العنوان د. إبراهيم بيومي مدكور أكاديمي.. وسياسي..ولغوي بازر
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1402
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 30-مايو-2000
عقد مجمع اللغة العربية بالقاهرة مؤخرًا ندوة خاصة لتكريم الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس المجمع الراحل، الذي ظل عضوًا عاملًا بالمجمع تسعة وأربعين عامًا.. ورئيسًا له لمدة إحدى وعشرين سنة، كان فيها واحدًا من كبار الأكاديميين واللغويين، والمناضلين السياسيين في عصرنا.
ولد الدكتور مدكور عام ۱۹۰۲م في قرية أبي النمرس جنوب القاهرة، وحين بلغ سن التعلم، حفظ القرآن الكريم، ثم أتم الدراسة الأولية، وبعد ذلك التحق بالأزهر عدة سنوات، التحق بعدها بمدرسة القضاء الشرعي، التي اجتاز قسمها الأول، ثم التحق بدار العلوم التي نال إجازتها عام ١٩٢٧م.
ولتفوقه حين تخرج اختير لبعثة علمية حكومية إلى إنجلترا، ولكن الخلافات السياسية والصراعات الحزبية آنذاك، حالت دون سفره إلى إنجلترا، بل كانت سببًا في نقله من القاهرة إلى «أدفو» بصعيد مصر، فقد كان هو وكبار أسرته ينتمون إلى حزب لا يرضى عنه الحزب الحاكم في ذلك الوقت، فاستقال من عمله في وزارة المعارف، وسافر إلى فرنسا على نفقته سنة ١٩٢٩م، ليكمل دراسته العليا، وليظفر بما كان يطمح إليه من الجمع بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية، وبعد عام رد إليه حقه، فضم إلى البعثة الرسمية في فرنسا التي قضى بها ست سنوات، تزود خلالها بزاد وغير من الثقافة الغربية في مجالات شتى.. فأتقن اللغة الفرنسية، كما درس الفلسفة، والقانون وتجاوز ذلك إلى علوم شتى ومعارف أخرى.
وحصل على أربع إجازات في المنطق والفلسفة، والاجتماع، والأخلاق، والتربية، وعلم النفس ثم في الاقتصاد.. وكذلك نال ليسانس الآداب من السوريون سنة ۱۹۳۱م، ثم ليسانس الحقوق من جامعة باريس سنة ١٩٣٣م، وأخيرًا نال درجة الدكتوراه في الفلسفة من السوربون سنة ١٩٣٤م.
وفي سنة ٣٥ عاد إلى مصر، وضم إلى هيئة التدريس بكلية الآداب بجامعة القاهرة وانتدب للتدريس ببعض الكليات الأزهرية.. وظل في هذا العمل الجامعي سنتين.. بدأت بعدهما المرحلة الثانية من مسيرة حياته.
مرحلة النشاط السياسي والإصلاحي:
وهذه المرحلة وإن بدأت باختياره عضوًا في مجلس الشيوخ سنة ۱۹۳۷م، فإن لها جذورًا منذ سنة ۱۹۱۹م، حيث اشترك مدكور في ثورة ذلك العام، واعتقل بسبب ذلك بعض الوقت.. ولكن هذه النزعة السياسية الإصلاحية، تجلت بشكل واضح عند مدكور بعد اختياره عضوًا بمجلس الشيوخ، فقد رأى أن يوظف علمه وثقافته في المشاركة في خدمة الحياة العامة والإسهام في الإصلاح السياسي والاجتماعي.. ولأن القانون كان لا يسمح بالجمع بين العمل في الجامعة والتمثيل البرلماني استقال مدكور من الجامعة.
في مجلس الشيوخ:
وفي مجلس الشيوخ تجلت مواهب مدكور السياسية، فقد ظل عضوًا بمجلس الشيوخ نحو خمسة عشر عامًا، اهتم خلالها بالعمل العام في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإصلاحية، فعمل مقررًا للجنة المالية، كما عمل مقررًا للجنة الأوقاف والمعاهد الدينية، وعنى في كثير من اقتراحاته وأرائه السياسية بمراقبة الأداء الحكومي، وتصدى لمحاربة الفساد الذي تورط فيه المسؤولون والرسميون ولو أدى ذلك إلى الاصطدام بأعلى رأس في البلاد، ولهذا تبنى أشهر استجواب سياسي في ذلك العهد، وهو استجواب القانوني الشهير النائب مصطفى مرعي الخاص بالأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين عام ١٩٤٨م، الأمر الذي كان من عوامل تفجير ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م، كذلك كان من أوائل المنادين بتجديد الملكية الزراعية وإصلاح الريف وإنصاف الفلاح.. وهي الآراء التي تاجرت بها ثورة يوليو فيما بعد.
