; ذكريات العالم الإسلامي في القرن الماضي | مجلة المجتمع

العنوان ذكريات العالم الإسلامي في القرن الماضي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 120

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

• يجب أن يكون العطاء الإسلامي مكافئًا لضخامة التحديات التي تواجه العالم الإسلامي.

• مع بداية القرن الخامس عشر الهجري يأمل المسلمون من الله تعالى أن ينيلهم كل خير وعز ورفعة.

• يشهد العالم مع غروب القرن الماضي غروبًا آخر للديكتاتوريات العسكرية وانهزامًا للأفكار الوافدة وامتدادًا رائعًا للإسلام.

• الإرهاب والقهر والمطاردة والتضييق كل ذلك لم يجد مع الحركة الإسلامية المعاصرة وخرجت من المحن أقوى عزيمة!!

• العالم الإسلامي كأنه طائر يفرد جناحيه على الشرق والغرب ويضع رأسه في أوروبا.

لن تستطيع هذه العجالة المختصرة أن تستوعب أو تحصر كل ما يمور في العالم الإسلامي، من حركات وانتفاضات في سبيل تحقيق الذات الإسلامية لكل شعب إسلامي على امتداد الساحة العالمية لأنها ليست إلا إطلالة من علٍ، ترصد مجمل الحركات الفاعلة والمؤثرة في مسيرة الانطلاقة الإسلامية المعاصرة، وتتابع بعين نافذة عمليات الاستلام والتسليم بين أجيال لاحقة وأخرى سابقة، وتستقرئ من خلال الظواهر البارزة التي أفرزتها مختلف الدعوات -الوافدة والأصيلة- ملامح المستقبل الذي تطمح إليه أفئدة المؤمنين.

إنها -إذن- إشرافة إجمالية عامة، تقترب من أن تكون مسحًا لحاضر العالم الإسلامي الذي ودع القرن الرابع عشر الهجري بكل ما فيه من سلبيات، ويستقبل قرنًا آخر جديدًا يأمل فيه أن يستعيد حمل الراية الحضارية التي ميزت مسيرته عبر التاريخ... إن المسلمين يمتازون عن غيرهم، بالشعور بالواحدية -إضافة إلى عقيدتهم التوحيدية- ونعني بهذا الشعور، الإحساس بأن المسلمين كالجسد الواحد إن أصاب أي عضو ألم، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما عبر عن ذلك الحديث الشريف المعروف، ومن هذا الشعور المفترض، ينطلق الباحث إلى تقرير الفكرة القائلة: إن أي حدث، على أي مستوى، وفي أي مكان في العالم الإسلامي خاصة سينعكس سلبًا أو إيجابًا على المسلمين عامة!! وما أجمل قولة أبي تمام في هذا المقام:

بالشام أهلي، وبغداد الهوى، وأنا                  بالرقمتين، وفي الفسطاط إخواني!!

• جغرافية العالم الإسلامي:

يمتد العالم الإسلامي في العالم القديم، من شرق آسية إلى غرب أفريقية ويمثل مهد الدعوة الإسلامية الأول، مكان القلب من هذا العالم الذي يشبه طائرًا يبسط جناحيه شرقًا وغربًا يمد برأسه إلى أوروبا شمالًا. وتبلغ مساحته أكثر من 23 مليون كيلو متر مربع، تأخذ آسيا منها ما يقرب من 10 ملايين -لا تدخل فيها مساحة الأراضي الإسلامية التي احتلها الصينيون الشيوعيون أيضًا، ولا كشمير التي تحاول الهند ابتلاعها!!- كما أن أفريقيا تأخذ منها ما يزيد على 13 مليونًا ليس فيها مساحة الأراضي الصومالية المحتلة من قبل فرنسا، ولا الصحراء التي كانت تسمى إسبانيا، ولا الحبشة التي ترفض الاعتراف بالأغلبية المسلمة ولا نيجيريا التي تتحسس من وضعها البشري فلا تدخل في إطار العالم الإسلامي!

إن هذا العالم الضخم الذي يجمع في إطاره أممًا وشعوبًا وأقوامًا شتى ليملك إمكانيات هائلة توفرها له عدة عوامل:

1- الإشراف المباشر على أذرع مائية هامة هي: البحر المتوسط والأحمر والخليج العربي، يمثل كل منها في توغله خلال اليابسة محورًا من محاور السيطرة.

2- الأرض الإسلامية في أفريقيا تشكل جسرًا عريضًا يطل على قلب القارة وشرقها المشرف على المحيط الهندي وغربها المشرف على المحيط الأطلنطي الجنوبي.

3- الأرض الإسلامية في آسيا تمتد على محور عام من الغرب إلى الشرق يتيح مراقبة الاتحاد السوفييتي وحصر قواته، كما أن الامتداد باتجاه إندونيسيا والملايو يتيح تحكمًا في المضائق هناك وفي تحركات الملاحة الدولية والتجارة في الشرق الأقصى.

الموقع الحاكم:

كان هذا المدخل ضروريًا جدًا لإدراك قيمة الموقع الجغرافي للعالم الإسلامي، الذي يفسر كثيرًا من الوقائع التي مرت عليه عبر التاريخ وخاصة الهجوم المغولي الذي استهدف كسر حدة الأهمية العظمى لموقعه الحاكم، ثم الهجمة الصليبية الشرسة الحاقدة وأخيرًا الاحتلال الصهيوني لفلسطين الذي استهدف زرع الوتد الفاصل بين الجناحين الهامين للعالم الإسلامي، ثم يأتي الهجوم الأخير على شكل معاهدات خسيسة، تأتي بالاستعمار إلى المناطق الاستراتيجية ببراءة شرعية!!

ولكن هذا أيضًا سيكون عاملًا حافزًا للشعوب الإسلامية لأن تكون على مستوى الأحداث العالمية وتتخذ من الإسلام الذي أوجد الصنيعة المثلى للتجميع أساسًا للتوافق بينها إلى حد الالتحام التام ... وهذا لو عقلت!!

مراجعة شاملة:

ونحن على الخطوات الأولى للقرن الهجري الخامس عشر، نحتاج إلى مراجعة شاملة جريئة وبعيدة الطور إلى حد غرز السكين في بعض الدمامل المستعصية لنصل إلى صياغة جديدة على كافة المستويات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية... وليس الأمر مجرد ترف فكري، يلقى الكلام فيه محطوطًا مسترخيًا ناشزًا مستوفزًا، في معارك جانبية شكلية، ثم يرتاح كل فريق إلى عصبته راضيًا بما جنى، لاهيًا بما اكتسب، يحسب أن الدنيا قد حيزت له بعد صولته وجولته!! كما ورد في الأثر الشريف عن الشح المطاع والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه! وليس من الأسرار، أن تكون أدوات المراجعة: الفاعلة الوعي الشامل، والإخلاص الكامل، والمسؤولية الملتزمة، والإرادة الفاعلة والنية المحررة، ولا يكون ذلك إلا في القوم الذين وصفهم الله بقوله الكريم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23) وأمل المسلمين جميعًا منعقد -بعد الاتكال على الله- على وجود هؤلاء، الذين بدأ المخاض العام للأمة الإسلامية بهم، ومن علامته هذه الصحوة المباركة، والإيقاع القوي اللذان أيقظا هاجع الأماني في النفوس نحو الانفتاق فالانطلاق.

الحاضر المتنافر:

لو ارتفعنا داخل طائرة إلى علو شاهق جدًا فوق مركز العالم الإسلامي، فسنتخيل المنظر كما لو كان أمامنا خارطة هذا العالم، أكثر من أربع وثلاثين دولة إسلامية أو فيها أغلبية إسلامية، تنتشر كحبات العقد من شرق العالم القديم إلى غربه ما بين صغيره وكبيره، وعلى هذا الامتداد الكبير، تمور حيوات كثيرة يصل بعضها إلى حد التنافر والتضاد وحتى المواجهة المسلحة!

هذا العالم الإسلامي الذي أدركنا أهمية موقعه الجغرافي بداية، يمر الآن بدورة حياة جديدة، فبعد أن دارت عليه الدائرة وسقط صريع الاحتلال العسكري الأجنبي، منذ بروز الاستعمارية الحديثة في بداية هذا القرن الميلادي، يتوقع آملًا أن يعود إلى دوره الفعال في مسيرة الحضارة العالمية، ولكن القيود التي تشده إلى الوراء بفعل الرواسب المختلفة لعهود متنافرة، تطيل من المسافة بين الأحلام والحقائق، ولكنه قدر هذه الأمة التي كتب عليها أن تجاهد، فهي في جهاد دائم إلى يوم القيامة!!

يقع هذا العالم إذن تحت ضغط نفسي ومادي يتمثل في عدة تحديات ومشكلات تشوه وجه خارطته الإنسانية.

التحديات:

1- قضية فلسطين:

شكلت قضية فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عامًا جرحًا نازفًا يكاد يكون مميتًا في قلب الوطن الإسلامي كله، فهذه الدويلة المسخ جاءت خنجرًا مسمومًا يفصل بين جناحي الوطن العربي، وبالتالي الإسلامي، بين الآسيوي منه والأفريقي، كما أنها شكلت وجودًا غريبًا شاذًا في شكله ومضمونه العنصري الاستيطاني الإرهابي، عن جسم العالم المسلم من حوله وهكذا أوجد الاستعمار البريطاني قبل رحيله، بؤرة قاتلة في أخطر موقع يقف فاصلًا بين قارتين، على رأس شريان حيوي هو قناة السويس ويمثل التراجع المخزي في السياسة العربية تجاه هذه القضية نكسة عارمة في تطلع الأمة الإسلامية تجاه التحرير الكامل.

2- قضية كشمير:

رغم أن كشمير ولاية إسلامية، إلا أن الهند تصر على الاحتفاظ بها، لموقعها الاستراتيجي في أقصى شمال شبه القارة الهندية حيث تضم ممرات وثغرات في المرتفعات الوعرة وتتحكم بالطرق بين أرض الهند وشبه القارة وبين أرض التبت الآسيوي، كما أن لها قيمة اقتصادية كبرى، لكونها غنية بمصادر المياه والشلالات. إن قضية كشمير الإسلامية تمثل جرحًا نازفًا آخر في خاصرة العالم الإسلامي الشرقية.

3- مشكلة الأكراد:

كانت هذه المشكلة القومية نتيجة حتمية للشعور القومي عند الأكراد الذي كان رد فعل منعكس للشعور القومي العربي، ولقد حرص الاستعمار بعد أن ورث تركة الرجل المريض على تقسيم الشعب الكردي بين أربع دول هي إيران والعراق وتركية وسورية، وهكذا تمزق هذا الشعب الذي يتميز بخصائص معينة ويتكلم بلغة خاصة، وشكل في حركات تمرده جرحًا نازفًا ثالثًا في شمال الوطن العربي، لا يزال إلى الآن يرشح دمًا!!

4- المشكلة الزنجية:

تركزت هذه المشكلة في جنوب السودان حيث كان الصراع على أشده بين الجنوب الزنجي المسيحي والشمال المسلم العربي على مدى خمسين عامًا، صراع أخذ شكله الديني والاقتصادي والعرقي على حد سواء، وزادت حركة التنصير في تأريث العداوة بين الفريقين، ولم تحل المشكلة إلا بالإقرار بحكم ذاتي للزنوج في الجنوب، فأغلق إلى حين جرح رابع في الخاصرة الجنوبية للعالم الإسلامي.

5- المشكلة البربرية:

لم تظهر هذه المشكلة إلى الوجود، إلا أخيرًا، وقد أوردت الأنباء منذ شهرين تقريبًا أخبارًا عن اضطرابات في مناطق البربر جنوبي الجزائر كما صار المسلم يسمع بأن هناك اتجاهًا إلى كتابة اللغة البربرية بحروف خاصة، وقد قيل إن لفرنسة وعملائها المتفرنجين يدًا في هذه الدعوة العنصرة اللئيمة التي كانت رد فعل طبيعي لحركة القومية العربية الخائنة لحقيقة الإسلام والقاطعة لأواصر القربى بين المسلمين، فبرز إلى الوجود جرح خامس في الخاصرة الغربية للعالم الإسلامي، يمكن أن يضم إليه النزف الحاصل حاليًا بين المغرب والبوليساريو في صراعهما على الصحراء الكبرى!!

6- التنصير:

يسعى التبشير -منذ مرحلة ما قبل الاحتلال العسكري، لجذب الأنصار وكسبهم إلى الدين المسيحي ظاهرًا، وكسب العملاء، وتربية الأطراف السياسية لاستلام مقاليد الأمور مستقبلًا في بلادهم، وهذا ما حدث فعلًا في القارة الأفريقية العذار، فقد ربت المدارس التبشيرية جيلًا من القادة وصلوا إلى الحكم، وفي إحصاء سريع لهؤلاء الحكام تجدهم يجاوزون الخمسة عشر حاكمًا في إفريقية، وبعضهم يقود دولة أغلبيتها من المسلمين مثل سنغور في السنغال مثلًا!! ويوليوس نيريري في تنزانيا الذي بلغت به الوقاحة إلى درجة احتلال قطر مجاور وطرد رئيسه، هو أوغندا! ومن آخر الأخبار التي أوردتها المجتمع في عددها الأخير 26/12/1400هـ على لسان الأستاذ محمد ناصر الحمضان وكيل وزارة الأوقاف، أن هناك خطة لتجويع المسلمين اللاجئين في أوغندا والصومال وكينيا، لتركيعهم وإدخالهم في النصرانية، تقوم على منع المساعدات الإنسانية عنهم حتى يقاربوا الموت ثم إرسالها لهم باسم التبشير النصراني. ومن أخبار آسية أن هناك مؤامرة كبرى للتنصير في إندونيسيا خلال سنوات، كما أن مؤتمرًا عقد من أجل هذه الغاية.

إن التنصير -في هذا القرن- من أشد التحديات وأخطرها التي تواجهها الأمة الإسلامية، وعلى المسلمين أن ينتبهوا إلى هذا الخطر فيقضوا على بواعثه!

7- الاحتلال:

وهذا تحد آخر يواجه المسلمين، إنه الاحتلال بكل أشكاله، من العسكري في أفغانستان وأوغندا والصومال وإريتريا وفلسطين ولبنان وسوريا إلى الاحتلال الحديث الذي اتخذ صورة المعاهدات السياسية والعسكرية مع الأطراف الدولية العظمى كمعاهدات الروس مع سورية والعراق واليمن الجنوبي ومعاهدات الأمريكان مع الصومال وبعض الإمارات العربية، إلى الاحتلال الثقافي الذي تمثل في صورة الاستلاب الثقافي والانهزام الفكري أمام حضارة الغرب وثقافة الشرق، فنشأت أجيال ترى قدوتها الثقافية في أولئك ... وإلى الاحتلال الاقتصادي المتمثل في استغلال الثروات والموارد الطبيعية إن الاحتلال بكل صوره، من جملة التحديات التي يجب أن يحسب لها حساب في المواجهة المنتظرة.

8- وأخيرًا.. لبنان:

كان مقدرًا للبنان أن يكون النموذج الأمثل للديمقراطية البرلمانية الغربية، ولكن قدره جعله جارًا لإسرائيل وسوريا على السواء وهكذا سقط صريع شروطه الطبيعية، فبعد أن كان يسعى إلى الريادة السياسية في الوطن العربي، إذا به يصبح الهم العربي التالي مباشرة لهم فلسطين، حتى صرح أحد القادة بأن طريق تحرير فلسطين يمر عبر لبنان!!

وهكذا صار لبنان أمثولة بالغة الفظاعة على إخفاق الحرية والديمقراطية على حد سواء: كما شكل بنزيفه الدائم جرحًا رديفًا للجرح الفلسطيني في قلب العالم العربي.

التراجعات:

كل تلك التحديات والمشكلات خلفت وراءها انتكاسات رهيبة سببت تراجعات هائلة في مسيرة الأمة الإسلامية، فالضعف القاتل الذي أصاب الأمة بعد سقوط الخلافة، وانفراط عقدها حبات صغيرة متناثرة، أطمع الاستعمار الحديث بالسيطرة الفعلية وهكذا دخل تحت السيطرة التامة معظم الدول الإسلامية من الهند والصين حتى المغرب ومن ألبانية حتى غانا، وهكذا أفرز الاحتلال العسكري:

• دولًا صغيرة مستعمرة، ومتخلفة اقتصاديًا وثقافيًا، وخاضعة عسكريًا لنفوذ الدولة المحتلة.

• حدودًا مصطنعة بين أجزاء الجسد الواحد، كما حدث بعد سايكس- بيكو وتقسيم الوطن العربي إلى دويلات صغيرة.

• كيانًا هزيلًا دخيلًا، سرطانيًا، هو إسرائيل، أسهم في تخلف العالم الإسلامي باستنزاف طاقاته المادية والبشرية.

• عملاء مأجورين يأتمرون بأمر المحتل في حضوره وبعد غيابه.

• عقائد وافدة وأفكارًا منحرفة، دخل بعضها مع الاستعمار وبعضها الآخر مع عملاء الشيوعية العالمية، والاستعمارية الغربية.

• مشكلات مستحدثة كالدعوات العنصرية من القومية السورية إلى الآشورية والفينيقية والفرعونية والبربرية والكردية، وحتى الأرمنية!!

• اتجاهات مذهبية خطرة، سببت نزاعًا طائفيًا حادًا كما في سورية ولبنان وأخيرًا في مصر.

• تيار التغريب الذي اتخذ شكل الهجوم على حقيقة الدين الإسلامي ومكانة اللغة العربية الفصحى كما نجد ذلك عند سلامة موسى في مصر وسعيد عقل في لبنان.

• ضرب الحركات الإسلامية الواعية الواعدة، كما حدث في مصر من ضرب الإخوان المسلمين على أيدي فاروق وعبد الناصر والسادات، فاستشهد الإمام البنا رحمه الله وعلقت المشانق لأول مرة لإعدام المسلمين كالفرغلي وعبد القادر عودة ويوسف طلعة ومن بعد سيد قطب وهواش وعبد الفتاح إسماعيل رحمهم الله جميعًا.

• دخانًا أثاره بعض عملاء الاستعمار الحديث في وجه الفكر الإسلامي النقي، لإضعاف أثره في النفوس وسحبه من الواقع العملي. 

• دعوات حزبية منحرفة تمامًا على أيدي العملاء، كزكي الأرسوزي «بعثي» وأنطوان سعادة «قومي سوري» وخالد بكداش «شيوعي روسي» وجورج حبش «قومي عربي».

النجاحات:

تلك الصفحات سوداء في الكتاب الإسلامي الضخم، نأمل أن يتجاوزها المسلمون ويحلوا غيرها أفضل منها، وهنا تلوح في الأفق بوادر الخير وملامح الضياء، فتستشف الأرواح المؤمنة من خلالها مطالع الرحمة والنور في بداية هذا القرن المباركة، وهي في حقيقتها بؤر ونويات، ولكن الاستقطاب الإسلامي العام الزاخر سوف يحيلها إلى كيان بارز بإذن الله تعالى، ونذكر منها:

1- الانتشار الإسلامي:

إنه على الرغم من الانتكاسات الحضارية للمسلمين، ورغم التراجعات المستمرة في مواجهة التقدم الصناعي للغرب، ورغم الواقع المرير للمجتمعات الإسلامية -إلا ما ندر-إنه رغم ذلك كله، يمتد الإسلام وينتشر وخاصة في الغرب والشرق الأقصى-اليابان- وأفريقيا، رغم حملات التشكيك والإرهاب، وقلة الترغيب المادي للمسلمين الجدد، إلا أنها بشارة خير في فاتحة هذا القرن المبارك إن شاء الله.

