العنوان ذكريات الإسراء والمعراج........ وبشائر للبعث الجديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1180
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 19-ديسمبر-1995
ذكريات المسجد الأقصى تعبر آفاق الخيال هذه الأيام معطرة النسمات، تحمل أريج النبوة الذكية، وأنفاس الرسالة العبقة الطاهرة، لتروح النفس المُعنَّاه وتبرد القلوب المحترقة، وتروي الجوانح العطشى، وتبعث العزائم الولهى، وتنعش الهمم الثكلى، وتنير البصائر الظلمى تقرأ صفحات المجد التليد، وترتل أهازيج النصر المجيد، وتردد أناشيد الفتح المبين أيام الإسراء والمعراج تمر بنا تحمل نفحات القدس وقبسات أولى القبلتين، وإشعاعات ثالث الحرمين وأطياف الأنبياء والمرسلين مسبحة مهللة مكبرة تحف بها الملائكة وتظللها الآيات، ويسطع في جنباتها الوحي، ويتدافع في أفقها مواكب النور الصاعدة إلى حضرة القدس تحمل أفضل رسول، وأعظم نبي، وأجلّ إنسان على وجه الأرض، ليشق بنوره ظلمة الليل ويتجلى بإصباحه على الكون من أقصاه إلى أقصاه، ويبهر بإشعاعه الدنيا الغافلة والبشرية الشاردة عن قدرة الله وعظمته وعن وحيه ورسالته، وعن إنعامه وبركته، كل ذلك وسط ترجيع العوالم وترديد الأكوان وحداء المواكب وترتيل الملائكة بالآيات سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير تمر هذه الذكرى العظيمة لتبعث الهمم لشد الرحال إلى مواطن البركة، ومرابع الإيمان، حيث لا يشد الرحال إلى أعظم منها وأجل، أو أفضل منها وأنجح، وقد هدانا إلى هذا سيد العالمين وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين فقال: ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد « مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى»، فهل يا ترى ما زال المسلمون يعون هذا النداء ويسمعون هذا الصوت الداوي؟ وإذا سمعوا هل يستطيعون الإجابة أو شد الرحال إلى مسجدهم الأقصى، ومسرى نبيهم الكريم؟
أم يسارع إلى شد الرحال لمسجدنا الأقصى غيرنا ويهرول إليه سوانا، ويسكن مسرى رسولنا أعداؤنا ويحتل قبلتنا محاربونا، ويدنس أرضه المباركة أحفاد القردة، ويُحرم المسلمون منه، ويشد إليه يهود العالم الرحال إن ذلك مما يحرق الأكباد ويفتت القلوب، ويبعث على الأسى والحسرة، وما أظن أن ذلك سيستمر وهناك قلوب مؤمنة أو يُصبح وضعًا مألوفًا وهناك آيات تتلى وصلوات تقام وذكريات تمر.. لقد ظن العدو ومن وراءه أنه قد استطاع في غفلة من الزمان، وفي فترات ضعف ووهن أن يهزم الأمة ويقضي على قوتها، أو أن يسلبها ديارها، ويذهب ريحها، وساعده في هذا الظن، وزين له هذا الوهم ما عليه الأمة الآن من سلبية مميتة ونفسية مقيتة وعزائم منهارة، وشقاق مهين وخلاف ساحق وتبديد الطاقات الأمة وفكرها وضياع لأصالتها وهويتها، كل ذلك سول له وأطمعه فينا، وحرض علينا ومكن لعدونا من رقابنا وديارنا، فهل من عزة تنهض العزائم، ونخوة ترد الكرامة وصولة ترد الكيد، وإيمان يحقق النصر ويثلج القلب ويشرح الصدر، ويقر العين؟
وهذا هو المؤمل في الأمة التي تحتل الرصيد العظيم بين الأمم، وتتربع على عرش البطولة في التاريخ بين الشعوب، لما لها من مقومات السيادة والريادة ومناهج التربية والعطاء، والهداية والنور أمة الإسلام العظيم الذي يأبى الضيم ويصيح في ساعة الخطر أن هلموا ويزأر في أوقات الشدة ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ (التوبة:4:1).
أمة باعت نفوسها لله حماية لدينه ومقدساته ودفاعًا عن الحق واشتراها الله منهم بجنة عرضها السموات والأرض ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)
أمة لا تعرف الوهن والضيم، إن اشرأبت إلى الهدى ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ (آل عمران: 139) تعرف الطيب فتعليه، وتميز الخبيث وتقصيه ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ (النساء: 95)
أمة الاستعداد عندها فريضة، ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ (الأنفال: 60) والشهادة عندها أمل وهدف وفخار، لاشك أنها أمة المجد ، أمة البقاء والخلود رأينا أطفالها الصغار بالحجارة يقضون مضاجع العدو، ويفقدونه صوابه ووعيه لم يرهبوا جنوده، أو يخافوا مدافعه أيقظوا العالم من غفوته لحقهم السليب وأسمعوا مجلس الأمن لصوتهم الحبيس، وأثبتوا للدنيا أنهم الأقدر على إرجاع الحق وصيانة الكرامة، وتحرير الديار، هؤلاء هم أطفال الإسلام الصغار، ولكنهم كبار العزائم وأبناء الأمة الضعاف، ولكنهم عمالقة الهمم، حجارتهم أقوى من المدافع، وأصعق من القنابل وأفتك من الرواجم والقذائف هؤلاء هم سلالة السلف الصالح، وأبناء خالد وأبو عبيدة والنعمان، وطارق وقطز، وصلاح الدين نعم أبناؤهم الصغار وأشبالهم الأسود، فكيف برجال الأمة الصدق، وفتيتها الأسود ورجالها الصواعق؟ إنهم ولاشك سيسمعون الدنيا النشيد الأول، والهتاف التليد ﴿ وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ (الإسراء: 81) ويخرجون الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الناس إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا وظلمها إلى سعتها وعدلها، ومن جور الأديان وعصريتها إلى هداية الله وعدل السماء ... ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم:4-5﴾
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل