796

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-ديسمبر-1986

  • الإنسان في الإسلام لا يولد متخلفًا بالوراثة ولا فقيرًا بالفطرة وإنما يحدث ذلك نتيجة لعوامل البيئة الفاسدة.

أخي القارئ: 

في هذا العدد نتابع مع الدكتور أحمد عبد الحميد غراب الحلقة الثانية من محاولات تبرير الفقر. فيرد فيها على نظرية دارون «البقاء للأصلح» وموقف الإسلام منها فيقول:

 ۲- محاولة تبرير الفقر بنظرية دارون: البقاء للأصلح: 

وهي محاولة قام بها منذ القرن التاسع عشر بعض الفلاسفة والمفكرين الاجتماعيين والاقتصاديين من أنصار النظام الرأسمالي الغربي، وبخاصة هربرت سبنسر (١٨٢٠- ١٩٠٣) في بريطانيا، ومن تأثروا به في الولايات المتحدة الأمريكية. 

و يدافع أصحاب هذا الاتجاه عن النظام الرأسمالي الغربي ويبررونه على أساس نظرية دارون في الاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح وامتداد SURVIVAL OF THE FITTEST ، تطبيقاتها من علم الحياة إلى علوم الاجتماع والاقتصاد. 

فالرأسماليون أغنياء لأنهم أكثر تفوقًا من غيرهم من الناحية الحيوية:

 SUPPERIOR BIOLOGICALLY

«أي متفوقون عرقيًا بالطبيعة والوراثة». 

والفقراء فقراء لأنهم ضعفاء متخلفون من الناحية الحيوية «أي متخلفون لاتصافهم بصفات عرقية متدنية بالطبيعة والوراثة». 

والثروة هي المكافأة للمتفوقين على تفوقهم. ووجود الثروة في أيديهم «أي امتلاكهم للثروة» يدل على تفوقهم من جهة، ويزيد هذا التفوق ويرقيه من جهة أخرى.

وكما أن الثروة مكافأة للأغنياء، فالفقر عقوبة للفقراء. 

وبالإضافة إلى اعتبار الفقر عقوبة فهو -في نظر أصحاب هذا الاتجاه- يعتبر عاملًا اجتماعيا نافعًا لأنه يقضي على الفقراء تدريجيًا بواسطة الجوع والمرض، وبذلك يخلص المجتمع من عناصر الضعف والتخلف، ويبقي على عناصر القوة والتقدم «وهم الأغنياء بالطبع!». 

وقد انتشر هذا الاتجاه وأصبح ذا تأثير كبير في الولايات المتحدة الأمريكية على أيدي بعض «المفكرين» الاقتصاديين، وبخاصة وليام سمر (١٨٤٠ – ١٩١٠) وهنري بيتشر (۱۸۱۳ – ١8٨٧). 

وما زال لهذا الاتجاه أنصار عديدون في أوروبا وأمريكا حتى اليوم. ويتمثل هذا الاتجاه في عصرنا الحاضر في النزعة العنصرية التي تحاول أن تبرر الاستعمار الغربي للعالم الثالث بنظريات تلبس مسوح العلم، وهي في حقيقتها نظريات عنصرية تهدف إلى تشويه الحقيقة، لتتيح للغرب الاستمرار في سيطرته السياسية والاقتصادية على شعوب العالم الثالث واستنزاف ثرواتها. 

فيزعم أنصار هذا الاتجاه أن شعوب العالم الثالث متخلفة بالطبيعة، ولذلك فإن معظم سكان هذا العالم فقراء. وهذا يعني أنهم يتصفون بصفات التخلف العقلي والخلقي «كالكسل والبلادة، والغباء والفساد وعدم المقدرة على التنظيم والتخطيط، والفشل في تحديد النسل» وأن هذه الصفات عرقية طبيعية تنتقل بينهم بالوراثة من جيل إلى جيل، ومن ثم فهم يستحقون ما هم فيه من فقر وجوع، وما هم عليه من جهل وتخلف. 

ويركز أصحاب هذا الاتجاه على مهمة الرجل الأبيض بين شعوب العالم الثالث، ليس كمستعمر لها، ومستنزف لثرواتها، بل كحامل لمشعل الحضارة الغربية لشعوب متخلفة، هي في أشد الحاجة إلى «عبقرية» هذا الرجل الأبيض وحضارته! 

ولا يتحدث هؤلاء العنصريون عن استعمار الرجل الأبيض لهذه الشعوب، وأنه من أهم العوامل في تخلفها. ويحاولون أن يتجاهلوا هذا العامل التاريخي بدعوى أن الحديث عن الإثم التاريخي HISTORICAL SIN لا يحل مشكلة الفقر. 

ومن هنا يتجاهلون الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الغربي ضد هذه الشعوب، واستلابه لثرواتها الطبيعية، وسحقها بالديون الربوية، والحروب الأهلية، والعمل ليس على تحطيم اقتصادها فحسب، بل  -بالدرجة الأولى- على تحطيم إنسانية الإنسان فيها، ولا سيما الإنسان المسلم، وذلك بالقضاء على كل خصائصه الإنسانية الإسلامية أي محو ثقافته ولغته، وهدم قيمه وأخلاقه، وتنحية منهجه الرباني عن الحكم، وشريعته الإسلامية عن التطبيق، وأخيرًا بمحاولة رده هو عن دينه، حتى يموت وهو كافر! 