2- انهزام الفكر القومي:

وعلى صعيد مقابل تمامًا، نرى انحسارًا واضحًا للفكر القومي الذي أخذ امتداده في الخمسينيات على يد الناصرية البائدة، هذا الفكر الذي ضلل قطاعات واسعة من الجماهير العربية، أثبت بتخلفه وقصوره أنه ليس أكثر من دعامات هشة عصفت بها الريح عند أول مواجهة حقيقية، وهكذا جلب هذا الفكر المتعصب أفدح هزيمة للأمة حين سلم إسرائيل بمنتهى الجبن والخسة والغباء، ضعفي المساحة التي كانت تحتلها، ثم أتم الفكر القومي على يد البعث ما بدأته الناصرية فأضاف إلى هزائم الأمة هزيمة جديدة، حين سلم للعدو أمنع خط دفاعي في الجولان عام 67 وثنى بتسليمه أكثر من ثلاثين قرية حدودية في حرب تشرين المزعومة.

3- انفضاح الفكر الشيوعي:

وسقط الفكر الشيوعي في خطأ التحليل بعد أن سقط في خطأ النظرية، فكان الشيوعيون «العرب!!» أدوات غبية في يد الاستعمارية الشرقية لتمرير المخطط السوفييتي، في أحلام السيطرة على مصادر الطاقة والوصول إلى المياه الدافئة، وأبرز دليل على خياناتهم لقضايا الأمة موقفهم من قضية فلسطين والوحدة، وتحالفهم مع البعث السوري يفضح يساريتهم المزعومة، إن الوعي الإسلامي قد فضح هذا الفكر الدخيل وأسقط من الحساب.

4- سقوط الدكتاتوريات:

وبدأ سقوط الحكومات التي أتت بها الديكتاتوريات العسكرية منفرجًا آخر أمام تقدم الوعي الإسلامي، حيث كانت الناصرية التي اعتمدت العسكرية أساسًا للحكم إضافة إلى أجهزة الأمن المختلفة، سدًا مرعبًا أمام نفوذ الفكر الإسلامي، ولكن هذا الفكر أثبت بصلابته وعزيمته وثقته أن الكلمة المؤمنة الشجاعة تهزم كل ما أعد الطغاة من وسائل القهر، وهكذا عاشت كلمات سيد قطب رحمه الله بينما اندثر كل ما شاهده طغاته القتلة والمهرجون.

5- الصحوة الإسلامية:

وعلى هذا المنحى جاءت الصحوة الإسلامية العامة التي انتابت العالم الإسلامي كله، على شكل عودة واعية إلى أصول الدين القويم والحمد لله، وما هذه الآلاف المؤلفة من الشباب المؤمن الواعي إلا الصورة الناصعة والدليل الواضح على حيوية الإسلام وقدرته على التفاعل مع الحياة... إنها صبغة الله وفطرته، وويل لمن يقف في وجهها!

6- حركات التحرر الإسلامي:

لم تكد شمس القرن الرابع عشر تغرب حتى كان للمسلمين حركات تحررهم المستقلة، ذات الخصائص المتميزة، فبعد أن كان الاتجاه في الأربعينيات وطنيًا وفي الخمسينيات والستينيات اشتراكيًا، انقلب إلى إسلامي صراح، وهكذا خرجت من ثوب الإسلام حركات فتية، تطرد الاستعمار الخارجي، وتطارد عملاءه في الداخل، وتطالب بتحكيم الإسلام نظام حكم ومنهج حياة.

وعلى هذه الخطة الحميدة والسنة الطيبة، قامت ثورة الشعب الأفغاني المسلم ضد الاحتلال الروسي البشع، وأثبت الأفغانيون رغم ضعفهم واختلافهم أحيانًا، أن الإيمان مع الإرادة أقوى من كل الماديات، وهكذا استمرت الثورة سنتين ولا تزال تزداد ويشتد عودها حتى يدحر المستعمرون وتطهر البلاد من عملائهم بإذن الله.

ولم يكن الأمر في سورية مختلفًا، إلا من حيث أن العدو كان داخليًا وإلا فإن العداوة واحدة وملة الكفر واحدة أيضًا، ما دام الجميع يعلن كلمة الكفر ويصرح بها، وهكذا انفجرت منذ أكثر من أربع سنوات ثورة إسلامية، أثبتت جدارتها وحقها في الاستمرار لأنها عبرت عن روحية الإسلام الصحيح وروح الشعب السوري المسلم.

وفي الفلبين، استمرت ثورة جبهة مورو الإسلامية تناجز الصليبية المتعصبة المتمثلة في ماركوس الطاغية المغرور ولا تزال أنباء انتصاراتها تتوالى والحمد لله رغم التعتيم والمحاصرة وهي مستمرة منذ 1972 بلا ملل ولا تراجع، لأن الإسلام هو محركها الفعلي.

وفي إندونيسيا، بدأت بوادر الثورة ضد طغيان الحكم العسكري الذي مال إلى الغرب تمامًا وسمح للمبشرين بالعمل بين المسلمين «يراجع العدد الماضي» وإفريقية الآن حبلى بالثورة الإسلامية التي تبغي الانطلاق من إسار الحكام الذين خرجوا من رداء الكنيسة وانبطحوا أمام الغرب الاستعماري وكبحوا التطلعات الإسلامية.

وهناك طموحات..

بعد هذه الجولة العامة بين سلبيات العالم الإسلامي وإيجابياته، هل نستطيع استشفاف المستقبل -وهو في علم الله- من خلال استقراء المعطيات التي بين أيدينا؟! إن التفاؤل من صفات المؤمنين ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون!! وهكذا، وبعد النكسات المتوالية يستبشر المؤمن بهذه البشارات التي ذكرنا بعضها في نجاحات العالم الإسلامي، ومن هذا الواقع المبشر ينطلق المسلم في أحلامه وآماله، وليست حقائق اليوم إلا أحلام الأمس، فلم لا تكون أحلام اليوم حقائق الغد؟! وعلى هذا فإن العالم الإسلامي يأمل في أشياء كثيرة:

• التحرر الداخلي:

إنه يأمل أن يتحرر داخليًا من الضغوط المختلفة التي تمارسها عليه جهات عدة، فإنه نجم فيه -للأسف الشديد- ناس من أبنائه، زادوا في بلائه!! فكان فيهم دعاة على أبواب جهنم يكون الناس فيها، فسمع المسلمون بدعوات ومذاهب شاذة، كالشيوعية والاشتراكية والقومية والوجودية والفرعونية والفينيقية ... إلخ.

وقد أسهمت هذه الدعوات وأصحابها في زيادة الانشقاق بين المسلمين إضافة إلى عوامل أخرى كالمذهبية..

• الانعتاق محليًا وخارجيًا: ولذا فهو يأمل في انعتاق كامل من هذا الإسار لينطلق من جديد داعيًا إلى الخير ومبشرًا به بين الأمم.

• الاتحاد العالمي: وليصل من خلال حركته في التوحد، إلى تجميع شظايا العالم الإسلامي التي تناثرت بعد عهود الانحدار والتراجع.

• الحكم بالإسلام: طامحًا من خلال ذلك إلى العودة ثانية للحكم بما أنزل الله، رافعًا لواء العدل، ناشرًا راية الرحمة والحرية.

