العنوان رأي في مسألة البيع بالتقسيط
الكاتب سعيد إسماعيل صينى
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1414
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 22-أغسطس-2000
لماذا تبنى المؤسسات الإسلامية حساب الأقساط على أساس المبلغ المتبقي بدلًا من القيمة الاجمالية للسلعة؟
تتمثل المنطلقات الأساسية التي اعتمدت عليها المؤسسات الإسلامية ومن سار على نهجها، في ممارساتها للبيع بالتقسيط على ما يلي:
أولًا: هناك اتفاق على تحريم الربا، سواء أكان ربا فضل «مثل بيع تمر بتمر بزيادة في الكيل أو الوزن»، أم ربا نسيئة «مثل: تسليف عين أو نقود بزيادة عند الاقتضاء».
ثانياً: علة تحريم الربا منع الاستغلال بين الناس، وتحقيق العدل، وحماية المحتاج.
ثالثاً: الزيادة على القيمة في حالة الدفع المؤجل للعين المسلَّمة في الحال جائزة؛ لأنها لا تدخل في الربا المحرم؛ وذلك لأن التبادل فيها يكون بين جنسين مختلفين، نقد وعين، ولأن التأجيل فيه ضرر للبائع، ففي الوقت الذي يستفيد فيه المشتري من السلعة لا يستطيع البائع الاستفادة من كل نقوده المستحقة لقاء سلعته التي استلمها المشتري، وبهذا يستحق تعويضاً عن التأجيل.
رابعاً: التحديد الدقيق لثمن السلعة شرط لجواز بيع التقسيط.
خامسًا: الإسلام لا يقيد الطريقة التي يتم بها تحديد هذه الزيادة، وبعبارة أخرى، يخضع حجم هذه الزيادة للمفاوضات بين البائع والمشتري، أو يحدده البائع كما يراه مناسباً. وللمشتري أن يقبل العرض أو أن يرفضه، فقد يحدده البائع في ضوء درجة المخاطرة، والمدة الزمنية، ودرجة الإقبال على السلعة. وقد يحدده بالنسبة المئوية وبطريقة منتظمة تكفل له يسر نشاطه التجاري ودقة حساباته وقلة التكاليف.
وليس هناك نص يمنع البائع من تحديد هذه الزيادة بالنسب المئوية، فالله سبحانه وتعالى قد حدد الحق المقرر في مال المسلم، أي زكاة الأموال المفروضة، بالنسبة المئوية، ويمكن حساب القيمة الإجمالية للسلعة بعملية حسابية يسيرة، ولاسيما في عصرنا الحاضر مع توافر وسائل الحاسب الآلية، ويمكن للمفاوضات أن تتم بالنسب المئوية كما تتم بالأثمان المحددة.
سادساً: هناك طرق عديدة في استخدام النسب المئوية في حساب الزيادة؛ بحيث يجعل القيمة الإجمالية محددة رغم تغير المدة الزمنية، أو تغير قيمة الدفعة الأولى، أو تغير قيمة الأقساط الشهرية، ومن هذه الطرق الرئيسة:
١- حساب الزيادة على أساس قيمة الحال: أي إذا كانت قيمة البيت مليوناً ونصف مليون دولار، فيتم حساب نسبة سبعة في المائة من هذه القيمة عن كل سنة تأجيل، حتى لو كان المشتري قد دفع جزءاً منها نقداً ولم يتبق مثلاً سوى ٩٦٠ ألف دولار فقط، ولكن هذه الطريقة لا تفرق بين من يبقى عليه من ثمن السلعة جزء كبير وبين من يبقى عليه جزء صغير، أي ليس فيه مساواة بين المشترين، وبالتالي يؤدي إلى تذمر بعض المشترين والتهاون في تسديد ما عليهم، فتكثر الشكاوى والدعاوى وما يترتب عليها من سلبيات على البائع والمجتمع، إضافة إلي ذلك، فإن البائع في هذه الطريقة يأخذ تعويضاً حتى عن الجزء المدفوع، وأصل التعويض المستحق يكون على المبلغ غير المدفوع.
وفي هذه الحالة ستكون القيمة الإجمالية للسلعة المسددة خلال خمس سنوات هي: ٢,٠٢٥,٠٠٠ أي بزيادة تصل إلى حوالي ثلث القيمة الأصلية، ويمكن تقليل النسبة المزادة عن كل سنة فتقل القيمة الإجمالية، ولكن مشكلة أن انعدام العدالة بين المشترين ستبقى كما هي بما يترتب عليها من أضرار.
