العنوان د. نزار السامرائي: حلم إعادة الإمبراطورية الفارسية.. بين التخطيط والواقع
الكاتب سارة علي
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 79
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 24
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
أمريكا حليف رئيس لإيران في تحقيق حلمها
واشنطن لا ترى في البرنامج النووي خطراً مباشراً عليها
العرب قادرون على وقف المشروع الإيراني.. لكن للأسف لا يوجد موقف عربي موحَّد
ـ هناك صراع بين طبقة رجال الدين التي تحكم باسم ولاية الفقيه وآخرون لا يؤمنون بهذه النظرية
عجز الزعامة الإيرانية عن إخضاع القوميات يشكِّل عائقاً أمام مخططها
العراق تحول لحديقة خلفية لإيران بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003م
الحلم الإيراني منذ عهد "الخميني" قام على تصدير الثورة
الإمبراطورية الفارسية, وحلم النفوذ الإيراني الممتد في أطراف مترامية من الوطن العربي, وسبل إيران لتحقيق هذا الحلم, ودور المنطقة العربية في الحفاظ على هويتها وتعزيز أطر التعاون فيما بينها لدرء هذا الخطر الزاحف.. كل هذه المحاور تناولناها في حوارنا مع د. نزار السامرائي، الباحث في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية وفي وكالة الاستقلال للأخبار، وهذا نص الحوار:
ما مخططات إيران في سبيل تحقيق حلمها في إحياء الإمبراطورية الفارسية؟ وهل تعتقد أن حلمها هذا بدأ بعد إسقاط الشاه عام 1979م، أم أنه كان قبل ذلك؟
- منذ وصول "الخميني" إلى السلطة في فبراير 1979م، اعتمد شعار تصدير الثورة إلى شتى أرجاء العالم، واستبدل النظام الجديد الإستراتيجية التي اعتمدها شاه إيران، والتي كانت تتلخص في الاعتراف بإيران شُرطياً لمنطقة الخليج العربي، وقوة ضامنة لتدفق الطاقة منها إلى مختلف أرجاء العالم.
أما إستراتيجية النظام الجديد، فقد وسَّعت من دائرة اهتمامها لتشمل العالم كله، انطلاقاً من مفهوم تصدير الثورة استناداً إلى مبدأ ولاية الفقيه، أي أن الولي الفقيه فرض نفسه ولياً لأمر المسلمين، بصرف النظر عن المذهب الذي ينتمون إليه، أي بعبارة أخرى فرض التشيُّع ممثلاً للدين الإسلامي في العالم، فأراد أن يلبس الإمبراطورية الفارسية الجديدة لباساً دينياً، مستخدماً العرب كمادة للتحرك في مختلف القارات، وقد ثبت الدستور الإيراني هذا المفهوم بموجب نص المادة الحادية عشرة والتي جاء فيها: "بحكم الآية الكريمة (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء:92) يعتبر المسلمون أمة واحدة، وعلى حكومة جمهورية إيران الإسلامية إقامة كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي".
أمريكا وإيران حليفتان
هل تعتقد أن أمريكا حليف رئيس لإيران بحيث تساعدها على تحقيق هدفها في الإمبراطورية الفارسية؟
- يمكن أن نطرح السؤال بالآتي: هل تحتل إيران في الإستراتيجية الأمريكية مكانة تتقدم فيها على مكانة الدول العربية مجتمعة بما في ذلك الدول التي تحتفظ بعلاقات خاصة جداً مع أمريكا؟ نستطيع القول من دون تردد: إن الدول الكبرى تريد التخاطب مع أقل عدد ممكن من الدول طالما أن ذلك يحقق لها نفس الأهداف، فإيران دولة واحدة ولها قيادة واحدة، مع التأكيد بأنها تنفذ سياسة مزدوجة وبأكثر من صوت، إلا أنها في النهاية تتخذ قراراً واحداً على مستوى الدولة، في حين أن العرب وحتى داخل مجلس التعاون الخليجي يتكلمون بأكثر من لغة، ويتخذون أكثر من موقف، ولهذا فالغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً حريصة على استعادة إيران إلى منظومة التحالف الغربي أو على الأقل تحييدها وتليين خطابها السياسي، وهناك عشرات الشواهد على برجماتية نظام الولي الفقيه، من خلال موافقة "الخميني" شخصياً على شراء السلاح من "إسرائيل" أثناء حرب الثماني سنوات مع العراق، أما صفقة "إيران جيت" والتي تضمنت كميات كبيرة من الأسلحة الفتاكة في أعقاب زيارة "روبرت ماكفرلين"، مستشار الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان" لشؤون الأمن القومي عام 1986م، فهي التأكيد القاطع على أن هناك مياهاً جارية في مسالك سرية بين واشنطن وطهران.
