; رأي: فقه الدعوة في بلاد الاغتراب | مجلة المجتمع

العنوان رأي: فقه الدعوة في بلاد الاغتراب

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995

مشاهدات 79

نشر في العدد 1173

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 31-أكتوبر-1995

لا يزال العمل الإسلامي في بلاد الاغتراب يجري على نسق ما عليه العمل في الأقطار الإسلامية مع شيء يسير من التعديل والتطوير والتغيير، وهذا ما ضيع ويضيع على الساحة الإسلامية فرصا عالمية، وحجمًا كبيرًا ونوعيًا من الطاقات والإمكانات، لو أمكن توظيفها وتسخيرها ضمن إطار المشروع الإسلامي على المستوى القطري والعالمي لحقق الكثير من الفوائد ولقفز بمستوى الأداء الإسلامي قفزات كبيرة إلى الأمام. 

وإذا كانت المشكلة أن كثيرًا من الطاقات ذاتها لا تزال معطلة في البلاد الأم (ودار الإسلام) فمن الطبيعي أن تكون معطلة أكثر في الخارج أي في (دار الحرب). 

غيبة فقه التسخير: 

وإن السبب الأساسي الذي تعود إليه ظاهرة تعطل الطاقات والإمكانات سواء في الحضر أو السفر، وسواء في العالم الإسلامي أو العالم الأجنبي، يعود إلى غياب فقه التسخير غيابًا شبه كلي. 

إن الإلمام بفقه التسخير، وعلم توظيف الأوقات والطاقات والمؤهلات حيث وجدت في إطار المصلحة الإسلامية العليا، وفي خدمة الأهداف الإسلامية القريبة والبعيدة، من شأنه أن يدفع بالعمل أشواطًا إلى الأمام، ويرتقي به درجات إلى الأعلى. 

فالله سبحانه وتعالى سخر للإنسان كل شيء، والإنسان مطلوب منه بالتالي أن يسخر كل شيء في سبيل الله، بحيث يتحقق كمال الشكر، وتمام الأجر ومناطق التوفيق والنصر. 

- فهنالك موجبات شرعية تتعلق بتسخير الفرص والمناسبات.  

- وهنالك موجبات شرعية تتعلق بتسخير الأوقات.

- وهنالك موجبات شرعية تتعلق بتسخير العلوم والمبتكرات «الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها التقطها »، و«من تعلم لغة قوم أمن مكرهم» واللغة هنا قد تكون علومًا وفنونًا ومبتكرات ومخترعات وصناعات... إلخ. 

- وهنالك موجبات شرعية تتعلق بتسخير المؤهلات والاختصاصات. والمشروع الإسلامي إن كان بحاجة إلى علماء في الشريعة، فإنه بحاجة كذلك إلى علماء في السياسة والاقتصاد والإدارة والبرمجة والإعلام إلى ما لا نهاية له من علوم ومعارف

 وإذا كانت الحركة الإسلامية حريصة على أن تكون في مستوى العصر، فإن عليها أن تدرك أنها تعيش في عصر الاختصاصات واختصاص الاختصاصات، وفي كل جانب من هذه الجوانب، وجريمة نكراء ترتكبها الحركة حينما تكون عندها هذه الاختصاصات . وهي موجودة ثم هي لا تلتفت إليها، ولا تعمل على توظيفها وتسخيرها بشكل شامل وكلي في دائرة العمل الإسلامي 

طبيعة بلاد الاغتراب:

 إن بلاد الاغتراب كائنًا ما كانت تختزن من العلوم والطاقات والمعارف والخبرات ما لا يتسع المقام لإحصائه وحصره.

 والمغتربون سواء انتقلوا إلى بلاد الاغتراب للدراسة، أو العمل، فإنهم إن ظلوا على التزامهم لله ورسوله، وعهدهم للدعوة بإمكانهم أن يقدموا لإسلامهم خدمات نوعية لا يمكن أن تتاح لأولئك الذين يعملون في الداخل، وإن كان الجميع على ثغور الإسلام والفريقان لا غنى لأحدهما عن الآخر.

 إن التلاقح مع الآخرين، والاستفادة من خبراتهم وعلومهم، والتعرف إلى الطرق والأساليب المعتمدة عندهم في التخطيط والتنظيم والتأهيل وهي علوم تجريدية من الممكن أسلمتها ووضعها في خدمة الإسلام مما يختصر الأوقات المهدورة، ويحرك الطاقات المعطلة والعناصر الجامدة أو المجمدة.

 إن الأمثلة على ذلك كثيرة، وأكثر من أن تُحصى، وفي كل مجال، مما لا يتسع المجال لتناولها في هذه العجالة.

