; ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (٥) أنا وخرفان العيد | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (٥) أنا وخرفان العيد

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر الجمعة 04-مايو-2012

مشاهدات 87

نشر في العدد 2000

نشر في الصفحة 46

الجمعة 04-مايو-2012

  • مضى على مأساة مواجهتي مع كبش العيد قرابة سبعين عامًا ومع ذلك ما زلت أتميز غيظًا كلما رأيت كبشًا ذا قرنين

يقولون إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصًا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزًا من الزمن.

وفي هذه الحلقات التي أنشرها تباعًا، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرا منها قد مضى على وقائعها سبعون عامً. وربما أكثر من ذلك، وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعضوية دون تزويق أو إسراف .

مسرح هذه الحكاية مسقط رأسي مدينة المنزلة في أقصى شمال الدلتا وكانت البلدة تتكون من حارات تسمى كل حارة باسم أهم الأسر التي تعيش فيها وأكثرها عددا، وهو تقليد متوارث عن أسلافنا العرب في السكنى فيقال مضارب بني فلان.

وكانت حارتنا المسماة بـ«حارة قميحة» أو «حارة القمايحة» يشغلها مسكن أسرتنا، ومساكن أعمامي، وعمتي، وأبناء العمومة.

وتمتد حارتنا قرابة مائة وخمسين مترا، لتخلص إلى حارة أخرى مفتوحة على عدة حارات هي حارة «عبد ربه» ولكن كان على يمين حارتنا من ناحية وسطها عطفة أو زقاق «الترعي» والعطفة أصغر بكثير من الحارة، وهي عطفة «سد» تمتد إلى اليمين قرابة ثلاثين مترًا، وتنتهي بمنزل في صدر العطفة، هو منزل أرملة طيبة القلب هي أم محمد.

أما تاريخ المأساة، فهو السادس من ذي الحجة ١٣٥٧ هـ (۲۷) من يناير (۱۹۳۹م)، كان سني يقترب من الخامسة أما شقيقتي «نبوية» التي كانت تشاركني لعبي فكانت تكبرني بعام وبضعة أشهر. وقبل يوم المأساة بقرابة أسبوع اشترى والدي كبشين كبيرين أقرئين دفع فيهما ستة جنيهات كاملة لذبحهما في العيد.

وفي حارتنا بجانب بيتنا دق لهما في الأرض وتدين خشبيين متجاورين، وفي رقبة كل كبش حبل متوسط الطول يتصل بوتده، ووضع أمامهما طوالة، أي صندوق خشبي وضع فيه العلف، بالإضافة إلى إناء فيه ماء..

لا أستطيع أن أعبر عن سعادتي بالخروفين، وإن كانت سعادتي يقطعها مسحة من الحزن كلما تذكرت عبارة والدي: لازم نعلفهم كويس علشان ندبحهم في العيد»، وأصبح من الصعب علي أن أتصور أو أتخيل غيابهما عنا. لقد استجاب الخروفان لي ولشقيقتي ولا شك أنهما يبادلاننا حبا بحب بدليل أنهما يتناولان العلف من أكفنا الصغيرة، وكذلك بعض أعواد البرسيم ولا شك أنهما كانا يبادلاتنا السعادة ونحن نملس» على رقبة كل منهما وندلك ظهره، وأذكر أنني حاولت ذات يوم أن أركب أحدهما بمساعدة شقيقتي فنهرني والدي بشدة: «أوعى تعمل كده تاني.. لو عملتها حينطحك، ويسيح دمك، واستجبت لأبي فلم أعملها تاني» وأذكر كذلك أننا - أنا وشقيقتي - كدنا نطير من الفرح.. عندما رأينا خروفينا يسجلان انتصاراً باهراً على كبش عمي مسعد الذي جاء من آخر الحارة حيث يسكن عمي، ويظهر أن الجوع قرصه» فحاول أن يشارك كبشينا «علفهما»، فثارا عليه ثورة غير ميمونة، وأخذا يسددان إليه دفعات من «القرون الموجهة»، ولم يتركاه إلا بعد أن جاوز مقره إلى حارة عبد ربه خوفًا وفزعًا .

وأقسم أنني شعرت بالزهو، وأنا أراهما يعودان إلى موقعهما في وقار وخيلاء.

أويت إلى فراشي، ورأيت فيما يرى النائم أني اركب أحدهما، وأنا أميل بصدري ممسكًا بقرنيه من الخلف، ولم أشعر بالخوف وهو يطير بي فوق منازل حارتنا، ونظرت إلى أسفل فرايت كيشناالثاني - في حجمه الطبيعي - ينظر إلينا، وكأنه ينتظر دوره لأركبه كصاحبه ونظرت إلى كبش عمي مسعد فرأيته - وأقسم - في حجم كلب صغير وقد نكس رأسه معلقا نظره بالأرض عجباً .. لقد رأيت في رأسه أذنين طويلتين بدل القرنين.. ياه.. لقد شغلت عن «الأعلى» بالأسفل.. وتغير شعوري من الأمن والسعادة إلى الخوف والفزع، وأنا أرى الكبش يواصل صعوده حتى جاوز السحاب... وخشيت السقوط.. فقد انطلق الكبش بي إلى أعلى، وهو في وضع رأسي.. وازداد تشبثي بقرنيه من الخلف.. وازداد فزعي وأخذت أصرخ: «الحقوني.. انزل.. انزل - كفاية كفاية». ولم ينقذني إلا أمي التي أخذت تهزني إلى أن استيقظت.. وأخذتني في حضنها، وهي تبسمل وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. فيه إيه يا حبيبي؟ ما تخافشي.. دا كابوس وزال، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .....

وشعرت بالطمأنينة لأن ما حدث كان حلمًا لا حقيقة، ولكني لم أستطع أن أفسر الدموع الغزيرة التي ملأت عيني، وغمرت خدي واستأنفت النوم.

معركة غير متكافئة

وبعد استيقاظي تناولت الإفطار على عجل، ونزلت إلى الخروفين بمفردي، وأخذت أملاً كفي اليمنى بحفنات العلف، فيتناولانها وبذلك تأكدت أن ما رأيته كان حلمًا مزعجًا ولم يكن حقيقة .. وألحت علي مشاهد الحلم... هذا الكابوس المزعج، وأخذت أمرر يدي على ظهر أحدهما، وأقول في نفسي على هذا الظهر ركبت وطرنا إلى السحاب، واستدرت مواجها الخروف وأخذت أشد قرنيه إلي بقوة وأحدث نفسي: لولا إمساكي بهذين القرنين السقطت على الأرض. ومت..

ولتأكيد اعترافي بالجميل اشتد جذبي للقرنين نحوي وفجأة أخذ يهز رأسه بشدة يميناً ويساراً، حتى خلص قرنيه من قبضتي الصغيرتين، وفي لمح البصر تطعني في صدري نطحة طرحتني أرضا، ونهضت، وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات ووجهي إليه، وفي لمح البصر رأيته يخلص عنقه ورأسه من الحبلالذي لم يحكم ربطه، وسدد إلى نطحة أخرى أخفقت كفاي في اتقائها، حاولت أن أصرخ ولكني عجزت عن ذلك تماما، فقد التصق لساني من الرعب بحلقي، وأحسست أن قدرتي الصوتية قد تجمدت تماما، وزحفت على ظهري إلى الخلف قرابة مترين مستعيناً بیمناي الواهنة المرتعشة، وأثناء الزحف المفزوع كنت أرفع رأسي عن الأرض قرابة شبر وعيناي معلقتان بالكبش الجاحد المعتدي وتوقف منشغلاً برفيقه الذي كان مؤمنا بفضيلة ،التعاون، فتمكن من قطع حبله لحظة نهوضي من سقطتي، وصرت أواجه كبشين لا كبشًا واحدًا. 

وتكرر السيناريو على النحو التالي: ينطحني الأول، وأحاول تخفيف ضغط النطحة عن صدري بكفي وأنطرح أرضًا وأنهض..

وأتراجع بظهري داخل الحارة خطوة أو خطوتين، ويبدأ الثاني مهمته بنفس الطريقة، ويتكرر النطح، فالسقوط، فالنهوض فالتراجع وهلم جرا، وأثناء انسحابي المهزوم رأيت كبش عمي مسعد مضطجعاً على جنبه الأيمن، فتظاهر بأنه مشغول بالتهام بعض عيدان البرسيم، وكانه يعلن أنه اتخذ قرارًا فوريًا بالحياد، وعدم الانحياز بعد العلقة التي أكلها من يومين.

منزل أم محمد

كانت الحارة خالية من البشر تمامًا، فاليوم يوم جمعة والناس لا يستيقظون من نومهم إلا قبل الصلاة بساعة أو ساعتين.

ودخلت عطفة الترعي، التي تنتهي بلا منفذ، وفي صدره منزل الأرملة أم محمد. سيناريو العطاء مستمر، ولا يسمع في العطفة أو حارتنا إلا صوت بم... صوت النطحات المسددة إلى صدري ويدي، وأحسست أن جسدي أصبح كصوتي تبلدًا متجمدًا .. فلمأشعر بأي وجع والم واقتربت بظهري من منزل أم محمد الذي يسد العطفة وحاولت النهوض من آخر سقطة، ولكني عجزت عن الوقوف إلا على ركبتي.. فوجه أحد الكبشين نطحة إلى وجهي فأحسست أن انفي قد تحول إلى جمرة من نار وأحسست أن دما دافتا يتدفق إلى دقني وعنقي ولكني أقول للحق أن هذه النطحة فكنت عقدة صوتي، ومنحتني قدرة فائقة على الجري.. وارتميت على باب أم محمد، وأنا أصرخ صراحًا باكيًا ... انفتح الباب عن الأرملة الطيبة، وأحدث تطلق عبارات الاستغاثة بالجيران، وهي تتلقفني بذراعيها .. وما زلت أذكر من كلماتها التي أدخلت بعض الطمانينة إلى نفسي ديا حبيبي.. يا ابني.. يا ضنايا .. يا حنة من قلب أمك..

وللحق أيضًا شعرت بأنني صرت خفيفًا جدًا.. وأن كل شيء صار في عيني.. غائمًا شبحيًا، حتى نور الصباح.

ورأيتني أطير .. فوق سطوح حارتنا .

ضروري تموتهم

وافقت من غيبويتي الأجدني على سريري الصغير، وقد لف رأسي في شاش كثيف، وذراعي اليمني في الجبس، وحول سريري الصغير والداي وأعمامي وكثير من أقاربنا .. ووجدتني أجهش بالبكاء وأنا أقول لأبي:

  • النهاردة موتهم.. ضروري تموتهم. 
  • حاضر خلاص حموتهم النهارده.
  • لا .. قبل ما تموتهم اربطهم كويس. وهات خروف عمي مسعد ينطحهم، وبكسر قرونهم.. وبعد كده تضربهم جامد.. قبل ما تموتهم.
  • حاضر كل ده هيحصل النهارده إن شاء الله .

وكان هذا أول عيد أضحى لم يدخل بيتنا فيه لحم الضان، بعد أن تخلص أبي منهما، وذلك بتسليمهما الخالي الذي كان يسكن في حي بعيد ..

الرابط المختصر :