ومن الواضح أن الإنسان الغربي يزعجه الحديث عن الآثام التاريخية أشد الإزعاج، لا لأنه يستحي منها، فهو في الواقع ما زال حتى الآن يمارسها، ولكن لأنه يخشى عواقب هذا الحديث، من إثارة الشعوب عليه، وانتفاضتها للانتقام منه. 

ونحن لا ندعو إلى إثارة الانتقام وإنما تدعو بدعوة الإسلام، وهي استخلاص الدروس من الماضي، واستخراج العبر من التاريخ، ومحاولة تشخيص التخلف، ومعرفة أسبابه الحقيقية - حتى نستطيع أن نتخذ –على بينة– الخطوات السليمة، والوسائل المجدية، لعلاجه.

موقف الإسلام من التبرير العنصري: 

إن الإسلام يرفض هذا التبرير رفضًا حاسمًا، وذلك لعدة أسباب منها: 

أولًا: إن هذا التبرير يقوم على أساس من نظرية دارون في أصل الإنسان، وأنه متطور عن الحيوان، وأنه محكوم –كالحيوان والنبات– بمبدأ البقاء للأصلح. والإسلام يرفض هذه النظرية الحيوانية للإنسان. 

فقد كرم الله الإنسان، وجعله متفردًا بين الكائنات، فخلقه من طين، ثم نفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، واستخلفه في الأرض، وزوده بكل ما يعينه على مهمة الاستخلاف فزوده بالمقدرة على المعرفة وبالإرادة والاختيار، وعلمه البيان، وأنزل له الهدى، وسخر له ما في السموات والأرض ورزقه من الطيبات. 

وقد أثبت العلم الحديث بطلان النظرية الداروينية وأثبت العلماء -حتى من غير المؤمنين- أن الإنسان متفرد بخصائص تميزه عن الحيوان حتى من الناحية البيولوجية البحتة «فنشاطات الأكل والنوم والجنس عند الإنسان أرقى منها عند الحيوان»، فضلًا عن تميزه في النواحي العقلية والسلوكية: كمقدرته على التفكير المجرد والتعبير الواضح «البيان»، ومقدرته على إقامة علاقة انسجام بين تفكيره وسلوكه، وعلى التحكم في غرائزه، وسيطرته على الطبيعة والحيوان، وصنع التاريخ الحضاري. 

ثانيًا: إن هذا التبرير يقوم على نظرية عنصرية تدعى تفوق الجنس الأبيض على الأجناس الأخرى من الناحية البيولوجية، وتحاول أن تبرر الظلم الاجتماعي، وعدم المساواة بين البشر، واستعمار الغرب للعالم الثالث– تحاول أن تبرر ذلك كله بزعم وجود صفات عرقية راقية في جنس دون جنس. 

والاتجاه العام في العلم الحديث يرفض هذه النظرية كذلك، فعلماء الاجتماع يرفضون فكرة تحديد الجماعات الإنسانية على أساس صفات عرقية وراثية، ويفضلون تحديدها على أساس خصائص ثقافية واجتماعية: كالتحدث بلغة واحدة، والانتماء إلى ثقافة مشتركة، والتشابه في التقاليد والعادات. ومهما يكن من موقف العلم الحديث من العنصرية فالعلم الحديث ليس حجة على الإسلام بل الإسلام حجة على البشر وعلوم البشر جميعًا. ومما لا شك فيه أن الإسلام يرفض العنصرية في أي شكل من أشكالها، ويقرر أن الناس جميعًا متساوون في أصل الفطرة، وأنهم ينتمون إلى أصل واحد، ونفس واحدة، وأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ومن ثم فأكرم الناس عند الله أتقاهم، وأصلحهم عملًا، وليس أشدهم بياضًا ولا أكثرهم مالًا. 

والإنسان –في الإسلام– لا يولد متخلفًا بالوراثة، ولا فقيرًا بالفطرة، وإنما يحدث له ذلك نتيجة لعوامل البيئة الفاسدة، والظلم الاجتماعي، والناس هم المسؤولون عن الفساد والظلم معًا، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (سورة الروم: ٤١). ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (سورة هود: ١١٦). 

والإسلام لا يقر الفساد، أو الظلم بأية صورة من الصور، ولا في أي ظرف من الظروف، بل يحرمهما ويوجب مقاومتهما بكل الوسائل، حتى بالقتال كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (سورة الحج: ٣٩ – ٤٠). 

ثالثًا: إن هذا التبرير في حقيقته إنما هو انعكاس للفلسفة العلمانية التي تقوم عليها الحضارة الغربية، وهي الفلسفة التي تفصل السياسة والاقتصاد عن العقيدة والأخلاق، وتتبنى المبدأ الميكيافيلي الانتهازي الذي ينادي بأن الغاية تبرر الوسيلة. وفي سبيل تحقيق الغاية –وهي هنا الثروة– يجوز بل ويجب استخدام كل الوسائل الممكنة، مهما كانت لا أخلاقية. ومن ذلك استخدام القوة لقهر الضعفاء، وسلب ثرواتهم، بل وانتهاك كل حقوقهم الإنسانية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

129

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

138

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

132

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