العنوان رأي المجتمع محاكمة مجرمي الحرب الروس... ضرورة إنسانية وقانونية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 07-مارس-2000
تواصل القوات الروسية المعتدية أعمالها الإجرامية في الشيشان، وتتكشف يومًا بعد يوم صور تلك الفظائع المخزية المتجردة من بقايا أي ضمير إنساني أو أخلاقيات عرفتها البشرية طوال تاريخها.. ولنعط نموذجًا حيًا على الدرك السحيق الذي يمكن أن تنحط إليه السلوكيات البشرية إذا لم تقيدها المبادئ والقيم والأخلاق التي أنزلها الله لتحكم معاملات البشر فيما بينهم، ثم تخلى عنها الإنسان مفسحًا الطريق لسلوك الغاب وحياة الوحوش الكواسر.
لقد رأى الناس بأعينهم كيف يتم سحل جثث المجاهدين الشيشان خلف الدبابات، وكيف يتم إلقاء الجثث في حفر جماعية دون أدنى احترام لكرامة الإنسان أو خشوع أمام الموت أو تذكر للموت والبلى الذي هو مصير كل حي.
إن هؤلاء الراحلين من أهل الشيشان نحسبهم من الشهداء -ولا نزكي على الله أحدًا- ونسأل الله أن يكونوا في الجنة بعد أن قدموا أرواحهم فداء قضيتهم الإسلامية العادلة، وبعد أن حققوا النصر المؤمل في مثل حالتهم.. نعم لقد حقق هؤلاء النصر بصمودهم المشرف أمام هذا الجيش الجرار المعتدي، لقد صمد عدد من المجاهدين لا يتجاوز بضعة آلاف لا يملكون سوى القليل من السلاح والعتاد في مقابل جيش مقداره ربع مليون جندي مسلح بأحدث الأسلحة، ومع ذلك فقد أتخن تلك الجيش بالجراح، وواجه مقتلة لم يجرب مثلها إلا على أيدي المجاهدين الأفغان من قبل الذين اضطروه إلى الانسحاب صاغرًا من بلادهم، ثم توالت على المعتدين النكبات من جراء عدوانهم ذاك حتى انهارت دولتهم الشيوعية.
نقول: إن هؤلاء المجاهدين أدوا الواجب عليهم، في وقت تخلى عنهم النصير، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الإعلامي، ولكن ماذا عن أولئك المجرمين الذين ارتكبوا تلك المذابح الفظيعة!
إن قادة العدوان الروسي على الشيشان بدءًا من الرئيس السابق بوريس يلتسين والرئيس الحالي بالإنابة فلاديمير بوتين الذي جعل من جماجم الشيشان قربانًا لاعتلائه عرش القيصر وجنرالات الجيش والجنود والضباط الذين تورطوا في ارتكاب المذابح بإصرار، ينبغي أن يقدموا للمحاكمة باعتبارهم من مجرمي الحرب، وحين نطالب بمحاكمة دولية لمجرمي الحرب الروس، فإننا لا نقصد بالتأكيد محكمة على شاكلة تلك المحكمة الهزلية التي عقدت في أعقاب مذابح البوسنة والتي فشلت حتى اليوم في القبض على مجرمي الحرب من الصرب والكروات والتي تحولت إلى محكمة سياسية غرضها الموازنة والمواءمة في عمليات المحاكمة بين الأطراف الثلاثة في الحرب وإدانة أطراف منهم بصرف النظر عن الطرف المعتدي والطرف المعتدى عليه إن المحاكمة العادلة تستدعي وجود قضاة عدول يكون للطرف الإسلامي رأي فيها، وتطبق فيها قواعد الإسلام في السلم والحرب والتي أقر بعض الهيئات الدولية بأنها تمثل قواعد العدل والنزاهة عند التقاضي.
ولابد أن تفتح تلك المحاكمة الملفات السرية للحرب الروسية على الشيشان من الذي أشعل فتيلها، ومن كان وراء انفجارات موسكو التي افتعلها الروس ذريعة للتدخل في الشيشان، ومن الذي حركها، ومن الذي مولها وقد صدرت في هذا الشأن اتهامات صريحة من كثير من المحللين في موسكو الذين اتهموا عائلة يلتسين ورفاقه بتدبير الانفجارات للتغطية على فسادهم، وقد أكد هذا المعنى أيضًا ألكسندر ليبيد -المستشار السابق للأمن القومي الروسي- والملياردير جورج سوروس الذي اتهم الملياردير اليهودي الروسي بوريس بيريزوفسكي بأنه ضالع في عملية التفجيرات.
إن مبررات الاتهام واضحة جلية.. فقد تجردت السلطات الروسية بما في ذلك أعلى المسؤولين فيها من كل مسؤولية أخلاقية أو قانونية تجاه الشيشان... الذين يعترف لهم الدستور الروسي بوضعية جمهورية حكم ذاتي.. ولو سلمنا جدلًا بأن الشيشان مواطنون روس، فإن المذابح التي جرت ولا تزال تجري وانتهاك أعراض العفيفات المسلمات تكفي لاتهام الروس بالسعي لإبادة هؤلاء أو تعريضهم للخطر لأسباب دينية وعرقية واضحة، فيما أن كل دولة مطالبة بحماية مواطنيها والذود عنهم، وعدم تعريض حياتهم للخطر، وقد استدعت حالات أخرى أقل خطورة التدخل الدولي، وممارسة الضغوط على الحكومات الجائرة لحملها على احترام حقوق الإنسان فيها، فاين ذلك من الشيشان وأين مواقف الغرب الذي اكتفى بالتصريحات والتنديدات دونما فعل جدي؟
وإلى جانب ما نطالب به من محاكمة دولية لمجرمي الحرب في الشيشان، فإننا نطالب الحكومات العربية والإسلامية بالشروع في اتخاذ مواقف منفردة أو مجتمعة تجاه الحكومة الروسية ومنها:
- سحب البعثات الدبلوماسية والقنصلية المعتمدة في موسكو.
- الطلب إلى البعثات الدبلوماسية والقنصلية وغيرها من ممثلي الحكومة الروسية مغادرة البلاد.
- إعلان المقاطعة الاقتصادية ضد البضائع والمنتجات الروسية.
- وقف مختلف أشكال التعاون مع الجهات الروسية.
- الإسناد الإعلامي لقضية الشيشان بما يكشف جرائم الروس ويضع حقيقة المشكلة وجذورها التاريخية أمام ناظري الشعوب العربية والإسلامية.
إن أهمية الإعلام تزداد يومًا بعد يوم في ساحات المعارك حتى إن بعض الباحثين صنفوا عناصر الحرب فقسموها إلى نوعين: القوة الناعمة المتمثلة في الثقافة والإعلام وحرب المعلومات، والقوة الصلبة المتمثلة في أدوات القتل والتدمير والتجويع.
وبين القوتين علاقة طردية، فكلما نمت إحداهما تطورت الأخرى والعكس بالعكس، وقد لمسنا كيف أن شريط الفيديو الذي بثته إحدى المحطات المتلفزة أحدث ثورة في العالم وتلته صيحات استنكار من أكثر من جانب على الرغم من أن ما صوره الشريط لا يمثل إلا جانبًا صغيرًا من الفظائع التي جرت وتجرى ضد المسلمين في الشيشان لقد أصبح الإعلام جزءًا من آلة الحرب ومن ثم ينبغي أن يعامل باعتباره كتيبة محاربة.
إن ما يحدث في الشيشان هو ميدان اختبار لإرادة الأمة العربية الإسلامية، فإذا نجحت في الاختبار ستكون تلك نقطة يتوقف عندها مسلسل الهبوط ثم تأخذ الأمة طريقها إلى العلياء -إن شاء الله- أما إذا فشلت الأمة في الاختبار فلن ينفعنا أن نقول ماذا نقدم للشيشان؟، بل سيكون السؤال على من يحل الدور بعد الشيشان؟، وسيعرف المتقاعسون -ولكن بعد فوات الأوان- أنهم أكلوا يوم أكلت الشيشان، ولا شك أن الشعوب لا ترضى بمواقف حكوماتها المتقاعسة.
نسأل الله تعالى أن يجنب الأمة العربية والإسلامية مثل هذا المصير، وأن يجمع كلمتها على الحق، وما يحقق لها القوة والمنعة، وأن يحفظ أرض الشيشان ودماء أبنائها وأعراضهم، إنه سميع مجيب.