; ذكريات عشتها ولم اكتبها من قبل (۸).. ذكريات قرية الخيوة | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات عشتها ولم اكتبها من قبل (۸).. ذكريات قرية الخيوة

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2012

مشاهدات 115

نشر في العدد 2003

نشر في الصفحة 44

السبت 19-مايو-2012

  • «آل الحديدي قميحة» تركوا منيا القمح وأسسوا قرية الإخوة ومن باب التسهيل سميت الإخيوة ثم استقر الوضع على الخيوة

يقولون إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصًا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صفر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزًا من الزمن. وفي هذه الحلقات يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سيعون عامًا، وربما أكثر من ذلك، وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق أو إسراف.

آل قميحة، يرجع أصلهم إلى«جهينة» في أرض العرب، ونزلوا أرضا في مصر سميت منيا قميحة» التي تسمى الآن «منيا القمح»، وكان منهم فصيل من ١١ أخًا، هم: آل الحديدي قميحة... تركوا منيا قميحة أو منيا القمح، وأسسوا قرية تابعة أيضًا لمحافظة الشرقية، وبنوا مساكن ومحال في هذه القرية التي كانت تسمى قرية «الإخوة»، والإخوة هم آل الحديدي قميحة، ومن باب التسهيل سميت قرية «الإخيوة، ثم استقر الوضع على قرية «الخيوة».

هذا ما سمعته من أبي نقلاً عن أبيه الذي نقل عن جده.. إلخ، والله هو العليم بالواقع.

  • زفاف أختي أمينة

وفي سنة ١٩٤٠م زارنا عمي «محمد» - وهو واحد من أسرة الحديدي - وخطب أختي لأمي «أمينة» لابنه «محمد»، وتم الزفاف في المنزلة، وذهبت أسرتنا بالعروس إلى الخيوة»، أذكر أننا وقفت بنا السيارة الكبيرة في مدينة الحسينية»، وكان عدد كبير من الحمير ينتظر العروسة وأهلها، والسبب أن الطريق لا يسمح بمرور سيارة، وهناك في القرية استقبلت العروس استقبالاً طيبًا، حتى أن حماتها - واسمها «بطة» - أغمي عليها من شدة الفرح.

كانت أسرة الحديدي هي الأكثر عدداً، يليها أسرة «أبو خليل»، كانت بيوت آل الحديدي، مبنية بالطوب اللبن والرمل، ولكنها تتسم بالاتساع، وكانت القرية كلها تشرب من بئر واحدة ماؤها أصفر اللون؛ لأنه لم يكن بها مرافق بمفهومنا الحالي، وعادت الأسرة إلى المنزلة وتركوني في كنف أختي العروس وأعمامي من «آل الحديدي».

سيدي «أبو الليل» وفي القرية كان هناك مقام الضريح يسمى «مقام سيدي أبو الليل»، ويعيش فيه شيخ غريب الأطوار اسمه الشيخ «محمد»، لا يدري الناس ما أصله وما نسبه، وكان يرتدي ملابس مرقعة ذات ألوان متعددة، ويضع في عنقه عشر مسابح أو تزيد، ويقال: «إنه رجل مبروك».

ولاحظت أن هذا الرجل لا يصلي بل هو مقيم في مقام سيدي «أبو الليل» وأهل القرية يمدونه بالطعام والشراب وذات يوم قلت لعمي «محمود»: «إنني لم أر الشيخ «محمد» يؤدي الصلاة ولا مرة فهجم عمي «محمود» ليخرس فمي بيده صارخا «اخرس.. حتودينا في داهية، حتخلي الشيخ «محمد» يغضب علينا، ويدعي علينا.. يعني نروح في ستين داهية»، وبعد أن التقط أنفاسه أردف قائلاً: «إنت عارف ده بيصلي فين؟! ده مرة الحاج أحمد أبو إسماعيل بيصلي في الروضة بجانب قبر رسول الله ، وانتهى من الصلاة وسلم يمينا، فلما سلم ذات اليسار رأى الشيخ «محمد» يصلي معه فصرخ الله .. الله.. الشيخ محمد ؟! فأشار إليه الشيخ «محمد» ووضع يده على فمه، يعني اسكت.. أرجوك.. لا تخبر بذلك أحدًا».

وهذا يعني أن الشيخ «محمد» من الممكن أن يخرج من شخصيته عدة نسخ تؤدي الصلاة في الأماكن التي تريدها، أما هو فباق في خدمة «سيدي أبو الليل»، ويشاء الله أن يحمل عمي «محمود» ابنه «سيد» الذي كان مصفر الوجه متورم البطن ليسأل الشيخ «محمد» هل ابنه «سيد» سيشفى ويزول عنه المرض أم لا؟ حضرت أنا هذا الموقف وسمعت الشيخ محمد» يقول: العلم عند الله، والشافي هو الله، لكن بعون الله أقدر أن أخبركم بالحقيقة دون كذب.. وكله من عند الله، وأمسك عودا طرياً من البوص طوله قرابة متر، وأخذ يثنيه ثنيات كل واحدة قرابة ٣ سم، ومع كل ثنية يقول عبارة، والثنية التي تليها يقول ضدها : فالثنية الأولى يقول معها السيد حيشفى والثانية يقول: السيد مش حيشفى، ويمضي في الثني حيشفى مش حيشفى، فإذا ما اقترب من نهاية العود ولفه، بحيث ينتهي بقوله حيشفى.

وتعلو أصوات الزغاريد مع أصوات الريالات الفضية، وأطباق اللحم، وبعد ثلاثة أيام علا الصراخ في بيت عمي محمود.... لقد مات السيد يرحمه الله، ولم أعلق بكلمة.

  • أمتع الأوقات

ومن عادة هذه القرية، أنهم في رمضان يدقون على طشوت الغسيل بصوت مرتفع لإيقاظ الناس للسحور وكانت أمتع الأوقات عندي أن تزاول انا وأبناء أعمامي لعب كرة القدم.. بكرة شراب وكذلك حينما نخرج للحقول وتجلس بعد المباراة تشوي بصلاً من الأرض الزراعية وكان لذيذ الطعم حينما يؤكل ساخنًا، كانت أيام طيبة، لا يفوقها طيبة إلا أهل هذه القرية الذين يعيشون على الفطرة بقلوب سليمة ظاهرة لم يفسدها حقد أو غل.

ولكن بعد قرابة أسبوعين أعادوني إلى المنزلة مسقط رأسي مريضًا بـ«التيفود» .. ولم تستسع أختي العيشة القاسية في القرية فطلقت من زوجها .. يرحمها الله .

الرابط المختصر :