العنوان رأي محاكمة رئيس حزب معارض.. على الطريقة العربية!
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1996
مشاهدات 103
نشر في العدد 1198
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 30-أبريل-1996
شد انتباهي أثناء تصفح إحدى الصحف العربية المطبوعة في الخارج واحد من الأنباء العجيبة الواردة من تونس، مفاده أن محكمة في العاصمة التونسية قد أصدرت حكما منذ أيام بسجن السيد: محمد مواعدة - زعيم أحد الأحزاب السياسية المعارضة في تونس -، وهو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين - أحد عشر عاماً بعد أن أدانته بارتكاب عدد من الجرائم منها: «التورط مع أعوان بلد أجنبي، وتعريض التونسيين للمخاطر، والاتصال بجهات أجنبية بهدف الإضرار بتونس ومصالحها الاقتصادية والسياسية، والحصول على مبالغ مالية من جهات أجنبية، وقد أسقطت المحكمة عنه تهمة «تحريض بلد أجنبي على القيام بأعمال معادية لتونس».
والدولة الأجنبية التي جاء ذكرها في الاتهام هي: ليبيا!!، أما الجهة الأجنبية التي اتهم مواعدة بالاتصال بها، وتلقي أموال من خلالها، فهي ملتقى الحوار الثوري الديمقراطي الليبي.
ويلفت النظر في قضية أو مسرحية مواعدة أن الرجل نفي التهم الموجهة إليه إبان التحقيق وإبان المحاكمة.
وأكد أن ملتقى الحوار الثوري الديمقراطي الليبي يشكل إطارا - لا غير- للحوار بين المفكرين والسياسيين العرب، وتجمعًا لأحزاب مختلفة من المشرق والمغرب للحوار حول قضايا فكرية وسياسية، تهم العالم العربي، ويلفت النظر أكثر أنه أعلن أنه قد كلف بالقيام بمهام رسمية لدى ليبيا بعد عام ١٩٩٤م.
أي أن النظام التونسي الحاكم قد أرسله في مهام رسمية إلى ليبيا، ثم أضاف: «إن الملاحقات الأمنية التي حركها الحكم في تونس خلفه وحوله إنما جرت لأسباب سياسية، وقد حظر الحكم الصادر من المحكمة على مواعدة العمل السياسي، وذلك حسب قانون الأحزاب الصادر في تونس عام ۱۹۸۸م.
الجهات ذات الصلة بحقوق الإنسان في تونس، وأيضا الجهات ذات الخبرة والمعرفة بأجواء الحكم في تونس وهيمنته على الأوضاع والأحوال فيها تقول مؤكدة: إن القضية بالفعل لها أبعادها السياسية، وأن ما يجري في تونس لا يختلف عما يجري في كثير من الدول العربية، التي تفتقر إلى الديمقراطية أو تعادي الديمقراطية، وتعيش أجواء الحكم الاستبدادي والسلطة الفردية.
فالحكم في تونس يدور ويرتكز على شخص الرئيس ابن علي، والأحزاب في تونس لا تعدو الواجهة الديكورية للحكم، والحزب الدستوري الديمقراطي الذي ورثه الرئيس ابن علي عن الرئيس بورقيبة لا يعدو أن يكون ستارًا أو شاشة يتحرك الحكم خلفها إذا أراد أو أمامها إذا رغب.
والبرلمان لا يعدو أن يكون السبيل أو الوسيلة لإصدار القوانين حسب الطلب وحسب المقاس، وترسانة القوانين الشاذة عامرة ذاخرة وتحت الطلب.
وإذا كان السيد ابن علي الرئيس التونسي قد قال يوما بعد اعتلاته کراسي السلطة أنه يدير الأمور في تونس من خلال غرفة خاصة عامرة بالأزرار يضغط على ما يشاء منها؛ لتحريك من يشاء من المنفذين، فإن هناك كما يبدو غرفة أخرى عامرة بأزرار الملاحقة والاعتقال والمحاكمة وإصدار الأحكام، يتم الضغط على أحد أزرارها ليصدر الحكم حسب الرغبة وحسب المقاس.
ومن ثم جرى بالأمس إصدار الاتهامات ضد رموز العمل الإسلامي، وتم رميهم بالتطرف والإرهاب، وجرت محاكمتهم، وتم إصدار الأحكام ضدهم بالإعدام، والتغييب داخل السجون وسط جولات من التعذيب، الذي وصل إلى حد التصفية أو تعجيز الأطراف والأجسام.