• التبليغ والدعوة: ليبلغ الناس جميعًا دعوة الحق، ويدعوهم إليها لتتخلص الإنسانية كلها من آثام المادية والإلحاد المستشرية!!

والعالم الآخر:

هذا ما يجري على مجمل الساحة الإسلامية، ولكن لأن الموضوع متصل، فإن له امتدادًا إلى الساحة العالمية، ذلك أن موضوع الإسلام هو قضية الساعة التي تشغل كافة الدوائر ولهذا فقد سمعنا بأخبار الانتعاشة الإسلامية في أبعد الأماكن عن الإسلام وهي بلاد الشيوعية الروسية والصينية.

• روسيا:

ففي بلاد المسلمين التي احتلها الروس يوجد خمسون مليون مسلم مروا بمرحلة التذويب الشيوعي خلال نصف قرن من الزمن ولكن ها هم أولاء يثبتون هويتهم الإسلامية بعد المحو فقد حدث أن انضم بعض الجنود المسلمين الروس في أفغانستان إلى المجاهدين وفر ثلاثة من الطلاب المسلمين من جمهورية أوزبكستان من الاحتياط إلى المجاهدين كما أقبل بعض الجنود على اقتناء المصاحف سرًا ومقابل حاجاتهم وأسلحتهم، وحدثت صراعات بين المسلمين الوطنيين والروس الدخلاء في مدن آسيا الوسطى وكانوا يقولون لهم «انتظروا قدوم الصينيين وسنخضب الجدران بدمائكم!!».

• الصين:

وتحتل الصين مقاطعة سنكيانغ وهي تركستان الشرقية وشعبها مسلم متمسك بعباداته التي يعتبرها جزءًا من مقاومته للاحتلال الصيني، وقد أعطت السلطات -بعد موت ماوتسي تونغ- بعض الحرية للمسلمين، ومن مظاهرها، برقية أرسلها المسلمون الصينيون باسمهم احتجاجًا على الغزو الروسي لأفغانستان.

أوروبا الشرقية:

وفي أوروبا الشرقية- وخاصة في يوغوسلافيا- للمسلمين وجود وشخصية وحركة، ومع نمو الاتجاه الديني في بولندا كان للمسلمين نصيب من الانتفاع بهذا النفوذ الذي تمارسه الكنيسة الكاثوليكية هناك!!

وفي الغرب صحوة!!

وحتى الغرب نفسه، صار القوم فيه ينتظرون الخلاص يأتيهم من الشرق، ألم يقل مفكروه من قبل «إن النور يأتي من الشرق»؟

ولذلك فإن مجتمعاته المختلفة تتطلع إلى زاد روحي فقدته بحضارتها المادية الخانقة وما زال الإسلام قادرًا على تقديمه للأمم جميعًا، شرط وجود المخلصين من المؤمنين! وأوروبا نفسها تأمل ذلك بل تتوقعه، كما قال الكاتب الإنكليزي الشهير برنارد شو «إن أوروبا حبلى بالإسلام ولا بد أن تلد به» وقد جاء في الأخبار أخيرًا، أن ألفي رجل صلوا الجمعة في مدينة كولونية بألمانيا الغربية، وأن في بريطانيا حركة دعوة وتبليغ على نطاق واسع، وفي باريس وحدها يعيش مليون مسلم، وقد حج منهم هذا العام ما يزيد على ستمائة حاج!! وقد اعتبر الإسلام في فرنسا الديانة الثانية واعترف به رسميًا!!

وحتى في أمريكا، تجد للإسلام دعوة ودعاة، وأماكن عبادة ودخول في دين الله بالأفواج.

على أي شيء يدل هذا إن لم يدل على خير منتظر ورحمة مرتقبة؟!! فمرحبًا بالقرن الهجري الجديد وأهلًا به على طريق العزة والرفعة للإسلام والمسلمين.

الرابط المختصر :