إذا كانت أمريكا مع الحلم الإيراني، ألا يؤثر ذلك على مصالحها في المنطقة ومصادر الثروات والنفط إذا سيطرت إيران على تلك الخيرات؟
- يمكن أن تخسر الولايات المتحدة جانباً من مصالحها في منطقة الخليج العربي بسبب علاقاتها المتميزة مع إيران، إلا أنها تعرف أنها لن تخسر شيئاً كبيراً؛ لأن الدول العربية بحاجة إلى الدور الأمريكي في مواجهة التحديات التي تواجهها، أمريكا تعمل لعشرات السنين وربما لمئات السنين، ولهذا فهي تحسب الوضع بصورة شاملة وتقارن بين الربح والخسارة.
البرنامج النووي الإيراني
الملف النووي الإيراني، هل هو هدف رئيس لأجل الوصول إلى تحقيق الحلم الإيراني في الإمبراطورية؟ ولماذا لا تأخذ أمريكا موقفاً حقيقاً منه؟
- البرنامج النووي الإيراني برنامج ذو صبغة عسكرية صرفة، وإيران وإن حاولت اللعب على النهايات السائبة منه، إلا أنها ترى فيه معركة مصيرها في إخضاع دول الخليج العربي لإرادتها، ومن ثَم توظيفه في خطتها للهيمنة الإقليمية من دون منازع، أما الموقف الأمريكي فقد ظل يصطدم بمحاولات روسيا للعودة إلى الساحة الدولية كمركز استقطاب ثانٍ في مواجهة الولايات المتحدة، ولهذا فقد وجدت واشنطن في محاولات موسكو مصدراً يحُول دون قدرتها على الحد من سرعة البرنامج النووي الإيراني.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن واشنطن لا ترى في البرنامج النووي خطراً مباشراً عليها ولا على "إسرائيل"؛ بسبب التفوق الهائل في القدرة النووية بين تلك الأطراف، أما الوطن العربي الذي لما خسر فرصته الحقيقية بالتآمر على البرنامج النووي العراقي، فقد ظل معتمداً على التعهدات الغامضة التي منحتها الولايات المتحدة لدول المنطقة في مواجهة التهديد النووي الإيراني المحتمل.
صراع بين رجال الدين
هل توجهات الشعب الإيراني تتوافق مع آراء وتوجهات الحكومة الإيرانية في استعادة الإمبراطورية؟
- علينا ألا ننظر إلى إيران على أنها دولة متماسكة من الناحيتين العرقية والمذهبية، في إيران شعوب تنتمي إلى أعراق مختلفة، فهناك الفرس وهم أكبر مكون في إيران، ولكنه في النهاية يمثل أقلية صغيرة إلى مجموع الشعوب الإيرانية، وهناك الترك الآذريون، وهناك الأكراد والبلوش والعرب، ومع أن التشيُّع تم فرضه قبل عدة قرون على إيران، إلا أن التنوع المذهبي ما زال يشكِّل دليلاً على إخفاق التشيُّع أن يبسط سيطرته على الأكراد والبلوش وجانب من العرب والتركمان، غير الترك الآذريين، كما أن هناك صراعاً بين طبقة رجال الدين التي تحكم باسم ولاية الفقيه ورجال الدين الذين لا يؤمنون بهذه النظرية، أما خارج المؤسسة الدينية فهناك قوى سياسية تقف بقوة ضد توجهات زج الدين في السياسة، معتبرة ذلك محاولة لإسكات المعارضين بقوة القمع التي تمثلها الفتوى الدينية، على ذلك من المستحيل وفي غياب الرأي الحر القول: إن هناك إجماعاً على موقف واحد بشأن سياسات النظام الطائفي في طهران.
دور الأحواز
الشعب الأحوازي ألا تتوقعون منه أن يكون له دور في المستقبل للحد من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة؟
- على الرغم من كل ما يواجهه الشعب العربي في إقليم الأحواز المحتل من قمع وحملات إعدام منهجية، فإن مقاومته مستمرة منذ أن تم ضمه إلى الدولة الفارسية على وفق ما أفرزته اتفاقية "سايكس بيكو" من ترتيبات، إلا أن عرب الأحواز الذين يتعرضون لحملة تهجير قسري منظمة إلى مناطق أخرى وإحلال الفرس بدلاً منهم، يؤكدون عروبتهم في كل المناسبات والظروف، ويؤمنون أن إيران تنهب ثروتهم النفطية والغازية والتي بها تحاول تركيعهم، وهنا أسجل تقصيراً فاضحاً على العرب الذين لم يمدوا يد المساعدة لأشقائهم عرب الأحواز، إيماناً بعدالة قضيتهم وليس مجرد استخدام سياسي لإرباك خطط إيران التوسعية في المنطقة، على أهمية هذا التوظيف.
إخضاع القوميات
برأيكم، ما أهم العراقيل التي يمكن أن تقف في وجه هذا المخطط الإيراني؟ وكيف يمكن البدء بها؟
- عجز الزعامة الإيرانية عن إخضاع القوميات التي تعيش ضمن الدولة الإيرانية، وتعدد التيارات السياسية، والتنوع المذهبي والقومي تعد من العوامل الرئيسة المانعة لطموح دولة الفقيه أن تبسط هيمنتها على المنطقة؛ لأن دولة فشلت في إقناع الداخل بمثل هذه الفكرة فهي على مستوى الخارج أكثر فشلاً وعجزاً عن إقناع الآخرين بسلامة توجهاتها وبرامجها الأيديولوجية.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن اعتماد سياسة عربية واضحة المعالم في مواجهة التحدي الإيراني تعد الخطوة الأولى اللازمة لإقامة سد طبيعي يمنع إيران من التمدد على حساب الأراضي العربية، كما أن تقليص التجارة مع إيران أو وقفها وملاحقة المؤسسات التجارية التي تعمل تحت واجهات تجارية وسياحية وخيرية، ومواجهة الفضائيات الإيرانية عن طريق وقف بثها عبر الأقمار الصناعية العربية مثل "عرب سات" ونايل سات".. كل ذلك يعد الخطوات الأولى اللازمة لإعادة القوة الإيرانية إلى داخل حدود إيران السياسية، تمهيداً لمطاردة مشروعها السياسي الإقليمي.
الموقف التركي
هل ستقف تركيا مكتوفة الأيدي إذا تحقق ذلك لإيران، أم سيكون لها شأن آخر؟
- تركيا منصرفة بكل طاقتها لتطوير اقتصادها بعد أن أخفقت في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي لا تسعى إلى الدخول في مغامرات أو سياسة المحاور الإقليمية التي تعيقها عن تحقيق هدفها الرئيس؛ وهو الوصول إلى مرتبة متقدمة في الدول صاحبة الاقتصاديات الكبرى في العالم، غير أن تنسيقاً بين مجلس التعاون الخليجي ومصر وتركيا، يجب أن ينهض لمواجهة تداعيات خروج العراق من منظومة الأمن القومي العربي، وتحوله إلى التبعية الأمريكية تارة، وتارة أخرى كحديقة خلفية لدولة ولاية الفقيه، وهي إحدى الحقائق التي أفرزها الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م.
اختلاف العرب
عربياً، كيف يمكن للصف العربي أن يتصدى لهذا التوسع؟
- للأسف الشديد، لا يوجد موقف عربي موحَّد، وحتى داخل مجلس التعاون الخليجي هناك انقسامات لا يمكن إخفاؤها، ومع خروج العراق من النظام الرسمي العربي وتحوله إلى ساحة للنفوذ الإيراني، أعطى زخماً للمشروع الفارسي الذي استغل غياب المشروع القومي العربي، وانشغالهم بالخلافات البينية وترجيحها على التناقض الرئيس مع مشاريع التوسع الأجنبية مثل المشروع الصهيوني والمشروع الإيراني.
هل تعتقد أن إغلاق السودان للمركز الثقافي الإيراني سيكون له انعكاسات سلبية عليها من قبل إيران؟ ولماذا لا تتخذ بعض الدول العربية مثل هذا الموقف؟
- ما قام به السودان جاء متأخراً كثيراً بعد أن نجحت فرق التبشير للتشيُّع في تحقيق جانب مهم من أهدافها، اعتماداً على عوامل تضافرت مع بعضها، وأهمها الفقر الذي يعاني منه السودانيون، فقد كانت المراكز الإيرانية سخية في تقديم الأموال للمتحولين، كما أنها كانت تنظم رحلات سياحية شبه مجانية للشباب السوداني، وكذلك تقبل مئات الطلبة في الحوزات الدينية الشيعية في قُم ومشهد وغيرهما من المدن الأخرى، لكن الخطوة السودانية وإن جاءت متأخرة، إلا أنها جنبت البلاد انقساماً عمودياً يهدد أمنها الأهلي ووحدة أراضيها، ولن تستطيع إيران أن تلحق ضرراً بالسودان إذا ما تحرك الأخير لترميم علاقاته العربية التي ساءت بسبب العلاقة مع دولة الولي الفقيه.
وقف المشروع
هل هناك من نظرة تفاؤلية للحد من هذا المخطط، أم أن الأمر يسير وفقاً للتوجهات الإيرانية؟
- قطعاً هناك تفاؤل بأن العرب قادرون على وقف المشروع الإيراني داخل حدود إيران السياسية تمهيداً للانتقال للمرحلة التالية.
أخيراً، هل العراق اليوم يمثل نقطة الانطلاق تجاه تحقيق الحلم الفارسي؟
- للأسف نعم أصبح العراق جزءاً من المجهود الإيراني للانتشار في عموم الساحة العربية اعتماداً على المليشيات الشيعية المرتبطة بولاء مطلق لإيران، وكذلك اعتماداً على أن إيران وظَّفت العراقيين لإزالة حاجز اللغة الذي كان يقف حائلاً دون التحرك بانسيابية في الأوساط العربية، ولكن هذه الحالة لن تستمر إلى الأبد بحكم معرفتنا بوعي الإنسان العراقي المتمسك بقوميته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل