; ذكاء الأطفال.. فطرِيّ.. أم مكتسب؟ | مجلة المجتمع

العنوان ذكاء الأطفال.. فطرِيّ.. أم مكتسب؟

الكاتب إيمان محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 14

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

  • علماء النفس والتربية والاجتماع: الظروف التربوية والنفسية والاجتماعية غير السليمة تسبب غباء الأطفال

الغباء أو ما يسمى بالتخلف أو الكسل العقلي الذي يصيب الأطفال في مهدِهم أصبح ظاهرة تثير القلق والاضطراب لدى كثير من الأسر، فقد تُفاجأ الأم بمولودها قليل الذكاء، ولا تحسن التصرف، ما أسباب ذلك؟ وما العلاج الناجع؟ سؤال أجابت عنه عدة دراسات نفسية وتربوية وكان آخرها الدراسة المتميزة للدكتور وليم عبيد - أستاذ التربية بجامعة عين شمس - حيث ذكر أن الغباء - كما ورد في مختار الصحاح - هو قلة الفطنة، والغبي هو قليل الفطنة، وفي قاموس وستر: الغباء هو قصور في الفهم ونقص في الاستيعاب وكسل في نشاط العقل.

وأكد د. وليم في دراسته أنه يمكن تهجين الذكاء من منظومة الذكاء الفطري والذكاء الاصطناعي، مما يجعل تنمية الذكاء تحت سيطرة واختيار الإنسان، وسوف يفتح «الذكاء الهجين» آفاقًا جديدة للطفل من الخيال والذكاء، والإبداع والذاكرة الخالية من التشوشات والضوضاء التي تشوب الذاكرة العادية.

وأوضح أن قضية الغباء تحتل اهتمامًا كبيرًا من فکر الإنسان، وأن الثورة التكنولوجية المعاصرة تأتي لتقدم لنا منظورًا تفاؤليًا من خلال استخدام الكمبيوتر المزود ببرامج تستند إلى الذكاء الاصطناعي لتحويل قاعات الدراسة إلى مزارع فكر بشري، تعمل على نمو ذكاء الطفل، حيث يتفاعل الذكاء الطبيعي للطفل مع إمكانات الذكاء الاصطناعي.

ويعرف الذكاء الاصطناعي بأنه تمكين الآلة من أن تقوم بعمل أشياء تتطلب ذكاءً إذا ما قام بعملها بشر، ومن ثم يصبح لزامًا علينا أن نبحث عن تيسير وسائط وأساليب التعليم التي تتحول بها مدارسنا لإيقاظ طاقات الإبداع الكامنة عند أطفالنا وشبابنا، وتقدم لنا إمكانات الذكاء الاصطناعي وهندسة المعرفة التي تستهدف تسريع القدرة على النمو المعرفي بدءًا من المراحل المبكرة في التعليم.

ويضيف د. وليم عبيد: إن فكرة استثمار «حوسبة» تستند إلى بيئة التعليم ونظريات متطورة ترى بإمكانية تسريع نمو الطفل، فعلى النقيض من نظرية «بياجيه» التي تقول بمراحل نمو ثابتة لا يمكن للطفل أن يتجاوزها تعليميًا وتعلمًا.

وعلى النقيض فإن عالم النفس «فيجوتسكي»، يرى أن التعليم يكون جيدًا فقط عندما يسبق مرحلة النمو، حيث يوقظ التعليم ويبعث للحياة تلك الوظائف التي تكون لا تزال في مرحلة النضوج، وترى هذه النظرية أن الذكاء، نشاط عقلي تجميعي يتم بالاشتراك بين نضوج العقل ومعاونة الآخرين الأكثر قدرة منه لكي تمكنه من القيام بعمليات عقلية تتجاوز قدراته الفطرية، ويرى أصحاب هذه النظرية أن أوجه القشور في المراحل المبكرة عند الطفل تعود إلى قصور في المنهج، أو العوامل الثقافية والاجتماعية المحيطة بالطفل.

ويرى د. وليم أن هذا المنظور له نتيجة مهمة جدًا، وهي إمكانية أن يقوم الذكاء الاصطناعي تدعيمًا للذكاء الفطري عند الطفل من خلال برامج رعاية الذكاء التي تعمل كمنشطات عقلية لاستثارة وتشغيل المهارات العقلية العليا.. هذا وقد التقينا عددًا من خبراء التربية والاجتماع وعلم النفس لإلقاء مزيد من الإيضاح حول هذه الظاهرة وتداعياتها.

إعادة التأهيل

يقول د. أحمد المجدوب الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: إن الذكاء يولد مع الطفل، فالطفل بطبيعته ذكي، ولكن قد يخضع لبعض الظروف التي تحط من مستوى ذكائه، فما نراه حولنا من معاملات سيئة وغير متحضرة في ميدان العلاقات الأسرية وغيرها من ميادين الحياة يصيب الطفل بصدمة تجعله يقف حائرًا لا يعرف ما هو صحيح وما هو خطأ، وأيضًا هناك أنواع شتى من الذكاء المكتسب مثل الذكاء الوظيفي والاجتماعي، الذي يكتسبه الطفل عن طريق الممارسة. ولذلك فإن أهم مرحلة في حياة أي إنسان والتي من خلالها تتشكل أدواته الإدراكية هي مراحل الطفولة، وبخاصة السنوات الأولى من عمره، حيث يكون عقل الطفل صفحة بيضاء، كالكمبيوتر يخزن أكبر قدر من المعلومات ويلتقط ما يحدث حوله بسرعة هائلة.

ومن هنا يجب على الوالدين أن يشجعا الأبناء على الاطلاع والتعامل مع الطفل بأسلوب لَبِقٍ مع مزج الرقة بالصرامة، ولكن بدون أن ترهب الطفل أو تعامله بقسوة، فقد ثبت في كثير من الأحوال أن القسوة تؤدي إلى نتائج عكسية، وتجعل الأطفال مشاكسين ومعاندين، فالتفاهم وسيلة - إذا استخدمت بذكاء - أحدثت نتائج إيجابية بأقل مجهود ممكن.

ويدعو د. المجدوب إلى بذل المجهود من أجل إعداد محاضرات وبرامج للتوعية بأحدث أساليب إعداد العقول ورفع القدرات الذهنية، وذلك من خلال ما يسمى بإعادة التنشئة الاجتماعية، أو إعادة التأهيل العقلي.

التخلف العقلي

أما الدكتورة رفيقة حمودة - عميدة كلية التربية بالبحرين سابقًا والخبيرة باليونسكو - فإنها لا تعترف باسم «الغباء»، ولذلك تسميه «التخلف العقلي»، وهو يعني حالة من توقف أو عدم اكتمال النمو العقلي عند الفرد بالنسبة لعمره الزمني بالسنوات، ومعنى ذلك أن تصرفات الطفل البالغ من العمر 7 سنوات مشابهة أو مطابقة لتصرفات الطفل البالغ 3 سنوات، وهذا يرجع إلى نقص بالغ أو تلف أو عجز يصيبه، وبالتالي يؤثر على أدائه لوظائفه بكفاءة، ويكون ذلك نتيجة لعوامل عدة، قد تكون وراثية أو خلقية أو عوامل مكتسبة يصبح من الصعب الشفاء منها، كأن يصبح بطيء التعلم، وغير قادر على أداء دوره الاقتصادي والاجتماعي في الحياة.

وتستطرد قائلة: ومن المعروف أن هناك فروقًا فردية بين المتخلفين عقليًا، حيث نجد فئة بطيئة التعلم وأخرى لديها قابلية للتعلم أو التدريب، وثالثة تسمى فئة التخلف المتوسط، والرابعة تسمى فئة التخلف الشديد، وهؤلاء غير قادرين على حماية أنفسهم من الأخطار.

وعن أسباب وعوامل التخلف يأتي في مقدمتها - كما تقول د. رفيقة - العوامل الوراثية، وهي تنتقل عن طريق الأهل والأقرباء، من خلال موروثات شاذة حاملة لجين شاذ يؤدي إلى التخلف، وأيضًا في بعض الأحيان يكون لتقدم سن الوالدين - خاصة الأم - أثر في حدوث «المنغولية»، حيث يولد الطفل حاملًا لصفات شاذة خلقيًا، وإذا حدث خلل في الجهاز العصبي تحت أي أسباب يصبح من المحتمل حدوث التخلف. ومن المعروف أن حالة الأم أثناء وبعد ولادة وما يطرأ عليها من علل وإصابات مثل الحصبة الألمانية في الشهور الأولى، وغيرها قد يصيب الجنين بالتخلف العقلي.

أما العوامل النفسية، فلها نصيب كبير في حدوث التخلف العقلي، وأكدت الكثير من الدراسات أن هناك علاقة بين ثقافة الآباء ومستواهم الاقتصادي والاجتماعي ومدى النمو العقلي عند الأطفال.

وأشارت الدراسات إلى أن الأسرة تلعب دورًا كبيرًا في حياة الطفل، خاصة السنوات الخمس الأولى من عمره، ولذا يجب على الأم أن تلاحظ الطفل لتتعرف على أي ظاهرة تنبئ بوجود تخلف، سواء في النواحي الجسدية أو النفسية، وذلك بغية التفكير في المعالجة السريعة، وعليها إذا تأكدت من وجود هذا التخلف أن تتقبله بواقعيته لتساعد الطفل على النمو في مختلف مراحله النفسية الاجتماعية للوصول لأفضل مستوى ممكن، وأيضًا تهتم بالنواحي الصحية والتغذية السليمة لأن نقص الفيتامينات يؤدي إلى خلل في نمو الطفل أو وقف نموه، وتصبح الألعاب التربوية وسيلة مهمة يجب أن يحرص الآباء على توفيرها للأبناء، وخاصة تلك التي تساعد على نمو قدرات الملاحظة والانتباه وتحسين الحواس ليميز بين الألوان والأشكال للتعرف على خصائصها، حيث ثبت أنه عن طريق الحواس تنمو القدرات العقلية وبخاصة الألعاب التي تنمي العلاقات المنطقية بين الأشياء، ويجب على الأسرة أن تكسب الطفل عاداته اليومية التي تجعل منه فردًا قاردًا على تحمل المسؤولية، معتمدًا على نفسه في نظافته ومأكله ومشربه.

أما د. عزة كريم - أستاذة الاجتماع الأسري - فتقول: إن الذكاء غريزة طبيعية لدى الإنسان ولكننا نتسرع في الحكم على الطفل بالغباء إذا طالبناه بأداء أعمال تفوق قدراته العقلية والجسمانية (أي أكبر من سنه)، وهذا ما يعرضه للفشل في أدائها، وأيضًا من الخطأ الحكم على الأبناء بالذكاء، وجعله موقوفًا على النجاح في الدراسة والمذاكرة، فقد يكون الطفل ذكيًا ولكن هناك أشياء خافية علينا تجعله يقصر في المذاكرة والتحصيل العلمي، فيجب أن نضع أعيننا عليها قبل أن نوجه له الاتهام بالغباء.. وهذا ما يجعلنا نقول: إنه لا توجد اختبارات للذكاء تجري في نطاق الأسرة للتعرف على مستوى ذكاء أبنائها.

ويجب على الأسرة من خلال تعاملها مع أبنائها أن تنمي الذكاء لديهم من خلال حثهم على حفظ أرقام وموضوعات معينة، مثل الأناشيد وممارسة الألعاب التي تنمي قدرتهم على التركيز والانتباه، وتقوم بإعطائهم الجوائز والحوافز المعنوية والمادية، وتغلف لهم المعلومة في قالب قصصي محبب لهم، فهناك الكثير من الأطفال لديهم قدرات ذهنية وعقلية لم تنم بعد.

تنمية خريطته الإدراكية

وتفرق د. عبلة الكحلاوي - أستاذة الفقه بجامعة الأزهر - بين الذكاء والذاكرة، فالأخيرة تعني القدرة على الحفظ أما الذكاء فهو القدرة على حل المشاكل بصورة أفضل.

والأم الواعية هي التي تلاحظ أبناءها جيدًا لتقف على مستواهم وقدراتهم العقلية، وللمدرسة أيضًا لها اليد الطولى في ذلك، ومن المتعارف عليه وجود فروق متباينة بين مستويات ذكاء الأطفال في السن الواحدة، حيث نجد أن هناك طفلًا تتجه ميوله إلى العلم والمعرفة فيصبح أكثر ذكاء ونباهة من طفل آخر يميل إلى اللهو واللعب.

ولذلك فعلى الأم أن تنمي من أداة التفكير والتدريب لدى طفلها من خلال المناقشة، وحتى يمكن تنمية خريطته الإدراكية، وانشغال الآباء والأمهات والمدرسين عن أداء هذا الدور يحد من مستوى الأطفال وقدراتهم على الاستيعاب وينخفض بالتالي مستوى ذكائهم.

والأم هي عماد ذلك كله، فالأم التي تحدث عنها القرآن الكريم هي ذات النفحات الربانية والحس الصادق بأبنائها، فتتابعه ولا تتركه في الحضانة دون رعاية وملاحظة واهتمام، حتى تلاحظ أي جديد على حياته، سواء كان حسنًا أم سيئًا وتقوم في الحال بعلاجه وتقويمه.

الرابط المختصر :