العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (٦).. العيد في طفولتي
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 11-مايو-2012
مشاهدات 92
نشر في العدد 2001
نشر في الصفحة 46
الجمعة 11-مايو-2012
صباح يوم العيد نلبس الملابس الجديدة ويزورنا أقاربنا ويقدم لهم الكعك ويمنحني كل منهم «عيديتي» التي لا تجاوز عدة قروش
وقت الظهر أذهب أنا وأصدقاء الحارة إلى «سوق العيد».. وهي ساحة واسعة فيها ألعاب متعددة ومن أجملها ما يسمى بـ «صندوق الدنيا»
يوم «الوقفة» - اليوم السابق للعيد - كان بعض الصبية يذهب إلى «المذبح» ويغمس يديه بدم الذبيحة ويعود إلى الحارة رافعا يديه في تعال وغرور
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصًا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزًا من الزمن.
وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرًا منها قد مضى على وقائعها سبعون عامًا، وربما أكثر من ذلك.. وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف.
معروف أن المصريين حتى الآن يحتفلون بعيدين، هما «عيد الفطر»، و«عيد الأضحى»، وعامة الناس يطلقون عليهما «عيد الكعك»، و«عيد اللحمة».
وجرت العادة أنه قبل انتهاء رمضان بأسبوع تقوم البيوت بعمل «كعك العيد» ليأكل منه أهل البيت، ويُقدم للضيوف، وتوصل به الرحم، فترسل ربة البيت «صواني الكعك» إلى بناتها المتزوجات وأبنائها المتزوجين، وذلك كهدايا في عيد الفطر، بل يُحكم على ربة البيت بالكرم أو البخل بعدد «الصواني» المهداة للبنات والأبناء، وهي صوان متنوعة المحتوى؛ كالكعك والغُريَّبة، والفطير المحوج، والبسكويت، وكل أولئك صناعة منزلية.
كما يمر مسحراتي رمضان على البيوت يوم العيد يجمع الكعك مقابل عمله طيلة الشهر كـ «مسحراتي».
ومن عجب أن العامة يسمون آخر يوم في رمضان «يوم الوقفة» أو وقفة العيد الصغير.
وفي داخل منزل العائلة - ونحن لم نجاوز العاشرة - كانت أمي تقوم ليلة العيد «بتحميمنا»، وبعد الاستحمام تضع في كل يد من يدي الحناء، وتربط كل يد بمنديل حتى تتشرب الكف الحناء، فلا تتبعثر مني أثناء النوم.
يوم العيد
وفي صباح يوم العيد نلبس الملابس الجديدة، وكان خالي يزورنا وكذلك بعض أعمامي، ويقدم لهم كعك العيد ويمنحني كل منهم «عيديتي» التي لا تجاوز عدة قروش، فأذهب وقت الظهر أنا وأصدقاء الحارة إلى «سوق العيد»؛ وهي ساحة واسعة فيها «المراجيح» المتعددة، وفيها بعض الألعاب الأخرى.. ومن أجملها ما يسمى بـ «صندوق العجب» أو صندوق الدنيا، أو صندوق «اتفرج يا سلام».
ومن هذه الألعاب؛ بندقية تطلق إبرة معدنية طويلة على لوحة علق فيها عدد من «البمب»، فإذا أطلق الواحد منا البندقية مصيبًا بمبة تنفجر كانت جائزته قطعة من الحلوى «البونبوني»، وفي أحد الأعياد كان معنا زميل نظره «شيش بيش»، ووجه البندقية إلى اللوحة وأطلقها فإذا بالطلقة المعدنية تخرج بعيدًا عن اللوحة بكثير في يوم اشتد فيه الزحام، وصرخ صاحب اللوحة: «يخرب بيتك زي ما خربت بيتي يا ابن الـ... ضيعت العيد عليَّ»:
- ليه «متحط» طلقه «تانية».
- ما عنديش إلا واحدة بس للبندقية.
- خلاص ابحث عنها يا أخي.
- أبحث عنها فين يا ولاد الـ... أبحث عن حباية قمح في غيط قش؟!
وتجمع أهل الخير بأن صبوا ما في جيب زميلنا من عيديات وكانت ستة قروش وأعطوها للرجل.
زف العجول
هذا عن عيد الفطر، أما عيد الأضحى فكان يسبقه يومان؛ يوم يسمى «يوم زف العجول»، وفي هذا اليوم يخرج الجزار ومعاونوه وقد زينوا عجلهم بالورود والأغصان، ويضع في عنقه جلاجل وأجراسًا ووراءهم عشرات من الصبية يهتفون بهتافهم، وأذكر من هذه الهتافات «علف المكاوي.. علف المكاوي.. كبدة وكلاوي».. والمكاوي هو المعلم الجزار.
