العنوان ذكريات عشتها ولم أكتبها من قبل (٤)
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012
مشاهدات 63
نشر في العدد 1999
نشر في الصفحة 44
السبت 21-أبريل-2012
آكل الطرابيش..للطربوش في المدرسة وفي حياتي ذكريات لا تنسى.. فقد كان دليلًا على «الولاء المصري»
لي مع الطربوش موقعة سجلتها بصورتها الواقعية في مقال بعد ذلك بقرابة سبعين عامًا
كان بعض التلاميذ الأشقياء يخطفون طربوش واحد منهم ويجعلون منه كرة تتقاذفها الأرجل.. ويا ويلهم إذا رآهم الناظر «الحمش» السيد الخباطي
يقولون: إن الإنسان مجموعة من الذكريات والمواقف، والعاقل هو الذي يسجلها إحياء لذاته، وحرصًا على انتفاع الآخرين، والذكرى أو الموقف يبقى له مكانه في التاريخ صغر أو كبر، المهم أنه يشغل حيزًا من الزمن.
وفي هذه الحلقات، يهمني أن أنبه القارئ أن كثيرًا منها قد مضى على وقائعها سبعون عامًا، وربما أكثر من ذلك، وأحمد الله إذ أسوقها بمصداقية وعفوية دون تزويق، أو إسراف.
كان ناظر المدرسة السيد الخباطي جادًا شديدًا، وأذكر أنني لم أن ابتسامة واحدة على وجهه، ولكن من أهم ملامحه أنه كان ضليعًا في اللغة الإنجليزية، يشهد بذلك ما نراه من محادثاته أمامنا مع الأستاذ إبراهيم العزبي»، أستاذ اللغة الإنجليزية، وسمته الثانية أنه كان «وفديًا» ضليعًا في وفديته، يحب «النحاس» باشا رئيس «الوفد»، ويتحدث عنه لأصدقائه كثيرًا، وكثيرًا ما اصطدم بالأستاذ «عباس عاشور» بسبب اتجاهه الوفدي، وقد كان الأستاذ «عباس» إخوانيًا ضليعًا في إخوانيته، وكان «الوفد» في شبه حرب مع الإخوان آنذاك.
وللطربوش في المدرسة وفي حياتي ذكريات لا تنسى، فالطربوش كان دليلًا على «الولاء المصري»، حتى المحامين والموظفين لا يزاولون أعمالهم إلا والطربوش يتوج رؤوسهم، ويا ويل التلميذ الذي ينسى طربوشه أو يفقده، أو يحضر إلى المدرسة وبطربوشه عيب من العيوب يتعلق بجسم الطربوش أو بزره.
وكان بعض التلاميذ الأشقياء يخطفون طربوش واحد منهم ويجعلوا منه كرة تتقاذفها الأرجل، ويا ويلهم أيضًا إذا رآهم الناظر «الحمش» السيد الخباطي.
موقعة الطربوش
ولي مع الطربوش موقعة سجلتها بصورتها الواقعية في مقال بعد ذلك بقرابة سبعين عامًا، قلت فيه: «إن أنس لا أنس ما يمكن أن أسميه «الموقعة الطربوشية»، وخلاصتها: كنا في الصف الثاني من المرحلة الابتدائية، وكنت أجلس أنا وزميلي «شفيق رحمو» في آخر قمطر «مقعد» في الفصل بسبب طولنا، وقد خصص القمطر لجلوس اثنين، وأمامنا مباشرة يجلس اثنان، أحدهما «عبده عافية» الشهير بـ «رمزي»، ويجلس أمامي مباشرة، وكان مشهورًا بسذاجته، وإذا جلس يميل طربوشه إلى الخلف كثيرًا، فيبقى زره مهتزًا وكل يوم يستأذن مني رفيقي «شفيق رحمو» بأن نتبادل مكانينا للحظات، يؤدي خلالها دورًا وهو أن يمد فمه ويقرض فتلة أو فتلتين من زر «رمزي» دون أن يشعر، ثم يعود إلى مكانه الأصلي، فلم يبق من الزر إلا نصفه، وأغراني نجاح «شفيق» وقدرته على التقاط الزر فتلة فتلة، فقلت لنفسي: فلأجرب حظي معه للمرة الأولى والأخيرة ومددت فمي، لألتقط خيطًا من خيوط الزر، فلم أستطع ووجدت الزر كله في فمي، في هذه اللحظة دخل ناظرنا الجبار الفصل، فأخذتني الرهبة والارتباك ولم أستطع أن أفتح فمي، وقمنا تحية له وأنا أعض على الزر والطربوش كله في فمي.
تحولت إلى كتلة من الارتعاش وألقى الناظر نظرته وقال بصوت مرعب: «قميحة» انتظرني خارج الفصل أمام حجرتي، فخرجت ومنطقة الفم مغطاة بالطربوش الذي تشبثت أسناني بزره، وذلك لأنني لم أستطع أن أفتح فمي، في هذه اللحظة صرخ «رمزي»: «يا بويا.. الحقني يا بويا.. جابر أكل طربوشي.. أكل طربوشي أجيب طربوش تاني منين.. يا بويا؟» والفصل يكاد يسقط من شدة الضحك حتى الأستاذ «الحماحمي»، مدرس العلوم «وكانت هذه حصته»، خرجت وأنا بهذا المنظر الغريب، وخرج الناظر من الفصل، وقال بصوت مرعب: «إنت اللي بيقولوا عليك تلميذ مثالي؟ بكره ما تجيش من غير ولي أمرك، وتجيب للواد طربوش تاني»، كل ذلك ومنظري كما هو، ورأيت الناظر يرفع يده ويلطمني لطمة شديدة لأول مرة في حياتي، ومن شدتها أطارت الطربوش من فمي، وأردف الناظر قائلًا: «إما أن تصلح له الطربوش، أو تشتري له طربوشًا جديدًا» ودخلت الفصل وما زال «رمزي» يصرخ ويقول: «جابر أكل طربوشي»، فكلف الأستاذ «الحماحمي» تلميذين ليبحثا عن الطربوش فلم يجداه، وكل ذلك يزيد «رمزي» بكاء وصراخًا، والمدرس يكتم ضحكه مما يرى وقال لي: اخرج أنت يا جابر وابحث جيدًا عن طربوشه»، وخرجت وبحثت طويلًا ولا أثر للطربوش، كأن الأرض قد ابتلعته، دخلت الفصل وأخبرت المدرس بالنتيجة فوجه كلامه إلى «رمزي» قائلًا: «معلش يا «رمزي»، هدي نفسك شوية»، فيزيد صراخ «رمزي»: «أهدي نفسي إزاي بعد ما جابر أكل طربوشي؟».
وبعد قرابة نصف ساعة دخل الفراش «العامل» وفي يده شيء أسود يشبه جسم البطة، وهو يمسكه بقطعة من ورق الصحف حتى لا تتلوث يده، ورفع هذا الشيء وقال: «دا طربوش مين يا تلامذة؟»، فغرق الفصل كله في الضحك العالي، لأن الشكل لا يمكن أن يكون شكل طربوش، فسأله المدرس: «أين وجدتموه يا «عبد الرؤوف؟». .
- وجدناه في الزبالة أمام المدرسة.
-وما الذي أوصله للزبالة؟
لطمة الناظر
وانكشفت الحقيقة: فبعد أن لطمني الناظر اللطمة التي أطارت الطربوش سقط الطربوش في عربة الزبالة الموجودة في الصالة، والتي تجمع فيها قمامة المدرسة كلها، فلما أخذ «عبد الرؤوف» الصندوق ليلقيه في صندوق الزبالة الضخم أمام المدرسة عثر على هذا الطربوش، وتدخل الأستاذ «الحماحمي» لتصفية الجو وقال لي: «إنت غلطان يا جابر بعد المدرسة تروح إنت و «رمزي» إلى دكان «علي عرنسة»، وتخليه ينظف الطربوش، ويكويه، ويركب له زر جديد، وكل ده على حسابك يا جابر».
وطبعًا وافقت، ولكن «رمزي» صرخ وقال: «هوا فين الطربوش يا عالم.. جايبنلي قطة ميتة ويقولولي دا طربوش ..».
- «خلاص يا رمزي» بعد المدرسة على طول تنفذوا إنت وجابر اللي أنا قلت عليه».
ولففنا هذا الشيء الذي يشبه الطربوش في ورقة سميكة، واتجهنا إلى محل «علي عرنسة»، وسلمناه الورقة بمحتواها، فرماها في الزبالة، فصرخ «رمزي»: «طربوشي.. طربوشي.. حرام عليك إنت كمان».
- «فين الطربوش يا جدع؟ إنت جايبلي فردة صرمة قديمة وتقولي طربوش؟!».
والخلاصة أننا اتفقنا على صرف النظر عن هذا «الشيء» الذي كان اسمه طربوشًا، ويصنع له طربوشًا جديدًا، ويسلمه له بعد صلاة العشاء، ودفعت الثمن مقدمًا وهو خمسة عشر قرشًا، وبذلك حلت مشكلة الطربوش مع «رمزي».
وطبعًا لم أذكر الفاعل الأصلي زميلي «شفيق رحمو» وهو الفاعل الأصلي الذي تكرر عدوانه، ألم أقل لكم:
لم أكن من جُناتها علم الله
وإني بحرها اليوم صالي؟!
«*»أستاذ أكاديمي -أديب و مفكر إسلامي - مصر