; رؤية تحليلة (1) ... السودان الجديد وحوار العروبة والإفريقية | مجلة المجتمع

العنوان رؤية تحليلة (1) ... السودان الجديد وحوار العروبة والإفريقية

الكاتب حسن مكي

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003

مشاهدات 78

نشر في العدد 1567

نشر في الصفحة 42

السبت 06-سبتمبر-2003

متغيرات سكانية تتمثل في هجرات الجنوبيين نحو الشمال وانفتاحهم على ثقافته واقتصادية بتصدير النفط وسياسية بتسلم الحركة الإسلامية للسلطة.. ودولية ببروز ظاهرة العولمة واختفاء المعسكر الشيوعي.

  • يحسن الحديث عن التفاعل والتجانس العرقي في السودان ولا يفيد الحديث عن النقاء والتمايز. وان الدعوة إلى التوحيد ونبذ العصبية تعد ملحمة من ملاحم البناء الوطني.

  • انفتاح حدود السودان دون عوائق طبيعية ساعد المجموعات العرقية المختلفة على القدوم إلى السودان حاملة معها لغاتها وثقافاتها لكن وعورة الطرق لم تيسر تفاعل الثقافات المتباينة.

برز مصطلح السودان الجديد في الأربعينيات عندما صدرت جريدة يرأس تحريرها أحمد يوسف هاشم تحت هذا الاسم وكان المقصود بالسودان الجديد حينها سودان ما بعد رفع العلم أي السودان الذي يحكمه السودانيون ويروج عنه الاستعمار الإنجليزي والوصاية المصرية، ولكن لم تتم بلورة فكرية أو سياسية لمقومات هذا السودان أكثر من فكرة تحرير السودان، وقد والت الجريدة صدورها إلا أن المصطلح نفسه لم يكن يثير كثير اهتمام، ثم تجدد هذا المصطلح في النصف الثاني من الستينيات حينما تحالفت قوى سياسية ضمت حزب الأمة جناح السيد الصادق المهدي، وجبهة الميثاق الإسلامي بقيادة دكتور حسن عبد الله الترابي، وحزب سانو (الاتحاد الوطني الإفريقي لجنوب السودان) بقيادة وليم دينق تحت اسم (مؤتمر القوى الجديدة). 

ولكن غاب هذا الشعار ثم برز مرة أخرى في أدبيات حركة التمرد والثورة في جنوب السودان ابتداء من ۱۹۸۳م حيث ورد في (1) المنفستو أو البيان الأساسي لحركة التمرد التي جعلت مطلبها إقامة السودان الجديد القائم على المساواة والعدل والمواطنة وأن إقامة هذا السودان يستوجب الثورة المسلحة وتحرير أرض السودان شبرا شبرًا من قبضة وسيطرة السلطات القديمة وتحرير الخرطوم من قبضة الأسر الخرطومية التي ترمز لسيادة حركة الثقافة العربية والإسلامية، ولكن ما بين بروز حركة التحرير الشعبي في ۱۹۸۳م وإطلالات فواتح الألفية الثالثة حدثت تحولات سكانية وسياسية واقتصادية وعالمية يستحسن تحليلها حتى يتثنى مدى إمكان بروز سودان جديد وهل يمكن أن يبرز سودان جديد غير مستند إلى المعطيات التاريخية القديمة والمحددات التاريخية التي تظل فاعلة. 

يمكن إبراز أهم هذه المتغيرات من الناحية السكانية في هجرات الجنوبيين نحو الشمال وانفتاحهم على ثقافة الشمال وعلى حركة الحضارة في الوسط، ومن الناحية السياسية فإن أهم المتغيرات تسلم الحركة الإسلامية للسلطة تحت راية الانقلاب العسكري الذي وقع في السودان في ٣٠ يونيو ۱۹۸۹م. 

ومن أهم المتغيرات من الناحية الاقتصادية اكتشاف البترول واستغلاله واستخدامه حتى أصبح السودان بلدًا مصدرًا يقوم بتصدير فائض نفطه إلى الخارج. 

ومن الناحية الأخرى بروز ظاهرة العولمة واندماج الاقتصادات المحلية في اقتصاد السوق واختفاء المعسكر الاشتراكي (الشيوعي) وفي هذا الإطار تسعى الورقة لتقويم مستقبل حركة الاجتماع والثقافة في السودان.