ومن أشهر الجزارين في المنزلة عباس عينين، وكان هتافه ومن معه يوم «الزَفاف»: «يا عباس يا عنين الرطل بقرشين».
وفي يوم الوقفة كان بعض الصبية يذهب إلى السلخانة «المذبح»، ويغمس يديه بدم الذبيحة، ويعود إلى الحارة رافعًا يديه في تعال وغرور، وهذا يذكرني في التاريخ الجاهلي بـ «لعقة الدم»، وهم قبائل عبد الدار ومخزوم وعديّ وسهم وجُمح لأنهم تحالفوا فنحروا جزورًا، فلعقوا دمها، أو غمسوا أيديهم فيه.
ويظل اللحم يباع عند الجزارين طيلة يوم الوقفة، وأول يوم العيد، ولكن الأثرياء كانوا يشترون خروفًا أو خروفين أو أكثر لذبحها صباح يوم العيد وتوزيع لحمها على الفقراء والأقارب مع نيل أهل البيت حظهم منها.
تذييل شرعي
الأضحية هي: ما يذبح من بهيمة الأنعام «الإبل والبقر والغنم» تقربًا إلى الله تعالى في يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة.
والأضحية سُنة مؤكدة في حق من ملك ثمنها زائدًا عن حاجاته الأصلية، ولا يأثم بتركها، وإن كان الأفضل في حق المستطيع أن يضحي تعتبر الأضحية واجبة إذا كانت منذورة، وفي حالة تعيينها باللفظ أو الشراء على كونها أضحية مع العزيمة على ذلك.
والأضحية مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته، وله أن يُشرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات.
وتجوز الأضحية عن الميت إن كان أوصى بها في ثلث ماله، وإن جعلها في وقف له وجب إنفاذ ذلك، وإن لم يوص أو لم يوقف وأحب الإنسان أن يضحي عمن شاء من الأموات فهو حسن، ويعتبر هذا من أنواع الصدقة عن الميت.
وسنّ الأضحية المعتبر شرعًا هو: من الضأن ما له ستة أشهر، ومن الماعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنين.
وأفتى كثير من علمائنا المعاصرين بجواز التضحية بالعجول السمينة، وإن كانت لم تبلغ السن الشرعي، وهو الرأي الراجح والمعمول به في عصرنا الحاضر، خصوصًا وأنه رأي يتفق مع مقصود الأضحية من حيث كثرة اللحم وطيبته، وأكثر نفعًا للفقراء.
فكلما كانت الأضحية أسمن وأحسن كان ذلك أفضل لأنها هدية إلى الله عز وجل.
وتجزئ أضحية الغنم عن الرجل وأهل بيته، أي عن أهل بيت كامل، فعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: «كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون».
وتجزئ أضحية الإبل والبقر عن سبعة بيوت.
وقد قلنا: إن أضحية الغنم تجزئ عن الرجل الواحد وأهل بيته فقط، ولا تجزئ عن أكثر من ذلك، ولكن يمكن إشراك الغير بالنية والثواب وليس في الملك والتصرف.
ويشترط في الأضحية أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء؛ وهي العيوب التي تنقص من لحمها وقيمتها، فلا تجزئ الأضحية العوراء البين عورها، ولا العجفاء التي لا تنقي «وهي الهزيلة التي لا مخ فيها»، ولا العرجاء البيَّن ضلعها، ولا المريضة البيَّن مرضها.
وقت الذبح
ويجب أن تذبح الأضحية في وقت الذبح المقرر شرعًا، بعد صلاة العيد، وأيام التشريق الثلاثة بعده، وينتهي وقت الذبح بغروب شمس آخر أيام التشريق وهو رابع أيام العيد.
وقد بين النبي ﷺ أن من ذبح قبل صلاة العيد عليه أن يعتبر شاته شاة لحم، وليست شاة عبادة ونسك، ولا ينال ثواب الأضحية وإن تصدق بها جميعًا.
أما بالنسبة للحي، فإن الذبح أولى، لأن الذبح شعيرة وقربة إلى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر:2) فنحن ننحر اقتداء بسنة أبينا إبراهيم.
أما إذا كانت الأضحية عن الميت فلا بأس أن يتصدق بثمنها خصوصا إذا وجدت الحاجة.
ويسن للمضحي أن يأكل من أضحيته ويهدي للأقارب والجيران ويتصدق منها على الفقراء والمساكين، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعَمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج)، وقال تعالى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ (الحج: ٣٦)، وكان بعض السلف يحب أن يجعلها أثلاثًا: فيجعل ثلثًا لنفسه، وثلثًا هدية للأقارب، وثلثًا صدقة للفقراء.
ولكن إذا أبقى الأضحية في بيته وأكلها هو وأولاده فهو أمر جائز إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل