العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (3) في المدرسة الابتدائية
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012
مشاهدات 67
نشر في العدد 1998
نشر في الصفحة 46
الجمعة 20-أبريل-2012
كان أساتذتي على مستوى طيب من العلم والإنسانية
كان المدرس الرسم المهدي قورة تأثير كبير في شحن نفسي بالحماسة لفلسطين فتمخضت عنها محاولاتي الشعرية الأولى
الأستاذ إبراهيم العزبي لي معه موقف.. فقد رأيت الرجل يحييني بابتسامة عريضة ويقول بصوت هادئ رخيم: مرحبا يا أخ جابر.. فمن اليوم لست أستاذك ولكنني أخوك في الإسلام
الأستاذ «شمس الدين المحلاوي»، كان لا يتحدث إلا بالعربية الفصحى السهلة.. جهوري الصوت جميل الوجه والسمت دمث الخلق
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر المهم أنه يشغل حيزا من الزمن.
وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سبعونعامًا، وربما أكثر من ذلك.
وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق أو إسراف اعتقد أبي أنه يكفيني ما حصلته في المرحلة الإلزامية، لأنني أصبحت على حد قوله قادرًا على «فك الخط»، ومسك حساباته ومعاملاته مع التجار، أكتب له ما يريد، وأقرأ ما يكتب إليه.
نزل على هذا الكلام كالصاعقة ولم ينقذ الموقف إلا أحد الحاضرين من أقاربي وهو محمد إبراهيم حسن قميحة، وكان موظفا في ديوان وزارة المعارف في المنزلة إذ قال بحماسة: ليه يا عمي؟ جابر صلاة النبي ﷺ - عقله نظيف، ولازم يكمل تعليمه... وما زال يوجه الكلام بأدب إلى والدي حتى أقنعه.
صحبني محمد قميحة في الصباح الباكر إلى المدرسة لحضور امتحان القبول بالصف الأول في اللغة العربية والحساب والحمد لله اجتزت الامتحانين بنجاح.
أساتذتي
أخذت مكاني في الفصل الأول الابتدائي وكان ملاصقًا لحجرة الناظر، وأحمد الله إذ كان أساتذتي الذين يقومون بالتدريس على مستوى طيب من العلم والإنسانية، ومنقبيل الوفاء أن أعرض صورة كل منهم:
1 - الأستاذ شمس الدين المحلاوي:
كان ضليعًا في اللغة العربية، ولا يتحدث إلا بالعربية الفصحى السهلة، وكان جهوريالصوت جميل الوجه والسمت دمت الخلق.
٢- الأستاذ رأفت الخريبي، وهومدرس حفاظة، جاد في تدريسه، وظهرت قدرته الإدارية، فكان الناظر يستعين به في كثير من الإداريات.
3- الأستاذ «طه الغوابي» كان أستاذًا بكل ما في هذه الكلمة من معنى هادئ الطبع هادئ الإلقاء، وكان من خيرة الإخوان المسلمين في المطرية، محافظة الدقهلية، وكانيدرس لنا مادة التربية الدينية.
4- الأستاذ عباس عاشور كانالمسؤول الأول والأخير عن فريق التمثيل في المدرسة، وقد اختارني واحدا من هذا الفريق.
ولقد حببني الرجل في فن التمثيل وخصوصًا بعد أن جعلني بطلًا لمسرحية طويلة من تأليفه وهي بالعربية الفصحى اسمها الصياد المحسود، وقد أعجب بها الجميع حتى إن بعض شعب الإخوان في المنطقة كانت تقيم احتفالات في بعض المناسبات الإسلامية المختلفة وتستدعينا لتقديم هذه المسرحية.
ه الأستاذ المهدي قورة.. مدرس الرسم، كان فنانًا بكل معنى الكلمة، وكان أنيقًا
رشيقًا في جسمه وكلامه وابتسامته التي لا تفارق وجهه، وكان من الإخوان المسلمين فكرًا وإن لم يكن منهم تنظيمًا.
ولا أنسى أنه كان يقول بحماسة إن إسرائيل ستهزم على يد الإخوان، وكان من الممكن أن تتحقق نبوءة الرجل لو لم تقف في وجه الإخوان الحكومات الظالمة التابعةللاستعمار الإنجليزي.
المحاولة الأولى
وكان للأستاذ المهدي تأثير كبير في شحن نفسي بالحماسة لفلسطين، فتمخضت
عنها محاولاتي الشعرية الأولى، وأكتفي بمثال واحد يتمثل في الأبيات الآتية.
وقد نظمتها ما بين عامي ١٩٤٧ و١٩٤٨م، وتعتبر من أول ما نظمت في حياتيوقد نشرها الأستاذ علي الغاياتي يرحمه الله
في صحيفته منبر الشرق.