٢- حساب الزيادة على أساس المبلغ المتبقي فقط: أي زيادة سبعة في المائة على كل سنة تأجيل، وتساعد هذه الطريقة في تجنب سلبيات الطريقة السابقة، ولكن يظهر وكأن البائع إنما يسلف المبلغ المتبقي للمشتري ويأخذ عليه ربا نسيئة فيصبح حراماً، بيد أنه يمكن رد هذه الشبهة بما يلي:
- يستحق البائع الزيادة لأن استفادة المشتري من السلعة كاملة بتسلمه السلعة، أما استفادة البائع من نقوده المستحقة لقاء السلعة ناقصة. فالزيادة مباحة لأنها تعويض عن الحق المنقوص مؤقتاً للبائع، وتحقق مقصود الشرع، إذ يمنع الاستغلال ويسهم في تيسير معاش الناس وتوفير الرفاهية لهم. وبعبارة أخرى، فإن الزيادة ليست سلفاً ولكن تعويضاً، وهو تابع للإباحة الأصلية للبيع بالتقسيط وجزء متمم له، فلولا أن المشتري ابتاع سلعة من البائع وتسلمها دون دفع كامل الثمن لما ترتبت هذه الزيادة أو التعويض، وهو يختلف عن ربا النسيئة، فالمسلف فيه يحصل على زيادة مضمونة ومقابل لا شيء تقريباً، بينما قد يحتاج المستلف النقود لسد حاجته أو للاستثمار مع بذل الجهد للحصول على مردود قد لا يسد المبلغ المستلف وزيادته فضلاً عن الربح.
- الزيادة المباح أصلها تبيح ما يتبعها، ولاسيما إذا كانت تحقق مقصود الشرع بطريقة أفضل. وبعبارة أخرى فإن التأجيل وعوضه هما جزء من الإباحة كما أن ملامسة الرجل لزوجته الأجنبية في الأصل مبني على شرعية عقود النكاح وما يتبعها من المصالح، فالزيادة المحرمة خارج بيع التقسيط أصبحت حلالاً كجزء في بيع التقسيط، كما أصبحت الملامسة المحرمة خارج عقد النكاح حلالاً كجزء من النكاح المشروع، وذلك بالرغم من أن الزيادة واحدة والملامسة واحدة، ولكن المنطلقات والأطر مختلفة، ويشهد لهذه الحقيقة في العبادات بعض الشعائر المفروضة التي يجب أن يقوم بها المسلم – وإن كانت في ظاهرها ومجردة من إطارها العام – لا تختلف عن الشعائر الوثنية مثل: تقديس الحجارة، وذلك بالصلاة إلى الكعبة، وبالطواف حولها، وتقبيل الحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة، ويضاف إلى الأمثلة التشريعية الكثيرة التي تؤكد هذه القاعدة أن النية وحدها فضلاً عن طبيعة الأصل كافية؛ لأن تجعل مكافأة العمل الصالح - في ظاهره - الجنة أو النار، فإن الأعمال بالنيات.
كيف تحسب الزيادة في نظام التقسيط؟
هناك شبه اتفاق بين المؤسسات الإسلامية على حساب الزيادة بالطريقة التالية:
١- اعتبار المبلغ المتبقي هو الأساس لحساب الزيادة.
٢- تحديد نسبة مئوية في ضوء سنوات التأجيل مثل: عن كل سنة ٧٪ أو ٨٪ أو ١٠٪، وقد تزيد النسبة أو تنقص بنقصان أو زيادة عدد السنوات على حد معين.
٣ - يتم توزيع إجمالي القيمة «المتبقي × النسبة المئوية × عدد السنوات» على عدد الأشهر المتفق عليها فيكون القسط الشهري، وبعبارة أخرى، فإن التسديد المطرد للأقساط الشهرية لا تنقص من حجم الزيادة، وكان الأصل أن ينقص ذلك مادامت الزيادة هي تعويض عن المتبقي.