كما تجري الأحكام بالتجريد من الحقوق السياسية أو كافة الحقوق الإنسانية، وكأنها نعمة من الحاكم الأوحد يمنحها ويغدق بها على من يشاء، أو يصدر الفرمانات بحرمان «مواعدة»، وغير «مواعدة» منها وقتما وكيفما يشاء.
وفي ظل القوانين الاستثنائية، والأحكام الجاهزة، وتجييش جيوش الأمن؛ لسحل أو سحق الداخل، تحيط بتونس وكل دولة تعيش أجواء تونس الأسوار من كل جانب، وتبقى العلاقات مع بني العرب حسب المزاج السلطاني، فليبيا اليوم في القاموس التونسي الرسمي بلد معاد، وربما تكون في الغد كما كانت في الأمس حين بعث الحكم إليها بـ«مواعدة»، كوفد رسمي ينهض ببعض المهام الرسمية، بلدًا شقيقا حبيبا، يشارك في وحدة المصير، ووحدة الأهداف والغايات، وإن كانت العلاقات مع بني الغرب ثابتة على حالها من الصفاء والود، لا تعرف التوتر، ولا تصاب بالضغف أو الذبول.
إن السيد محمد مواعدة - زعيم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين - والذي تولى الرئاسة من بعده أحمد المستيري، وكما تقول مصادر المعارضة التونسية، والجهات العليمة بأجواء وسياسات الحكم في تونس، وأيضا أنباء أذاعها إعلام غربي بعد أن فاز حزبه بعشرة مقاعد في البرلمان في الانتخابات الاشتراعية منذ عامين، قد اعترض على نتائج الانتخابات البلدية في العام الماضي؛ حيث لم يفز الحزب إلا بمقعدين في حين رفع الحزب الحاكم نسبته إلى ٩٩ % من الناجحين في انتخابات المحليات، ذلك لأن النظام الحاكم قد رأى أن يزيد من تهميش المعارضة، بل ويؤكد على إلغاء وجودها الصحيح، ليس من خلال الانتخابات النزيهة، والرجوع إلى الشعب، ولكن على الطريقة العربية المشهورة والمعروفة في كثير من ديار بني العرب، أي من خلال التزييف بشتى أشكاله.
وجريمة محمد مواعدة أنه اعترض على قرار السلطة، ورفض التهميش الكامل، وتجرأ فسجل العديد من وقائع وأنماط التزييف في تقرير، ثم ازداد جرأة، فأعلن عنها في مؤتمر صحفي، وضاعف الجرأة حين أعلن أنه مستعد للمثول أمام محاكمة، ولكن نزيهة؛ ليحاسب أو يؤكد صحة أدلته، فكان الإعلان عن اتهامه بالاتصال بالجهات الأجنبية وقبضه للعملات الدولارية والسعي للإضرار بحاضر ومستقبل التونسيين والتورط مع بلد غريب، ثم كانت المحاكمة وإصدار الحكم مع الحرمان من نعمة العمل السياسي.
وإذا تاب «مواعدة»، وأناب، وأغمض العين عن المحرمات والمحظورات، ورضي بالفتات، وقبل العيش تهميشا، وانخرط مستسلما في اللعبة الديكورية، فليس ثمة ما يمنع من إعادة النظر، وأيضا على الطريقة العربية إياها، في أمر عودته إلى الدوران في الفلك.
من عيوب النظام الحاكم في تونس - مثل غيره من الأنظمة التي تعادي أو تحرم وتجرم الديمقراطيين عملا وممارسة، وتتغنى بها - تصريحات وأقوالا - أنه يظن أنه قادر على إحكام الأستار والأسوار، فلا تتكشف الوقائع، ولا تفوح رائحة الحقائق. ومن عيوبه أيضا أن ضرباته تطيش أحيانا أو في كثير من الأحيان، فيظهر ما خلف الأستار، وينكشف ما تحت الغطاء، ومثال ذلك أنه وجه الاتهام لمحاميه من هيئة الدفاع عن مواعدة، ولعضو من حزب «مواعدة» في البرلمان رفع النظام عنه الحصانة بتسريب الأسرار، والإضرار بالمصالح؛ لأنهما أرسلا ملف التحقيق مع مواعدة، وبه كافة أقواله إلى خارج تونس.
إلا أن العيب الأكبر من كل العيوب في الحكم التونسي، أنه لا يحسب حسابا للشعب، الذي أدرك أبعاد اللعبة، وأنماط الوسائل والسبل، وأهداف وغايات النظام، وصار ينتظر الفرصة السانحة للتصحيح، وإعلان قوله الفصل في تقرير الوضع والمصير.