هيأ الله للسودان موقعًا متفردًا في القلب من إفريقيا تمامًا حيث يقع السودان بين خطي طول ۳۸ - ۲۲ درجة وخطي عرض ٤-٢٢ وهذه المساحة الشاسعة من الأراضي جعلت السودان متميزًا بأقاليم مناخية متعددة. حيث يسود المناخ الصحراوي الجاف أطرافه الشمالية، وهذا الإقليم امتداد طبيعي للصحراء الإفريقية الكبرى التي تمتد من المحيط الأطلسي غربًا، وحتى السواحل الشمالية للبحر الأحمر شرقًا.

 يلي ذلك إقليم السافنا الفقير الذي يمتد كسابقه في شكل حزام عريض من أقصى القارة إلى أقصاها ثم يأتي إقليم السافنا الغني الذي يتميز بنباتاته السامقة ومحاصيله ذات العائد النقدي الكبير مثل الصمغ العربي والفول السوداني والسمسم والذرة والدخن البطيخ وغيرها من المحصولات.

 ثم يأتي الإقليم الاستوائي المطير الذي يتمركز في جنوب السودان وهو أيضًا يتميز بثرائه حيث نجد أن أهم أنواع الأخشاب مثل المهوقني والتك بالإضافة إلى أشجار المانجو والكاكاو والبن وتنجح فيه زراعة الأرز ومختلف أنواع المحاصيل الأخرى التي تحتاج للماء والرطوبة والحرارة الشديدة. 

ومصطلح «السودان الجديد » برز في الأربعينيات باسم جريدة يومية.. ثم تجدد في النصف الثاني من الستينيات حاملًا اسم تحالف قوى سياسية رئيسة لكنه غاب ليعود بقوة في أدبيات حركة التمرد الجنوبي عام ١٩٨٣م.

بين عام ۱۹۸۳م ودخول الألفية الثالثة حدثت تحولات سكانية وسياسية واقتصادية وعالمية ينبغي تحليلها حتى يتبين مدى إمكان بروز سودان جديد.

هذه الأقاليم المناخية التي تتوزع ما بين الصحراوي في أقصى الشمال والاستواني المطير في أقصى الجنوب مكنت السودانيين من التعامل مع عدة محاصيل زراعية مفيدة ومن أهم الظواهر الطبيعية الأخرى التي تميز السودان والتي ربما تكون من أعظمها على الإطلاق اختراق وادي النيل للسودان من الجنوب حتى الشمال بالإضافة إلى روافده العديدة التي تشكل حوالي ٦٦ % من مجاري وفروع نهر النيل من منبعه إلى مصبه، ومن أهم تلك الأنهار التي تتحد في آخر الأمر وتكون نهر النيل العظيم النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا بإثيوبيا والنيل الأبيض الذي ينبع من بحيرة فيكتوريا في خط الاستواء بالإضافة إلى نهر السوباط ونهر عطبرة وبحر الجبل وبحر العرب وبحر الغزال وبحر الجور ونهري الدندر والرهد الموسميين. 

هذه المياه النهرية العذبة بالإضافة إلى المياه العذبة الأخرى التي لا تصب في النيل مباشرة وتتميز بالموسمية مثل نهر طوكر ونهر القاش الذي يكون دلتا خصبة عظيمة في أقصى شرق السودان وحتى أواسطه حاملًا معه ألوف الأطنان من الطمي المفيد للزراعة جاعلًا من تلك المناطق والمناطق الأخرى على طول نهر النيل حقولًا خضراء تسر الناظرين. ثم يقع كذلك في شرق السودان البحر الأحمر الذي ظل منذ فجر التاريخ منفذ السودان الأساسي على العالم الخارجي، إن طالما صدر منه منتجاته الزراعية والحيوانية والصناعية واستجلب منه كثيرًا من خيرات العالم الخارجي. 

ويشارك السودان في الضفة الغربية للبحر الأحمر مصر وإريتريا وجيبوتي، ويمكن القول إن الساحل السوداني على البحر الأحمر هو المكافئ والمناظر والمحاذي للساحل الحجازي» من الناحية الشرقية، كما أن السودان معبر للأراضي المقدسة حيث إن موانئ السودان الرئيسة مثل بورتسودان وسواكن أقرب النقاط على الإطلاق من الشاطئ الغربي لمواني السعودية ومن أهمها ميناء جدة الدولي. 

ويجاور السودان قطران عربيان كبيران من الناحية الشمالية والشمالية الغربية وهما جمهورية مصر العربية والجماهيرية الليبية. ثم إنه كذلك يجاور ثلاثة أقطار ذات أغلبية سكانية إسلامية وهي إريتريا وإثيوبيا وتشاد وإن كانت السلطة في إثيوبيا وإريتريا بذاتها خارج نطاق الأغلبية المسلمة، حيث ترتكز على كنيسة إفريقيا القديمة وهي «الكنيسة القبطية» التي لها أتباع يتبادلون ويحتكرون السلطة فيما بينهم، حتى وقر في أذهان الكثيرين أن هذين القطرين مسيحيا الطابع ويجاور السودان أخيرًا أربعة أقطار إفريقية زنجية وهي كينيا وأوغندا وزائير وإفريقيا الوسطى من الناحية الجنوبية والجنوبية الغربية إلا أن هناك اختلافًا طفيفًا لكينيا في تكويناتها البشرية عن الأقطار الزنجية الأخرى المجاورة للسودان ويعود ذلك الأمر إلى أن الساحل الشرقي لكينيا يطل على العالم الخارجي حيث توطنت فيه منذ مئات السنوات مجموعات عربية وسواحيلية وهندية وإفريقية تدين بالإسلام وتمثل ٢٠ % من السكان.

التشكيلة البشرية للسودان:

حسب تقسيمات علماء الأجناس فإن السودان تتوطن فيه ثلاث مجموعات سكانية رئيسة تتعايش فيما بينها وهي السلالة الزنجية والسلالة الحامية والسلالة السامية، وقد سبقت السلالة الزنجية الاستيطان في السودان منذ ألوف السنين ذلك أن القارة الإفريقية بأكملها مهد الزنوج إلا أن مناطقهم تراجعت باستمرار أمام طوفان السلالات الأخرى، وقد كانت أولى الهجرات إلى السودان هجرة الحاميين الذين استوطنوا ساحل البحر الأحمر وهم البجاء والنوبيون، واستوطنوا النيل الشمالي ثم الزغاوة والفور، والمساليت، واستوطنوا أجزاء من غرب السودان. وقد استطاعت المجموعة الحامية النوبية التي تسكن حول النيل في أقصى شمال السودان تكوين ممالك وإمبراطوريات عظيمة ذكرت في العهدين القديم والجديد، وذكرت عند كثير من المؤرخين مثل هيرودوت ومن أشهر هذه الممالك مملكة كوش ونبته ومروي، وانتهاء بالممالك المسيحية في عهد متأخر مثل علوة والمقرة وسويا ثم أتت الهجرة السامية الأخيرة التي يمثلها العرب الذين وفدوا للسودان حتى قبل ظهور الإسلام حيث قدموا عبر باب المندب وانتشروا على طول الساحل الشرقي للسودان واختلطوا بالقبائل الحامية البجاوية في شرق السودان. ومجيء الإسلام إلى السودان اندفعت هجرات كبيرة نحو السودان صهرت المجموعتين الزنجية والحامية داخل بوتقتها مكونة الشخصية السودانية الحديثة.

 وبالتالي يحسن الحديث في السودان عن التفاعل العرقي والتجانس ولا يفيد فيه الحديث عن النقاء العرقي والتمايز العرقي، وذلك لأنه لا يوجد نقاء لأي مجموعة من هذه المجموعات حيث تأثرت بدرجة أو بأخرى بدماء وافدة من إحدى المجموعتين وتعتبر الدعوة إلى التوحد ونبذ العصبية والجهوية ملحمة من ملاحم البناء القومي للسودان الحديث.

اللغات السودانية:

استوعب السودان أنواعًا شتى من اللغات وبرزت فيه عدة لسانيات، حيث توضح النقوش الأثرية القديمة أن اللغة المكتوبة وسط النوبة في شمال السودان كانت اللغة النوبية الهيروغرارفية وفي مرحلة أخرى كانت اللغة العبرية لغة العلم، وبرزت لغة محلية لم تفك شفرتها بعد هي اللغة المروية القديمة. 

وفي الحقبة المسيحية في السودان برزت اللغة اليونانية والحرف اللاتيني، وكانت تقلى بها الصلوات والترانيم الكنسية المختلفة، وقد جاور في نفس هذا العهد (المسيحي) بعض الكنائس التي تستعمل اللغة القبطية في صلواتها، ثم جاءت في آخر المطاف اللغة العربية التي سرعان ما سادت جارفة في طريقها كل ما سواها من لغات حتى لغات القبائل الطرفية النائية، وذلك لأنها كانت لغة حضارة ولغة علم ودين يتحدث بها المسلمون من أقصى بحر الظلمات المحيط الأطلنطي) وحتى مشارف الهند الشمالية عند نهر السند أو على أقل تقدير يحبونها لأنها لغة القرآن.

 كذلك الوضع اللغوي في السودان معقد ومركب أكثر من ذلك بكثير ويعود ذلك الأمر إلى انفتاح حدود السودان الخارجية دون عوائق طبيعية تذكر وقد ساعد ذلك كثيرًا من المجموعات العرقية المختلفة على القدوم إلى السودان حاملين معهم لغاتهم وثقافاتهم كما أن وعورة الطرق والحواجز الطبيعية لم تيسر تفاعل الثقافات السودانية وجعلت كثيرًا من الثقافات تعيش في عزلة وحالة من الانغلاق الداخلي مما جعل من المستحيل اعتماد لغة واحدة واستقرارها وتبنيها من كل الأطراف الأخرى حتى لو كانت لغة حضارة عظيمة كاللغة العربية. 

والدليل على ذلك أنه قلَّ أن تجد قبيلة أو مجموعات سلالية مختلفة لا تمثيل لها في السودان أو وجود فمن قبائل أقصى غرب القارة الإفريقية عند نيجيريا والسنغال وموريتانيا نجد قبائل الفولاني والهوسا والكانوري والشناقيط والتكارير والماندينكا وغيرهم. ومن مجموعات القبائل الزنجية في وسط وجنوب القارة: الزاندي والأنواك والتبوسا والفراتتيت ومن شرق القارة هناك وجود ضخم لقبائل الأرومو والأنفسنا والتجرينية وبني شنقول وبني عامر، ومن شمال القارة نجد قبائل الطوارق والبشارين والعبابدة والنوبيين. 

كل ذلك الحضور جعل من المستحيل للغة واحدة أن تسود في كل السودان سيادة تامة لا تنازعها لغة أخرى، بيد أنه في العصر الحديث وبدخول الراديو والتلفزيون والصحف والتعليم اشتد ساعد اللغة العربية كثيرًا وصار لها القدح المعلى في تشكيل الوجدان والثقافة السودانية. ثم أخيرًا دخلت اللغة الإنجليزية مع المستعمر جاذبة معها الصفوة المتعلمة وأصحاب التخصصات العلمية الكبيرة، إلا أنها تظل لغة صفوية حتى في جنوب السودان.

الأنشطة الاقتصادية:

 ويتفاوت العمران الطبيعي في السودان والكسب الاقتصادي مع تباين المناخ والأمطار، فبينما توجد الزراعة كأساس للحياة حول ضفاف النيل من  الأطراف الشمالية وحتى جنوب الأواسط فإن الصيد والتقاط الثمار في الجنوب هو الغالب في مناخ الإقليم الاستوائي وفي شمال غرب الأواسط مرورًا بشرق السودان تسود فرص رعي الإبل والجمال وذلك لقلة الأمطار في هذه المناطق وجفافها، حيث نشأت هناك حياة اقتصادية قائمة بذاتها ونشاط متحرك بحسب توزيع الأمطار ومواسمها ففي أوقات الجفاف تتحرك قطعان هائلة من الإبل من الشمال الغربي حتى حدود الإقليم الاستوائي طلبًا للكلا والماء وعند بداية هطول الأمطار تتحرك نفس هذه المجموعات شمالًا خوفًا من البلل والحشرات. 

ويتفاوت كذلك الكسب المادي من الزراعة بأنواعها المختلفة حيث تسود زراعة الفاكهة والخضراوات والقطن على ضفاف النيل بينما تسود الزراعة الآلية الكثيفة في جنوب أواسط البلاد حيث تسقط الأمطار بصورة كبيرة في الأمطار ومن أشهر المحصولات الزراعية موسم السمسم والفول والدخن والذرة. 

وللسودان حظ كبير من الأسماك النيلية والبحرية خصوصًا في جنوب السودان حيث يتم اصطيادها بواسطة الحراب التي يتم رميها بصورة عشوائية في الماء ونادرًا ما تخل هذه الحراب من أسماك عند التقاطها مرة أخرى وهذا نموذج في الصيد يدل على الكثرة الهائلة للأسماك كما توجد الحيوانات البرية من وعول وغزلان وأفيال وفرس بحر وتماسيح وأسود وزراف ومختلف أنواع الطيور.

الرابط المختصر :