; لفلسطين.. رب يحميها | مجلة المجتمع

العنوان لفلسطين.. رب يحميها

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 70

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 9

السبت 13-سبتمبر-2003

بعد العملية الإجرامية الفاشلة لاغتيال شيخ الانتفاضة الفلسطينية وزعيمها أحمد ياسين، دخلت القضية الفلسطينية في واحد من أخطر فصول الصراع مع العدو الصهيوني، ويزيد من خطورته تلك التطورات المتلاحقة التي تسارعت على الساحة وتصب كلها في التمكين للمشروع الصهيوني دون منازع على أرض فلسطين. والمراقب لما يجري، يجد نفسه أمام مشهد عام متفجر بدماء الاغتيالات وملبد بسحب الخلافات القائمة بين فرقاء السلطة الفلسطينية، وحافل بالتدخل الدولي المنحاز والداعم للطرف الصهيوني، الأمر الذي يدعونا إلى التوقف أمام مفردات ذلك المشهد لبيان أخطاره:

أولًا: هذه الحرب الدموية الشاملة التي يشنها شارون على الشعب الفلسطيني دون مراعاة لأي عهود دولية أو مواثيق لحقوق الإنسان، والتي يروح ضحيتها أطفال ونساء ومدنيون أبرياء بعد أن تحولت المدن والأحياء إلى دمار وخراب على رؤوس أهلها، تترافق مع حرب ذات طبيعة خاصة لتصفية قادة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، والتي بلغت ذروتها بمحاولة اغتيال الشيخ أحمد ياسين دون مراعاة لسنه أو وضعه الصحي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تيار المقاومة منذ ظهوره الأول على أرض فلسطين بثورة الشهيد عز الدين القسام في ٢ نوفمبر عام ١٩٣٥ وهو يمثل عامل الرعب الذي يقض مضاجع المحتل الصهيوني، وتحتل خطط وتدابير القضاء عليه قمة المخططات الصهيونية الغربية، ولكن دون جدوى؛ فمع كل جملة من حملات التصفية تزداد المقاومة رسوخًا وانتشارًا وقوة وتهديدًا للمشروع الصهيوني بالزوال.

 ومنذ ظهورها على الساحة الفلسطينية عام ١٩٨٧ تعرضت حماس إلى أكثر من حملة شرسة بهدف القضاء عليها، وقد توالت تلك الحملات من منتصف عام ۱۹۸۹ حتى اليوم اعتقل خلالها الآلاف من كوادرها والعشرات من قياداتها، وأبعد المئات من قياداتها عام 1990 إلى منطقة مرج الزهور اللبنانية، واستشهد المئات من أبنائها وقياداتها، ولكن النتيجة كانت عكسية؛ إذ ازدادت الحركة قوة.

ثانيًا: على خط متواز مع الحملة الإرهابية الدائرة ضد قادة حماس تفجرت الخلافات داخل السلطة الفلسطينية وانشطرت «السلطة» إلى فرق، كل فريق يسعى إلى فرض توجهه، وكانت النتيجة استقالة حكومة محمود عباس وتكليف رئيس وزراء جديد، بينما الخلافات ما زالت متواصلة. وقد وفرت تلك الخلافات غطاء إعلاميًّا جيدًا ومواتيًا لتكثيف شارون من حملته ضد قادة حماس ومحاولة اغتيال قائدها وزعيمها أحمد ياسين.. فالسلطة منهمكة في صراعاتها على مواقع ومناصب لا وجود لها على أرض الواقع، بينما شارون منهمك في تصفية الشعب الفلسطيني! والأخطر في خلافات السلطة أنها كشفت عن جناح موالٍ للكيان الصهيوني، وهو الجناح الذي تتمسك به تل أبيب على رأس السلطة ولا ترضى به بديلًا في التفاوض، لا لأنه جناح جانح إلى السلم كما يدعون، وإنما هو الجناح المطلوب ليسلم بالمطالب الصهيونية.

 ثالثًا: وبينما خلافات «السلطة» تتصاعد وحملة شارون ضد قيادات حماس تزداد ضراوة، يأتي الموقف الأوروبي الراضخ للضغوط الأمريكية بإدراج حماس على لائحة المنظمات الإرهابية دون تبرير، ليتحالف الموقف الأوروبي والأمريكي مع الحملة الصهيونية وليشكل الغرب الاستعماري جبهة واحدة ضد أصحاب الحق الذين يكافحون لاسترداد وطنهم السليب، وهو موقف يكشف عوار الشعارات الغربية عن حرية الشعوب واستقلال أوطانها والتي تمجد القانون والشرعية الدولية وتطنطن بمواثيق حقوق الإنسان.

ولا شك أن سقوط تلك الشعارات في مستنقع دعم المشروع الصهيوني يضرب مصداقية الغرب كله في مقتل. وقد استفزت هذه المواقف الخبراء والمحللين والسياسين والرأي العام في الغرب ذاته. فهذا ستيفن هيس الخبير في شؤون الرئاسة الأمريكية بمعهد بروكينجز بواشنطن يقول صراحة: «لا أستطيع أن أفكر بأي شخص دون ريتشارد نيكسون يمكن أن يكون صديقًا وحليفًا قويًّا لـ «إسرائيل» بهذا القدر سوى بوش، هناك حبل سري في الطريق الذي يصل به إلى إسرائيل».

 ويقول الكاتب الأمريكي وليام هيوز: «عندما أرى على شاشة التلفاز الأب الواعظ بات روبرتسون وهو يحاول إقناع الناس بتأييد إسرائيل، بما في ذلك تأييد أعمالها الشريرة التي ترتكبها سرايا الإعدام الإسرائيلية سيئة الصيت، أو عندما أتأمل الصمت المتواصل الذي يمارسه «السيد الوسيط الأخلاقي» إزاء تلك الأعمال الشريرة ذاتها يستولى علي العجب». «لقد فات الأوان كثيرًا على وجود مراقب لحقوقنا الدستورية يتحدى المعونات الأمريكية الإسرائيل ويقول إنها ليست شرعية».

ويؤكد رالف شوينمان في كتابه «التاريخ السري للصهيونية» قائلًا: «إن الهدف الصريح والمعترف به للحركة الصهيونية ليس مجرد استغلال الشعب الفلسطيني، بل هو تشتيتهم وتجريدهم من أملاكهم».  هكذا يبدو المشهد العام على أرض فلسطين، وما يزيده قتامة أن ذلك الموقف العربي الإسلامي المؤلم الصامت عما يجرى وذلك الغياب المريب عن الساحة يأتي في الوقت الذي تحتاج فيه فلسطين إلى جهد ووقت ودعم كل عربي ومسلم، وذلك موقف لن يمر دون حساب من الله سبحانه وتعالى: 

﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (المطففين:6). ولئن ظن الصامتون والمتخاذلون أن فلسطين صارت وحدها في الميدان أمام جبروت الاستعمار بكل أشكاله، فإننا نؤكد أن لفلسطين ربًّا يحميها وربًّا يسخر جنده لتحريرها ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (المدثر: ۳۱)، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ (الروم:4) صدق الله العظيم.

الرابط المختصر :