وزير لمدة يومين:
وقد ختمت مرحلة النشاط السياسي لدى مذكور باختياره وزيرًا بعد الثورة وذلك في التعديل الوزاري الذي أجراه علي ماهر على وزارته في السادس من سبتمبر سنة ١٩٥٢م، وهي الوزارة التي كان قد ألفها في اليوم التالي للثورة أي في الرابع والعشرين من يوليو سنة ١٩٥٢م، وفي هذا التعديل الذي أجراه علي ماهر على وزارته، اختير مدكور وزيرًا للإنشاء والتعمير... ولكن هذه الوزارة لم تستمر إلا يومين اثنين!!
العطاء العلمي والمجمعي:
لكن عمل مذكور في مجلس الشيوخ، لم يقطع صلته بالحياة العلمية والأكاديمية، فقد كان من أبرز المحاضرين في المنتديات والجامعات والمؤتمرات، إلى أن اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية سنة ١٩٤٦م، وهو مازال عضوًا في مجلس الشيوخ، وهو في الرابعة والأربعين من عمره، وكان بذلك أصغر الأعضاء سنًا، وكان ضمن العشرة الذين تم ضمهم للمجمع مرة واحدة.. وهم الذين كان يداعبهم أحمد أمين في حفل استقبالهم حيث سماهم «العشرة الطيبة».
وظل مدكور يشغل عضوية المجمع إلى عام ١٩٥٩م، حيث اختير خلفًا للدكتور منصور فهمي «كاتب سر المجمع» وهو اللقب الذي أصبح أمين عام المجمع، سنة ١٩٦١م.. وظل أمينًا عامًا إلى سنة ١٩٧٤م، حيث اختير بجدارة رئيسًا للمجمع وبقي رئيسًا إلى أن رحل في ديسمبر ١٩٩٥م.
وكانت الحصيلة العلمية للدكتور مدكور زادًا وفيرًا للمكتبة الفلسفية واللغوية، حيث تتالق كتبه التالية: «الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق» «تاريخ الفلسفة للمدارس الثانوية» «في الأخلاق والاجتماع» «في الفكر الإسلامي»، «مجمع الخالدين في ثلاثين عامًا»، «مع الخالدين»، «بحوث وباحثون»، «نشأة المصطلحات الفلسفية في الإسلام» «مدى حق العلماء في التصرف في اللغة» «لغة العلم»، كما أشرف على عدد كبير من المعاجم: (أهمها المعجم الوسيط ومعجم ألفاظ القرآن الكريم، ومجموعات المصطلحات).
ومن أبرز أعماله في مجال التحقيق، حيث حقق كتاب «الشفاء» لابن سينا، و «المغني» للقاضي عبد الجبار، وتأليف «المعجم الفلسفي».
وتقديرًا لجهود الدكتور مدكور، وعطائه المتميز.. منح جائزة الدولة التقديرية في مصر، واختير رئيسًا لاتحاد المجامع العربية.
اشترك في هذه الندوة كل من الدكتور كمال بشر من مصر، والشاعر الكبير حسن عبد الله القرشي من السعودية، ود عبد الهادي التازي من المغرب ود. ناصر الدين الأسد من الأردن كما أسهم فيها بالكلمات والبحوث د محمود حافظ ود. إبراهيم السامرائي من العراق، ود شاندور من المجر، ود فردريك ليمهاوس من هولندا.. وأدارها د شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية.
وألقى د. أحمد هيكل وزير الثقافة المصري الأسبق، والذي احتل كرسي د إبراهيم مدكور - قصيدة بهذه المناسبة قال فيها:
كيف يرقى إلى ذراكم بياني *** ويؤدي تحية العرفان
أيها الخالدون في القمم الشماء ***عذرًا.. فقد أسرتم كياني
أيها الذائدون عن لغة الضاد *** لسان التراث والقران
والتراث العظيم أحرف نور*** حفظتها الفصحى على الأزمان
ليس معنى التحديث «عولمة» الأ *** لسن محوًا لجوهر الإنسان
فلسان الإنسان معلمه الفارق *** بين السمات والألوان
والكتاب الكريم باق على الد *** هر بوعد من حافظ رحمان..