العنوان إصلاحات تنفذ بأوامر خارجية.. لن تكون لصالح الشعوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2002
مشاهدات 62
نشر في العدد 1509
نشر في الصفحة 9
السبت 13-يوليو-2002
كشف رئيس الوزراء المصري الأسبق مصطفى خليل عن أن الولايات المتحدة طلبت من مصر قبل توقيع اتفاقية التسوية بينها وبين إسرائيل في كامب ديفيد أن تجري مصر إصلاحات سياسية واقتصادية، وقال خليل الذي عاصر تلك الأحداث في تصريحات نشرتها جريدة الشرق الأوسط يوم 2002/7/6م إنه بناء على ذلك تشكلت لجنة انتهت إلى التوصية بعمل التعددية الحزبية ودعم المنابر البرلمانية والتحول من النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالي، وهذا ما كان. واليوم تكرر الولايات المتحدة مطالب الإصلاح من السلطة الفلسطينية كشرط للتدخل في تسوية مقبلة وهي تشترط هذه المرة لا مجرد إقرار التعددية الحزبية فهي موجودة بالفعل على الساحة الفلسطينية، ولكن إقرار الفلسطينيين بالتنازل النهائي عن حقوقهم في أرضهم وأوطانهم، وإن كانت لا تصرح بذلك وإنما تسعى لإيجاد قيادات فلسطينية جديدة يقال إنها منتخبة، أي مفوضة للحديث باسم الشعب الفلسطيني.. ومن ثم تقدم التنازلات المطلوبة تحت زعم ذلك التفويض.
ما حدث في مصر قبل ربع قرن وما يحدث الآن في فلسطين يؤكد أن بعض الأنظمة العربية التي تسلطت على شعوبها بالديكتاتورية والاستبداد- أو يمكن أن تتسلط بالخداع والدعم الأجنبي- لا تقوم بالإصلاح وفق ما تحتاجه الشعوب وتطالب به وتقتضيه مصالحها، وإنما بناءً على ما يأتيها من الخارج من إشارات أو تعليمات.
ومادام ذلك الإصلاح المزعوم مفروضًا من الخارج فإنه لن يحقق إلا مصالح من طلبوه وأهدافهم، فقد وقعت مصر تسوية الاستسلام مع العدو الصهيوني وخرجت من المواجهة معه وسلمت بأن ٩٩٪ من أوراق اللعبة في يد أمريكا كما كان يقول الرئيس المصري السابق، وضعفت إمكانات مصر العسكرية وتفاعل دورها الإقليمي والدولي، أما الإصلاحات المزعومة فقد فقدت مضمونها وجاءت شكلية مشوهة، فلا تحققت التعددية السياسية الحقيقية، ولا جرى أي تبادل سلمي للسلطة ولا كانت هناك ممارسة برلمانية حرة ولا تحقق الإصلاح الاقتصادي بل الانهيار والنكسات في الأوضاع الاقتصادية كافة.
ولا يتوقع أحد أن يكون الحال في فلسطين المحتلة بأفضل مما حدث في مصر .. بل من المتوقع أن يكون أنكى من ذلك.. إذ المطلوب رأس القضية الفلسطينية للقضاء عليها المصلحة المشروع الصهيوني.
ويرتبط بما سبق ما تناقلته وكالات الأنباء الأسبوع الماضي عن زيارة مسؤول مصري كبير إلى فلسطين المحتلة ولقائه المسؤولين الصهاينة، فقد ذكرت الأنباء يوم السابع من يوليو الجاري أن المسؤول المصري أبلغ رئيس الوزراء الصهيوني أن هناك حاجة للحفاظ على السلطة الفلسطينية، معربًا عن قلقه من أنه إذا انهارت السلطة فإن ذلك سيتسبب في عدم الاستقرار في دول عربية.
وقد كان الرد الإسرائيلي صاعقًا، فقد أبلغ شارون المسؤول المصري أن الأولوية الأولى عنده وقف ما يسميه الصهاينة بالعنف وأن إسرائيل تسعى وقبل كل شيء إلى إنهاء ما تسميه بالعمليات الانتحارية الفلسطينية والهجمات بالأسلحة وحكم عرفات، وذلك شرط لانسحاب جيش الاحتلال من مناطق الحكم الذاتي.
إن ما ورد في السطور السابقة- إن صح- يمثل فضيحة كبيرة لبعض الأنظمة العربية، فكيف يطلب من عدو الأمة الأول أن يتخذ الإجراءات التي تحافظ على بقاء بعض الأنظمة في السلطة؟ ولماذا أحسنت تلك الأنظمة الظن بالعدو، معتبرة أنه حريص على بقائها؟ هل يعني ذلك أنها بالفعل تقوم بخدمة مصالح العدو قبل أن تحقق مصالح الشعوب التي ابتليت بها؟ وهل يمكن بعد ذلك أن يدعي أي من تلك الأنظمة أنه قادر على مواجهة التحديات الضخمة والأعباء الجسام التي تواجهها الأمة؟ وإذا لم يكن قادرًا على ذلك، فلم الإصرار على أن يبقى جاثمًا على صدر شعبه طالما أنه لا يعرف سوى طريق الفشل والانتكاس والهزيمة تلو الهزيمة؟
من الواضح أن القضية الفلسطينية أصبحت تمثل كابوسًا لبعض الأنظمة، فهي تكشف عورتها وتفضح سوءاتها باستمرار، وتذكر الشعوب بالفشل الذريع بل العمالة الفاضحة التي انغمس فيها البعض، لذا نجد تلك الأنظمة حريصة كل الحرص على أن تئد القضية الفلسطينية بأي طريقة وأن تنهي الصراع مع الصهاينة بأي صورة ناسين أو متناسين أنهم كلما أقدموا على تنازل جديد زاد الصلف الصهيوني وكلما وافقوا على شرط قدم شرطين جديدين ..وهكذا.
وإذا كان شارون وعصابته قد أعادوا القضية إلى مربعها الأول وألغوا كل ما سبق مجيئهم إلى السلطة من اتفاقات فإن الأولى بالسلطة الفلسطينية والدول العربية والإسلامية أن تعود بالقضية الفلسطينية إلى مربعها الأول، فهي مواجهة مع مشروع صهيوني استيطاني شرس يستهدف المنطقة كلها، ولا صلاح له ولا تعايش معه.. ولن يقر للمنطقة قرار أو تنعم باستقرار إلا بإزالة ذلك الورم السرطاني.
فهل من مدكر؟