٤- بعض المؤسسات تسقط النسبة الزائدة على المدة المتبقية إذا تم تسديد القيمة كاملة، وذلك بالطريقة نفسها التي تم بها حساب الزيادة، فمثلاً لو تم تسديد المبلغ المتبقي المقسط على خمس سنوات خلال عام واحد فإن الزيادة المترتبة على الأعوام الأربعة الباقية تسقط، وبعض المؤسسات تُعفي المشتري من الزيادة المترتبة على أي قسط يتم دفعه قبل التاريخ الذي تترتب عليه الزيادة، وذلك باعتبار المدفوع قبل أوانه من أواخر الأقساط، فمثلاً إذا تم دفع قسطين إضافيين خلال العام الأول في حالة التقسيط على خمس سنوات يتم اعتبار هذين القسطين على أنهما لقسط التاسع والخمسون والستون فلا تلحقهما لزيادة المترتبة على السنوات الأربع الأخيرة.
وهناك طرق مختلفة لا تخرج في عمومها عن هذه القواعد العامة.
التقسيط عند غير المسلمين
هناك طرق مختلفة ولكن للإيضاح سنقتصر على مثال للتقسيط الشائع في الولايات المتحدة الأمريكية، مع استبعاد مسألة الاقتراض من البيوتات المالية فذلك ربا نسيئة صريح، وسنعرض للطريقة التي يبيع بها الفرد أو المؤسسة من ممتلكاتها بالتقسيط، ويتم حسابه بالطريقة التالية:
١- اعتبار المبلغ المتبقي بعد كل دفعة هو الأساس لحساب الزيادة، أي يتم إعادة حساب الزيادة شهرياً في حالة القسط الشهري.
٢ - تحديد نسبة مئوية في ضوء النسبة السائدة في السوق حين إبرام العقد، أو يحدده البائع، وللمشتري قبوله أو رفضه.
٣- يتم توزيع إجمالي القيمة «المتبقي x النسبة × عدد السنوات» على عدد الأشهر فيكون القسط الشهري، ولكن يعاد حساب النسبة على المتبقي بعد حسم الجزء المسدد من المبلغ المتبقي الأصلي، سواء كان التسديد في وقته أو قبل وقته، وبهذا يتغير حجم الزيادة المطلوبة بعد كل قسط مسدد وإن كانت النسبة نفسها ثابتة، ويحرم القانون الأمريكي أخذ الزيادة على الأقساط المدفوعة قبل أوانها، ويسمي هذه الزيادة «عقوبة الدفع المقدم».
وإذا أضيف ذلك إلى الحقائق السابق ذكرها فإنها تثير التساؤلات التالية:
١- أي الطريقتين أكثر إنصافاً للمشتري وأكثر تبرئة لذمة البائع المسلم؟
٢ - أي الطريقتين يتمشى مع روح التعاليم الإسلامية ومع تحريم الربا وعلته؟
٣ - لماذا لا نعيد النظر في الطريقة الشائعة ولاسيما في ظل الحقائق المثبتة في البندين «خامساً» و«سادساً»، وبعبارة أخرى لقد بنت المؤسسات الإسلامية حسابها للزيادة على المبلغ المتبقي، بدلاً من القيمة الإجمالية، بصفتها تعويضاً للثمن المستحق الذي لم يستلمه البائع بعد، فما الذي يمنعها من الطريقة الأخرى، وبهذا تكون قد أبرأت ذمتها من الاستغلال وأنصفت المشتري؟
والشيء بالشيء يذكر، في نقاش مع أحد مدراء البنوك الإسلامية أجابني: «لا نستطيع فعل ذلك لأن هذه الطريقة فيها شبهة الربا».
فقيل له إن الشبهة موجودة في الأصل بحساب الزيادة على المتبقي في المرة الأولى، وفي جميع الأحوال فإن اجتناب الاستغلال المحقق والمتفق عليه أولى من اتقاء الشبهة التي حولها خلاف.
ولثقتي بإخلاص كثير من المؤسسات الإسلامية التي تبيع بالتقسيط وددت لو أن عندي الوقت الكافي لبعثت خطاباً لكل مؤسسة منها، ولكن للضيق الشديد في الوقت، أجد نفسي مضطراً إلى إرساله إلى إحدى الدوريات لتعلنه لذوي الاختصاص والاهتمام، فلعل الله أن ينفع به المسلمين، وأن يكون دافعاً للمزيد من البحث الجاد والتأمل لكتاب الله وسنة رسوله الموثقة، وذلك بدلاً من الوقوف عند اجتهادات سابقة ليست بالضرورة صحيحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل