العنوان رأي المجتمع: احقنوا دماء المسلمين.. وفوتوا الفرصة على المتربصين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1318
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
بلغ التوتر أوجه على الحدود الأفغانية - الإيرانية، وأعلنت إيران عن حشد أكثر من ربع مليون جندي من الجيش والحرس الثوري تدعمهم ١٢٠٠ دبابة، ومائة طائرة حربية، وأعلن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وضع القوات المسلحة الإيرانية «٥٠٠ ألف جندي» في حالة تأهب، كما حشدت حركة طالبان بالمقابل قواتها على الطرف الآخر من الحدود، وبات العالم يترقب اللحظة التي ستندلع فيها شرارة المواجهة بين طرفين يرفع كل منهما شعارات الإسلام والدولة الإسلامية.
ومن الواضح أن الأزمة بين الطرفين لها جذور عميقة منذ وصول حركة طالبان إلى الحكم في كابل، ولكنها استمدت حدتها وسخونتها منذ تمكنت قوات طالبان من دخول مدينة مزار شريف في الشمال الأفغاني، وفي وسط الفوضى التي تضرب أطنابها في البلاد، وبخاصة أنه مع عملية اجتياح المدينة اختفى عدد من الدبلوماسيين الإيرانيين هناك، ثم أعلنت طالبان العثور عليهم قتلى.
وإذا كانت احتمالات الحرب الشاملة مازالت بعيدة في الوقت الراهن، حيث كلا الطرفين غير مؤهل لها وغير راغب فيها فإن المخاطر الأخرى الناجمة عن ذلك التوتر ليست هيئة، وهي تمثل جرحًا عميقًا جديدًا في الجسد الإسلامي الذي أثخنته الجراح.
وأحد السيناريوهات المتوقعة أن تلجأ إيران إلى ضرب مواقع طالبان بهدف تشتيت قواتها، ومنح قوات المعارضة فرصة للتجمع من جديد، والاستعداد لرحلة الكر والفر التي لا تنتهي بين الأطراف المتصارعة في أفغانستان، الأمر الذي يعني إطالة أمد الصراع، وتوسيع نطاقه.
ولكن تدخل إيران يحمل أخطار تدخل باكستاني مماثل.
وتدخل باكستان قد يعني تدخل الهند في الجانب الآخر.
وتدخل الهند قد يعني تدخل الصين.
وهكذا تتسع دائرة الصراع، ويشتعل أوار الحرب في بلاد المسلمين، وربما تدخلت أطراف أخرى من خارج الإقليم يسعدها تدمير الجانبين واستنزاف طاقاتهما.
وإذا كانت إيران تتهم طالبان وباكستان بالعمل لحساب شركات النفط الأمريكية، فهل أمنت إيران ألا تتدخل أمريكا؟ ألا يهدد التدخل الخارجي أمن الجانبين أكثر مما يهدده الخلاف القائم بينهما؟ أليس التعايش في ظل الخلاف أفضل من تصعيد الأزمة لمدى غير محسوب؟ إن هناك من يتربص بالنظامين في طهران وكابل، ويرى في كل منهما نظامًا «أصوليًا متطرفًا» ومن المؤسف أن الأعداء لا يفرقون في حربهم بين سني وشيعي، ولكنهم يتخذون من اختلاف المذاهب مدخلًا لإشاعة الفرقة والضغينة بين الطرفين.
إن الأزمة تثير في أحد جوانبها خطر الصراع المذهبي البغيض، وهو أمر لم يعد خافيًا، فالموقف كان يزداد سوءًا كلما ازداد اقتراب قوات طالبان من مواقع الهزارة الشيعة في مزار شريف، ثم في باميان، وتحدثت التقارير عن مساعدات إيرانية ضخمة أرسلت لحزب الوحدة الشيعي، في محاولة لوقف تقدم طالبان.
ومع فشل هذه المحاولات في وقف طالبان كانت الأزمة تزداد اشتعالًا.
وفي المقابل فقد ذكرت تقارير أخرى أن مذابح وقعت بين الشيعة في المناطق التي استولت عليها طالبان وإن نفت الحركة ذلك.
ومن واجب طالبان في مثل هذه الحالة أن تؤمن أهالي المنطقة التي تدخلها على حياتهم، وأرواحهم، وأموالهم، وأعراضهم.
لقد اتخذت إيران حادث مقتل الدبلوماسيين منطلقًا لإشعال الأزمة مع طالبان.
وفي الحقيقة فإنه من الصعب فهم قول مرشد الثورة الإيرانية أن خطرًا كبيرًا واسع النطاق يحدق بالمنطقة، أو قول رئيس الجمهورية محمد خاتمي: «إننا سندافع بكل ما نملك من قدرة عن سلامة وشرف النظام المقدس في الجمهورية الإسلامية».
أو إعلان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن تحتفظ لنفسها بحق اتخاذ كل الإجراءات الملائمة للمحافظة على مصالحها الوطنية وأمن المنطقة.
فطالبان لم تعلن الحرب على إيران، ومقتل الدبلوماسيين يمكن أن نجد تفسيره. لا تبريره- في حالة الفوضى التي صاحبت اجتياح مدينة مزار شريف، وسقوطها المفاجئ، ولم يكن الدبلوماسيون الإيرانيون وحدهم ضحايا القتال البغيض في أفغانستان، فقد قتل عشرات الآلاف غيرهم من السنة، ومن عرقية البشتون ذاتها التي تسيطر على طالبان، وقد أعلنت طالبان أن جنودًا تصرفوا بدون أوامر مسبقة قتلوا الدبلوماسيين، ووصفتهم بأنهم مارقون، ثم إن أمن المنطقة ليس مسؤولية إيران وحدها، ولكنه مسؤولية مشتركة بين دول المنطقة، وقد دعت طالبان إلى مفاوضات تحكمها مبادئ الأمم المتحدة، وأعرب زعيمها الملا محمد عمر عن استعداده لقبول الوساطة في الأزمة، وهي مبادرة نأمل أن تجد قبولاً لدى الطرف الإيراني حتى لا يقع الطرفان في شرك مواجهة لن يجني ثمارها سوى أعداء الأمة الإسلامية.
إننا نطالب حكومة طهران ونظام كابل الالتزام بتعاليم الإسلام الذي يرفع كلاهما شعاراته، وقد كفل الإسلام حل مثل تلك المشكلات مهما عظمت أو تفاقمت، وأن يلجأ الطرفان إلى الحوار الذي لم يجرباه بينهما حتى الآن، كما نطالب الدول الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بالسعي الحثيث لإصلاح ذات البين، وحل النزاع في إطار من الأخوة والمبادئ الإسلامية، وليوجه الجميع طاقاته وقدراته لمواجهة أعداء الأمة، وتفويت الفرصة على الدول المعادية للإسلام والمسلمين، والتي تتربص بهم الدوائر، وتسعى للوقيعة بين الطرفين لاستنزاف الطاقات وهدر الأموال وقتل الأنفس، وتدمير البلدان، كما حدث في الحرب العراقية – الإيرانية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل