العنوان رأي المجتمع: الحج دروس وعبر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-2000
مشاهدات 82
نشر في العدد 1392
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 14-مارس-2000
يجتمع حجاج بيت الله الحرام في الأراضي المقدسة لأداء مناسك الحج في مشهد إيماني تخشع له القلوب، طالبين عفو ربهم، وراجين مغفرته، نداؤهم واحد، لبيك اللهم لبيك، ودعاؤهم واحد، وأملهم واحد هو مرضاة الله -سبحانه وتعالى-، هذا المشهد الإيماني يتوقف المرء أمامه في خشوع متأملًا معانيه، ومستذكرًا الدروس والعظات.
فالحج مؤتمر إسلامي كبير تلتقي فيه الشعوب الإسلامية من شتى بقاع الأرض، مؤتمر وفدت إليه ملايين المؤمنين استجابة لأوامر الله -سبحانه وتعالى- منذ أمر أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام-: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (سورة الأنعام: ۲۸).
هذا المؤتمر العظيم يظل مناسبة طيبة لتلاقي المسلمين من أقصى الأرض إلى أقصاها ليتعارف بعضهم إلى بعض، وليتبادلوا الأفكار والآراء حول قضاياهم المصيرية والتحديات التي تواجههم والمؤامرات التي تحاك ضدهم
ومن هنا فإنه من الضروري ألا تمر مثل هذه المناسبة العظيمة دون التفكير والعمل الجاد فيما يجري على الأرض الإسلامية، وما يحدث للشعوب المسلمة المضطهدة في مناطق عديدة من العالم، والتي تتطلع -وكلها أمل- في تجمع عظيم كهذا لنصرة قضاياها، ومساعداتها في مواجهة الظلم والعنت الواقع عليها.
فهناك على أرض فلسطين مازال العدو الصهيوني يواصل عربدته ضد الشعب الفلسطيني المسلم، ويواصل تهويده للأراضي والمقدسات الإسلامية، ويواصل خططه الخبيثة لالتهام القدس وتدمير المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وسط تأييد غربي وانخداع عربي بسراب السلام.
وهناك على أرض الشيشان يواصل الجيش الروسي حملته الوحشية، يسفك الدماء، ويقتل الأبرياء، وينتهك الأعراض بعد أن خرب الديار، وعاث في الأرض فسادًا، وهناك في كوسوفا والبوسنة وكشمير والفلبين وأراكان وإريتريا وغيرها يواجه المسلمون فيها حربًا شعواء من قوى الباطل للقضاء على كيانهم، وإنهاء وجودهم.
وهناك في السودان ما زالت مخططات القوى الصليبية الغربية قائمة لفصل جنوبه عن شماله؛ بغية تفتيته، وطمس هويته الإسلامية، وعلى الصعيد العام فإنه ليس خافيًا ما تواجهه الأمة الإسلامية من مؤامرات غربية وصهيونية لسلخها من دينها وعقيدتها وتذويب هويتها، وإبعادها عن القيم والأخلاق النبيلة، وبث قيم التغريب والتحلل والإباحية بين أبنائها.
كل تلك تحديات تواجه الأمة الإسلامية، ويستشعرها حجاج بيت الله الحرام، ويحملون همومها في لقاءاتهم وحواراتهم بمؤتمرهم الإسلامي الكبير، ومن هنا أصبح واجبًا على حجاج بيت الله الحرام ألا يخرجوا من مؤتمرهم هذا إلا وقد حملوا معهم مواقف موحدة لنصرة قضاياهم إلى حكوماتهم لحملها على تبنيها وتعضيدها بلا مبالاة بضغوط القوى الاستعمارية التي لا تتوقف عن حربها ضد المسلمين.
إن الحج إلى بيت الله الحرام يمثل توبة من المسلم عن الذنوب، وأوبة إلى الله غفار الذنوب، وانقيادًا لأوامره، وهو مناسبة لنصرة قضايا المسلمين والدفاع عنها، فهذه من أولى الأولويات ومن المنافع التي نصت عليها الآية القرآنية الكريمة: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (سورة الحج: ۲۸).
إن الدرس الذي يجب أن تتذكره الأمة حكامًا ومحكومين في هذه المناسبة الجليلة هو ضرورة العودة الصادقة إلى الله -سبحانه وتعالى- والانقياد لأوامره بتطبيق شرعه وتنفيذ حكمه، وبذلك تتحقق السعادة والسيادة في الدنيا والفوز في الآخرة.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبل حج الحجيج، وأن يجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وعملهم متقبلًا.