 ومن طبيعة بلاد الاغتراب تنوع الناس فيها لغة وقومية، وذهنية، وطباعًا، وأمزجة وعادات وتقاليد مما يثري التجربة ويعطيها بعدًا عالميًا، ومما يكسب الأخ الداعية خبرة لا يمكن أن تتاح له فيما لو بقي في بلده، وبين من يشابهونه، ويشابههم في كل شيء، ومما يجعله واقعي التصرف منظم الفكر والتصرف منطقي التحليل والدراسة والتقويم.

 فقه العمل الإسلامي في بلاد الاغتراب:

 لا بد للعمل الإسلامي في بلاد الاغتراب من فقه يختلف في القضايا الاجتهادية والتي تقع ضمن دائرة المتغير لا الثابت عن فقه العمل في العالم الإسلامي.. وعلى قاعدة قول رسول ﷺ: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» ، لا بد وأن يكون الأداء والخطاب الإسلامي في مستوى عقول الناس سواء كانوا مسلمين وافدين أو مسلمين أجانب، أو أجانب غير مسلمين.

 ١ - إن الأداء والخطاب الإسلامي مع المسلمين الوافدين من البلاد الإسلامية، يختلف أسلوبًا وبعدًا وهدفا عن غيره، وله خصوصيته وخصائصه، والهدف المحوري مع هذا الفريق يجب أن يتمحور حول دفعهم إلى الالتزام الإسلامي، وإلى التعاون وعدم التفرق والانقسام إلى أن يعطوا الأجانب صورة مشرفة عن الإسلام، إضافة إلى تهيئتهم وتحضيرهم ليكونوا بعد عودتهم إلى أقطارهم جنودًا ومساندين للعمل الإسلامي.

 ٢ - أما الخطاب والأداء الإسلامي مع المسلمين الأجانب، فيجب أن يتمحور حول تأصيل معرفتهم بالإسلام والتزامهم به والاستفادة من آرائهم وتصوراتهم ومقترحاتهم في العمل للإسلام والدعوة إليه، ويمكن للحركة أن تستفيد كثيرًا من زوايا التفكير التي لدى هؤلاء، والتي تختلف بشكل كبير عن زوايا التفكير عندنا . 

3- أما الأداء والخطاب الإسلامي مع غير المسلمين، فيجب أن يختلف بشكل جذري عما هو مع المسلمين، إن مادة الخطاب يجب أن تلامس عمق المشاكل التي يعيشونها، وتحرك العقول والمشاعر في الاتجاه الصحيح والفطري، والذي هم عنه غافلون

 ويجب أن ندرك أن الناس في بلاد الاغتراب في ضياع وفراغ روحي وقلق ويأس نفس، وسريعي التجاوب مع من يحرك عواطفهم، ويستثير انتباههم، ويشدهم إلى ما يبعث في نفوسهم الطمأنينة، وإلى ما يبلسم جراحاتهم النفسية العميقة.

وهذا ما يجعل الدعاة في بلاد الاغتراب سفراء للإسلام، فإما أن يحسنوا السفارة، وإما أن يسيئوا إليها، وإما أن يكونوا أداة اجتذاب للإسلام أو أداة تنفير، وفتنة للذين كفروا.

 وهنا يأتي دور الدعوة بلسان الحال، ومن خلال المعاملة، وليس فقط من خلال لسان المقال والدعوة الفطرية إلى الإسلام وفي المثل إن لسان الحال أوقع وأبلغ من لسان المقال.

مقومات العمل الإسلامي في بلاد الاغتراب:

 إن للعمل الإسلامي في بلاد الاغتراب مقومات قد لا تكون متوفرة في أقطار العالم الإسلامي، والتي تواجه فيها الحالة الإسلامية ضغوطًا متعددة، مما يجعل التنسيق والتعاون بينهما سبيلًا إلى التكامل على كل صعيد. 

١- إن مناخ الحرية المتاحة والتي بدأت بالانحسار في الفترة الأخيرة  يجعل العمل الإسلامي متحركًا بلا ضغط يلحظ سلم الأولويات، والتوازنات، وسنة التدرج والتطور، مما يكسبه واقعية وثباتًا واستمرارية، ولا يجعله قفزات في الفراغ، أو ردات لأفعال الآخرين، وهذه مزية يجب الاستفادة منها.

 ٢- وإن مناخ العلمية والتقدم في مجالات التطور الصناعي والتقني على كافة الصعد يتيح للعاملين في بلاد الاغتراب فرص الاستفادة من هذا التطور، وبالتالي نقله إلى البلاد الأم كيما تستفيد منه الحركة الإسلامية في كافة خطواتها ونشاطاتها وأعمالها.

3- أما مناخ الحرية الاقتصادية، فإن من شأنه أن يمنح الحركة الإسلامية فرصا للتثمير المالي في العديد من المشاريع التجارية والصناعية والسياحية، وغيرها، وبخاصة في حالات تعثر الأوضاع الاقتصادية في العالم الإسلامي.

 ٤- ويضاف إلى ذلك مناخ حرية التعبير الذي يمنح الحركة الإسلامية فرص امتلاك العديد من الوسائل الإعلامية المسموعة والمقروءة والمرئية، وبخاصة بعد أن أصبحت وسائل الإعلام في العالم الإسلامي أسلحة حرب على الحركات الإسلامية، وأداة تعتيم على نشاطاتها المختلفة.

 5- أما التعددية القطرية في بلاد الاغتراب فتعتبر من المقومات الهامة في صياغة المشروع الإسلامي العالمي، بعد تشكيل الشخصية الإسلامية العالمية بما يتكافاً مع هذه المهمة. 

6- أما الأهم من هذه المقومات فهو الدور الذي يمكن أن يضطلع به المغتربون في تقديم الإسلام إلى العالم كرسالة إنقاذ مما تعاني منه من مشاكل على كل صعيد، ولتترجم الجملة التي قالها الدكتور مراد هوفمان الإسلام هو الطريق الوحيد للبشرية.

 (Islam is the only way for: Humanity).

دور المغتربين في المشروع الإسلامي القطري

إن دور الإخوة المغتربين في الإطار القطري يتلخص بما يلي:

 ۱- تحقيق تماسكهم وانتظامهم وقيامهم بما هو مطلوب منهم من قبل القيادة القطرية وعلى كافة الصعد التربوية والدعوية والحركية، وغيرها.

 ٢- قيامهم باجتذاب الجالية الإسلامية القطرية التي ينتمون إليها، من خلال النشاطات العامة والزيارات الخاصة والعلاقات التجارية والعلمية وغيرها.

 ٣- قيامهم بدعوة الجالية القطرية غير الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال نشاطات مدروسة، وزيارات هادفة وقدوة حسنة تلفت إلى جمال الإسلام وتحبب به، وتقرب إليه، وعلى أساس القاعدة النبوية «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» ووفق قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ (البقرة: 83) ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ﴾ (العنكبوت: 46).

 ٤- إسهامهم بتطوير العمل الإسلامي القطري، من خلال أفكار ومقترحات ومشاريع تقدم إلى الجهات المعنية.

 5- إسهامهم بتنمية الموارد المالية القطرية عبر اقتراح مشاريع تجارية وصناعية تثميريه من شأنها تأمين عائدات مادية تساعد على سد حاجات العلم في جوانبه المختلفة.

 دور المغتربين في المشروع الإسلامي العالمي:

 أما على صعيد الدور الإسلامي العالمي فلابد من ملاحظة التالي:

 ١- السعي إلى توحيد العمل الإسلامي في بلاد الاغتراب، والابتعاد به عن معترك النزاع والصراع.

2- تقديم تصورات عصرية وأفكار متطورة من شأنها أن ترتفع بجهوزية الحركة الإسلامية، وتضاعف من قدرات استيعابها للآخرين، وذلك من خلال اعتماد سياسة التأهيل للقيادات وللأجهزة كما للأفراد تحقيقًا وتأمينًا لتوافر البدائل التي يحتاجها المشروع الإسلامي على كل صعيد.

٣- السعي إلى اجتذاب الجاليات الإسلامية إلى العمل والدعوة من خلال برامج خاصة ونوعية.

 ٤- السعي إلى اجتذاب أصحاب الفكر ومواقع القرار في العالم الغربي من خلال ندوات تعقد، ومحاضرات تقام وكتب تهدي من شأنها جميعا أن تقدم صورة مشرقة عن الإسلام، بدل الصور المشوهة التي يعمل على تأصيلها وترسيخها من قبل القوى المعادية للإسلام.

 5- الاستفادة من الشخصيات التي اعتنقت الإسلام، وبخاصة تلك التي كانت على مواقع مهمة من أمثال:

- روجي جارودي.

- دافير بنيامين - صاحب كتاب محمد في الإنجيل.

الدكتور مراد هوفمان - صاحب كتاب الإسلام كبديل

- موريس بوكاي - صاحب كتاب القرآن والكتب المقدسة في ضوء العلم. 

- الدكتور رو كفاك Ro Kavak

الدكتور روبرت كرين - المعروف به فاروق عبد الحق مدير الأمن القومي في عهد نیکسون، وصاحب رسالة القيادة الإسلامية في القرن الواحد والعشرين

وأخيرًا .. أسأل الله تعالى لنا ولكم

الهداية والتوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 114

147

الثلاثاء 22-أغسطس-1972

إلام ندعو وكيف؟ "2"

نشر في العدد 107

117

الثلاثاء 04-يوليو-1972

العبد الحر!!

نشر في العدد 108

130

الثلاثاء 11-يوليو-1972

الأبرار الساكتون الهالكون