العنوان ذكرى مولدك يا رسول الله ... و ما آلت إليه الأمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1258
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 15-يوليو-1997
تهل علينا ذكرى مولد الرسول الأكرم محمد ﷺ، فنجدها فرصة لتجدد القلوب عهدها، والعزائم مضيها، ولنوجه التحية إلى خير المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين. سلاماً يا علم الهدى ومنقذ الإنسانية ومرشدها وهاديها بإذن الله إلى الطريق المستقيم. سلاماً على القدوة الحسنة والمثل الأعلى، رؤوف الأمة، ورحيم المسلمين وحكيمهم.
سلاماً يا هدية السماء إلى الأرض، وحامل وصايا الأنبياء، ومتمم مكارم الأخلاق. هديتنا إلى الطريق المستقيم بإذن الله، وفتحت قلوباً غلفاً، وأنرت عيوناً عمياً، وعلمتنا الوحي المبين، جمعت فرقتنا، وأحسنت قيادتنا، وأظهرت أمننا، وأبلغتنا الشرع الحكيم.
سلاماً يا منصف المظلومين ورائد المجاهدين وناصر الحق المبين. سلاماً يا من بُعثت رحمة للعالمين، بُعثت لإخراج خير أمة، فربيت أكرم فتية وقومت أفضل جيل. بشرت به الكتب قبل وجوده، وعرفته قبل ظهوره، ووصفته للزمان قبل مجيئه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، (الحجرات: 29)، وبهذا بُنيت أمة الإسلام على صرح من الإيمان مكين، وعلى عز من الرجال قويم، وعلى قيادة لا تعرف الوهن ولا المستحيل في تحقيق أمر الله. فكان الصدق والوفاء بالعهود، وكانت التضحية والثبات وبذل الأرواح: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. ) الأحزاب: 23(
تأتي الذكرى فتثير في النفوس ما تثير من أشجان، وتهيج ما تهيج من لواعج الأحزان، وتثور التساؤلات الحائرة: أين الرجال؟ وأين الأمة؟ وأين العزائم حتى حسبنا الأعداء غثاءً يمكن إزالته وكلاً ينبغي التخلص منه، ووهماً تكشفه الحقائق، ومخلوقات فقدت الحكمة من وجودها، وضاع منها الطريق.
فقد احتلت ديار الأمة، وانتزعت أرضها من تحت أقدامها، ولكنها تأبى إلا أن تسترجعها بالمهادنة لا بالمقاومة، وبالتسول لا بالجهاد.... انتهبت المقدسات واغتصب مسرى رسول الله ﷺ، ومع ذلك فالأمة ترضى بالاحتجاج، وتقاوم بالخصام أمة صنع الصغار فيها من النصر ما لم تستطعه الجيوش في حروب طاحنة.. أمة يبلغ تعدادها المليار ونصف المليار نسمة، ولا تستطيع أن تحفظ أعراضها أو تصون كرامتها، أو تحمي مقدساتها، وما ذلك إلا لأنها بعدت عن طريق الله، وتنكبت لكتابه وسنة نبيه ﷺ، فتفرقت كلمتها وضاعت هيبتها.
ونظرة على الواقع الأليم تكشف لنا كم بعدت الشقة بيننا وبين شريعتنا، فهذه مناهجنا في تربية أبنائنا في معاهدنا ومدارسنا تُفرض علينا من وراء الحدود، ويتحكم فيها أعداء الإسلام كما يشاؤون، وهذا إعلامنا يهتم بإثارة الغرائز وتشجيع الفتنة، ونقل تفاهات الغرب ومجونه. أعلى الفيلم الخليع، والأغنية الساقطة، والرقصة الماجنة تُربي أمة محمد ﷺ؟
إلى الله نشكو ما نلاقيه من انصراف وبعد عن كتاب الله وسنة نبيه المصطفى ﷺ، القائل: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي».
تحل الذكرى واليهود أعداء الإسلام الذين ناصبوا المصطفى ﷺ العداء يعيثون في الأرض فساداً، فكتاب الله الكريم تُنتهك قدسيته، وتُمزق صفحاته في مدينة خليل الرحمن المحتلة، والأيدي النجسة ترسم صوراً فاجرة تحاول بها أن تنال من شخص نبي الأمة وكتابها الكريم، وأنى لها ذلك؟
إن بالونات الاختبار التي تُطلق اليوم تهدف إلى قياس حمية الأمة، ومعرفة قوتها العقدية والدينية وتعويد الأمة على ما يوجه إليها من إهانات حتى إذا انتزع الأقصى وأغير على بقية المقدسات يكون الأمر قد هيئ له وتكون النفوس قد فترت فتتقبله، وسياتي من ذلك الكثير الأشد هولاً كما عودنا اليهود ومن ورائهم الاستعمار، ولن يرد هذا ويحفظ الأمة إلا رجعة صادقة إلى الله والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه والعمل بما يرسخ قيم الإسلام ويظهر هوية الأمة، ويربي شبابها لنقضي على الجريمة والفتنة بشتى صورهما.
في هذه الذكرى، وإن كانت في النفوس لوعة وحسرة، فإننا نحمل من الأمل الكثير، ونرى بشائر الإصباح من وراء الأفق، ونبتهل إلى الله العزيز أن يصحح ولاة الأمور المسار لتربية جيل يحمل لواء الإسلام ويقود الأمة إلى عزها وسؤددها. ونقول على العهد بصبر عظيم، وعزم متين، وسلام عليك يا سيد المرسلين في الأولين والآخرين.