; رأي المجتمع: وحدة الصف العربي والإسلامي من منظور إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان رأي المجتمع: وحدة الصف العربي والإسلامي من منظور إسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000

مشاهدات 60

نشر في العدد 1414

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 22-أغسطس-2000

العالم العربي والإسلامي اليوم في أشد الحاجة إلى منقذ، وليس هناك رجل مخلص أو وطني غيور إلا وهو يحرص على هذا ويتطلع إليه، فغايات الشعوب العربية والإسلامية واحدة، والأخطار التي تهددها واحدة، وعلى خريطة العالم الإسلامي والعربي اليوم لا توجد دولة أو شعب إلا وهو يعاني من التمزق والضياع، والتبعية والتخلف، والوحدة هي التي تجمع أمال الشعوب وتساعدها على التخلص من السيطرة الأجنبية، والسبيل الوحيد للخلاص من هذا الواقع المر ينبع من داخل هذه الشعوب، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إن اللُّهَ لا يُغَيَرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأنفُسِهِم﴾ (الرعد:١١).

إن المعاناة التي تعيشها أمتنا الإسلامية اليوم والمشاحنات والتشرذم، يجعل أمر الوحدة والاتحاد ضرورة حتمية، ويجعل المسارعة إلى الأخذ في أسبابها فريضة شرعية يعاقبهم الله أشد العقاب على التقصير فيها، هذا إذا كانوا جادين في دفع الخطر، وصد العدوان، وتحرير الإرادة والبعد عن ذل التبعية والضياع.

والقرآن يعتبر التدابر والتفرق جريمة فيقول بسيد الدعاة ﷺ عن قوم خالفوا أمر ربهم: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ (المؤمنون:53 ،54).

إن وحدة العرب والمسلمين من منظور إسلامي، لا تعني أبدأ تزويق الجدران التي نخر فيها السوس، ولا تعني المجاملات أو المؤتمرات والندوات والتصريحات الجوفاء، ثم لا شيء بعد ذلك، وإنما تعني بذل الجهد والعطاء، والكفاح والتحمل والجهاد، تعني استراتيجية تضع أشكال العدوان ومصادره كافة في قائمة واحدة، ثم تحشد لها طاقاتها في رد العدوان أياً كان مصدره، استراتيجية شاملة: سياسية وفكرية وعلمية وإعلامية واقتصادية وعسكرية تعني إثبات الذات وتأكيد الكيان والهوية والوجود، وحدة الأمة هي التي توقف المذابح، وتوقف حمامات الدم التي تجري في أعناق الشعب الفلسطيني المجاهد المؤمن، والتي استمر سيلانها منذ الأربعينيات وحتى اليوم، واستمرارها يؤكد كذب دعاوى الصداقة، أو إقامة جسور الثقة، كما تفضح دعاوى: رغد العيش وهدوء البال، ونعيم الأمن والاطمئنان في ظل السلام؟ والواقع المعيش خير دليل على ما نقول.

إن سيد الدعاة ﷺ حين اقام الأمة الواحدة عمل لما تحتاجه هذه الوحدة وما تتطلبه من أدوات ووسائل،

وسلك الطريق الصحيح: من إعداد للرجال، وبناء للأمة، فكرياً وعقدياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وبذلك تمكن الأسلاف من تمييز معالم الأهداف التي تحددت لهم تباعاً، وعرفوا قنوات الوصول إليها فعملوا بما علموا أنه الحق، لقد قال الله لهم في صراحة ووضوح: ﴿إِن هَذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَاحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء:96)، وقال لهم: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَا رَبَكْمْ فَاتَقُونِ ﴾ (المؤمنون:53).

«فعلموا يقيناً أن هذه الركائز التي تقوم عليها الأمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها، أمة واحدة تدين بعقيدة واحدة، وتنهج نهجأ واحداً، هو الاتجاه إلى الله دون سواه، أمة واحدة في الأرض، ورب واحد في السماء، لا إله غيره ولا معبود سواه، امة واحدة وفق سنة واحدة، تشهد بالإرادة الواحدة المهيمنة في الأرض والسماء» «الظلال بتصرف».

وكان الالتزام بما أمر الله به هو بداية النصر، الذي صاحب الأسلاف رضوان الله عليهم.

إن الحديث عن الوحدة بين العالم العربي والإسلامي اليوم يدور في حلقة مفرغة سبق الدوران فيها، ومازال الجدل عند البعض مستمرا، وقد يكون لاستهلاك الوقت والجهد معاً دون نتائج تُذكر، فقد سمعنا عن محاولات للوحدة قامت ولم تستمر، أو اعلنت ولم تبدأ، وكان كل ذلك فقاعات في الهواء.

يقول مورو بيرجر، في تحديد واضح للسبب الحقيقي لمحاولات صرف أمتنا عن الوحدة والاتحاد ووضع الأشواك في طريقها:

«إن الخوف من العرب، واهتمامنا بالأمة العربية، ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب، بل بسبب الإسلام، يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوة العرب، لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره» «كتاب قوى الشر المتحالفة».

ويحذِّر المفكر الألماني «ياول شمتز» قومه في الغرب من وحدة الأمة العربية والإسلامية فيقول: «سيعيد التاريخ نفسه مبتدئاً من الشرق، عوداً على بدء، من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية الإسلامية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية، وستثبت هذه القوة وجودها، إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها، والاستفادة منها، وستقلب موازين القوى لأنها -يقصد القوة الإسلامية- قائمة على أسس لا تتوافر في غيرها من تيارات القوى العالمية» «الأصولية في العالم العربي».

ويقول المفكر الإنجليزي هيلير بيلوك: «لا يساورني أدنى شك أن الحضارة التي ترتبط أجزاؤها برباط متين، وتتماسك أطرافها تماسكاً قوياً، وتحمل في طياتها عقيدة مثل الإسلام، لا ينتظرها مستقبل باهر فحسب، بل ستكون أيضاً خطراً على أعدائه».

إن من ينظر حوله فيرى تخاذلاً وشتاتًا وانقسامًا، ثم يرى سيطرة الغرب، وتدهوراً في الأخلاق وتضليلاً إعلامياً، سيصاب بلا شك بنوع من القنوط والياس، لكن العقلاء المؤمنين بربهم يرون أن شدة ظلام الليل إيذان باقتراب الفجر، وبزوغ نوره، والقرآن يقرر أنه: ﴿لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (يوسف:87)، ولولا إحساس هؤلاء بهذا الفجر، لما كانت كل هذه التحذيرات التي أشرنا إلى جانب منها.

ورغم كل المعوقات، فإن أحد الخبراء يدلل لنا على إمكان هذا الأمر في الأمة العربية والإسلامية اليوم لوجود كل مقومات الوحدة وأسباب النجاح، وسبق التجربة، ثم بما حدث في أوروبا أخيراً من اتحاد وتقارب، ورغم أنه لا يوجد عندهم مقوم واحد من المقوّمات التي عندنا، ومع ذلك استطاعوا أن يتحدوا، وهذه حجة علينا، فيقول:

«وأمامنا حلف شمال الأطلسي مثلاً باعتباره أول محاولة للعمل الجماعي بعد الحرب العالمية، وباعتباره أقدم المنظمات الجماعية التي تختلف في لغاتها وعاداتها، ونظم الحكم فيها، وذلك رغم ما كان بينها في الماضي من حساسيات عدائية موروثة، ومع ذلك استطاعت أمام وحدة هدفها للتنمية والأمن أن تحقق تطويرًا كبيرًا، وتصاعدًا في قراراتها الاقتصادية، بقيام السوق المشتركة، وبعدها قام «البرلمان الأوروبي» وبعده قامت «الوكالة الأوروبية» للفضاء.. وکانت الدول الأوروبية ترى في تطوير تعاونها اقترابًا حقيقيًا للتكامل الاستراتيجي.. ولم تتوقف المسيرة عندهم التي بدأت عام ١٩٤٨م بميلاد حلف شمال الأطلسي.. وعلى امتداد اربعين عاماً كاملة، ثم اجتياز أربع مراحل، وكل مرحلة تمثل غاية زمنية وموضوعية، حتى إذا تم تحقيقها، كانت هي منطلقاً جديداً لغاية جديدة، ومازالت المسيرة تنبض بالتعاون والطموح» «راجع مجلة الاعتصام دیسمبر ١٩٨٨م».

إن حشد عناصر الأمة الإسلامية في صف واحد، أمر سهل، عندما وضحت معالم الهدف الموحد الذي تتطلع إليه، وإن طبيعة أرضنا وإمكاناتنا أكبر وأعظم من أوروبا التي اتحدت وقفزت للأمام وتعاونت، فما بالنا لا نتحرك، ولا نتحد، بل لا نتعاون، ونحن نملك كل مقومات التكامل، اليس هذا بعجيب؟؟

فجميع العرب والمسلمين يؤمنون برب واحد ويتجهون لقبلة واحدة ورسولهم واحد، ودينهم واحد، يجمعهم القرآن ويؤلف بينهم الإسلام، بشعائره وفرائضه وشرائعه، والأرض التي يعيشون فوقها واسعة متصلة بغير انقطاع من المحيط إلى الخليج، وطبيعتها واحدة، والموارد الضخمة والخامات متوافرة في كل أنحاء الوطن العربي والإسلامي، ورؤوس الأموال متوافرة مع كثرة الأسواق، ووجود الأيدي العاملة والعقول الواعية، والكفاءات المتخصصة والمبدعة، ومصادر الطاقات المختلفة، فضلاً عن المقومات الأخرى التي لم تتوافر عند أمة من الأمم مثل وحدة اللغة والدين، والتعاطف، والتراحم والآمال والآلام.

ومعنا كتاب الله الدستور الخالد، والهادي للصراط المستقيم، ودليل النجاح للدنيا والآخرة، والشعوب العربية والإسلامية لا ينقصها العزم والإرادة، ومستعدة للبذل والعطاء، والعمل بما تعلم.

وهذا ما نادى به الإخوان المسلمون، وعملوا له، والزموا أنفسهم به، ودعوا الناس إليه، يقول الإمام البنا -عليه الرضوان- من خمسين سنة واضعاً النقط فوق الحروف بصراحة تامة:

أيها المسلمون:

«اذكروا أن الدنيا لن تصغي لكم، ولن تستمع منكم، ولن تجيبكم إلى ما تطلبون إليها، إلا إن كنتم أنتم نماذج صالحة للتمسك بما تدعون الناس إليه، والعمل بهذا المنهاج الكريم القويم كتاب الله الذي: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ (فصلت:42)، وكنتم مع هذَا يدَاً واحدةَ، وَقلباً وأحداً، واتجاها واحداً، لأن الإسلام وحدة وتوحيد، ولا شيء بعد هذا، إن الوحدة واجتماع الكلمة وائتلاف القلوب هي لب الإسلام ولا شك، والأمة الإسلامية امة واحدة بحكم أخوة الإسلام: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران:١٠٣)، وقول الرسول: «... ولن تؤمنوا حتى تحابوا».

ثم يقول الإمام البنا: «وإن الإخوان المسلمين ليعملون بهذا ولهذا، وإنهم ليأخذون أنفسهم به أخذاً شديداً، وإنهم ليهيبون بالأمة الإسلامية كلها أن تكون كذلك، حتى يصلوا إلى ما يبتغون من إعزاز الإسلام، وإعلاء لتعاليمه، وجمع لكلمة المؤمنين به، والعاقبة للمتقين،.

الرابط المختصر :