فلسطين أمي وحق اليقين
وحق الشهيد غدًا تسمعين
غدًا تسمعين بأنا نسود
وأنا حصدنا فلول اليهود
غدا تسمعين بأنا نعود
حشودا قوارع تتلو حشود
كمثل المنايا كمثل الأسود
ندك الجبال وندمي الرعود
فلسطين مهد الهدى واليقين
وحق الشهيد غدًا تسمعين
غدًا تسمعين بأنا نسود
وأنا حصدنا فلول اليهود
6 - الأستاذ إبراهيم العربي: كان من الإخوان المؤمنين الصادقين المخلصين المتحمسين للدعوة وكان يدرس لنا اللغة الإنجليزية، وكان منهجه في التدريس منهجًا عمليًا تربويًا سليمًا، وهو الحرص على معايشة اللغة تدريجيًا، كنا في الصف الأول الابتدائي، ومع ذلك يطلب منا أن نتحدث باللغة الإنجليزية، بقدر ما تستطيع، وأخذتنا الهيبة أول الأمر، ولكننا تقدمنا تدريجيا بهذه الطريقة.
كنت قد بدأت الاشتراك في جمعية الإخوان المسلمين بالمنزلة وأنا في هذه السن ما بين العاشرة والثانية عشرة، وكان بائع الصحف يأتي كل يوم ليسلمه جريدة الإخوان المسلمون اليومية، وذات يوم قال له بائع الصحف: يا أستاذ إبراهيم نسخة لك.
ونسخة لجابر قميحة.
رأيت مظاهر السعادة والفرح على وجه الأستاذ إبراهيم، إذ اكتشف في أخًا مسلمًا جديداً، وكان يطلب منا نقل بعض العبارات من السبورة لتقويم خط التلاميذ. ويقصده التلاميذ واحدًا واحدًا لتقويم خطه، فلما جاء دوري رأيت الرجل يحييني بابتسامة عريضة، ويقول بصوت هادئ رحيم مرحبا يا اخ جابر.. فمن اليوم لست أستاذك ولكننيأخوك في الإسلام..
حدث جديد
وفي هذا المقام أذكر أن الأستاذ شمس المحلاوي، كان مسؤولًا عن جمعية الخطابة
بالمدرسة، وكنت أنا عضواً فيها، وكان يعلمنا طريقة الإلقاء السليم، وقد تمكنت بحمد الله في حضرته أن أخطب ارتجالا. وذات يوم وقع حدث جديد في حياتي
كان له في نفسي أثر مستقبلي عظيم.. فبعيد صلاة الجمعة دفعني الأستاذ محمد صقر إلى الكرسي العالي الذي يجلس عليه قارئ سورة الكهف قبل صلاة الجمعة، وقال لي بلهجة الأمر: اطلع بسرعة يا جابر اطلع بسرعة واخطب في الناس»، فلما ترددت قال: اطلع بالأمر واخطب في الناس، قل ما في ذهنك، وصعدت على الكرسي وليس في ذهني فكرة واحدة، فأخذت أمطط في المقدمة، وأقول بصوت جهوري: أيها المسلمون.. إلي إلى وبقلوبكم نحوي من كان يحب الله ورسوله فليأت إلي ويستمع ثم بدأت بالبسملة والصلاة على النبي. وقفز إلى عقلي حديث رسول الله ﷺ ونصه:
عن معاذ بن جبل علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن رحى الإسلام دائرة قدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، فإن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم» قالوا: وماذا نفعل یا رسول الله؟ قال : كما فعل بأصحاب عيسى بن مريم حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير، فوالذي نفسي بيده لموت في طاعة خير من حياة في معصية ... وأخذت أتحدث بحماسة في ظل هذا الحديث الذي كنا حفظناه في أسرتنا في جمعية الإخوان بالمنزلة. كنت قد بدأت الخطبة وأنا أحس بأنحرارتي ارتفعت، وأن أذني قد اشتعلتا، وأن وجهي لا أنف فيه، ولكني عدت إلى حالتي الطبيعية بعد أن تدفقت في الكلام.
وهنا التقى منهج الأستاذ شمس الدين المحلاوي في تعليمنا الخطابة بالمدرسة ومنهج الأخ الأستاذ «محمد قاسم»، وكنت أعتقد أنه مبتكر في هذا المنهج إلى أن اندمجت في الجماعة، وعرفت أن هذا هو المنهج العام. كتب أنيس منصور في «الأهرام» يوم السبت 26/2/1983م: أنا أقول لك: ما الذيخلفه الشيخ حسن البنا في شباب الأربعينيات. إنها قصة قديمة، ولكنها ليست قديمة جدًا ... ونحن طلبة صغار كان الواحد منا يستطيع بمنتهى الثبات والثقة بالنفس أن يذهب إلى أي مسجد، ويقترب من إمام المسجد، ويقول له: أنا فلان من جماعة الإخوان المسلمينوإذا بإمام المسجد يقول: تفضل يا بني.. فتح الله عليك.. اخطب وتقدم المصلين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل