العنوان دين التوازن بين الروحية والمادية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1977
مشاهدات 20
نشر في العدد 374
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 08-نوفمبر-1977
في كتاب الله العزيز
د. أحمد جمال العمري
الجامعة الإسلامية ـ المدينة المنورة
في
كتاب الله العزيز.. آيتان كريمتان تعبران أدق تعبير، وتصوران أدق تصوير حقيقة
الإسلام وجوهره، هاتان الآيتان هما قول الحق تبارك وتعالى في سورة الجمعة: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي
الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الجمعة: 9 - 10].
إننا
إذا تدبرنا بإمعان هاتين الآيتين الكريمتين، نجد أنهما تحويان مبدأ هاماً من مبادئ
الإسلام، وتبرزان خصيصة من أسمى خصائصه... فالإسلام كما تصوره هاتان الآيتان دين
عبادة ودين عمل؛ بل هو عمل وبيع قبل الصلاة، ثم صلاة وسعي إلى ذكر الله، وبعد
انقضاء الصلاة انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله، وفضل الله هنا هو الرزق
الحلال والتكسب الشريف..
لذلك
قلنا إن الإسلام يجمع بين الروحية والمادية، بين العبادة والسعي في طلب الرزق،
يجمع بين الدين والدنيا. ومن هنا نصل إلى منطلقنا فنقرر حقيقة هامة وهي: أن
الإسلام دين التوازن والاعتدال بين النواحي الروحية والنواحي المادية، وأن الله
شرع الإسلام لإصلاح ما أفسده محرفو الأديان السابقة في مجال العبادة..
فحينما
أراد الله سبحانه وتعالى أن يبعث خاتم النبيين بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله، كان في العالم ألوان من الشعائر والعبادات؛ بعضها بقايا أديان سماوية قديمة،
وبعضها إضافات وابتداعات أرضية جديدة؛ أديان بالغت في الرسوم والشكليات ففقدت
الروح والإخلاص، وأديان تحررت من كل رسم وشكل ففقدت معنى التعبد، وأديان تزمتت
وتشددت حتى لكأنها أصر وأغلال.. وأخرى ترخصت وغلت في الترخيص حتى لكأنها لهو ولعب...
وجاء
الإسلام.. جاء الإسلام بوجهه السمح المشرق، فلم يمل مع المغالين ولم ينحرف إلى
المقصرين، بل جاء كما شرعه الله "ديناً قيماً" لا عوج فيه، ولا غلو ولا
تقصير؛ كان كما خاطب الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي
رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي
وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ
وَبِذَٰلِك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ
أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: 161 - 164].
جاء
الإسلام يحمل في طياته توجيهات عدة، ومبادئ إصلاحية جمة، كانت الدعائم القوية التي
ارتكز عليها صرح العبادة. ومن أهم هذه المبادئ: التوازن والاعتدال بين متطلبات
الروح وحاجة البدن؛ توازن واعتدال بين الروحيات والماديات، بين الدين والدنيا،
بخلاف غيره من الأديان.
إننا
إذا نظرنا في أسفار التوراة التي بين أيدينا، نجد أنها لا تكاد تحمل أثراً
للروحانية، ولا نكاد نرى للآخرة بين ثناياها مكاناً؛ حتى الوعد والوعيد في أسفار
التوراة بأمور دنيوية فقط، وتكاد تستأثر بها النزعة المادية الخالصة. فالخصب
والنماء، والصحة والثراء، وطول العمر.. وغيرها من الأمور الدنيوية الحسية هي
المثوبات التي تبشر بها التوراة من نفذ أحكام الناموس، وأضداد هذه الأمور كالجدب
والمرض والموت والوباء والفقر.. للذين يعرضون عن الشريعة... فلنقرأ هذه النصوص
لندرك هذه الحقيقة:
- "احترموا آباءكم وأمهاتكم لتعمروا
طويلاً على الأرض".
- "اعبدوا ربكم الإله الأزلي، وهو يبارك
خبزكم وماءكم ويبعد عنكم العلل والأدواء".
- "إذا أطعتم أمري وحفظتم وصيتي فسأبعث
عليكم الأمطار في أوقاتها، فتخرج الأرض ثمرتها".
فليس
للأجزية الروحية والأخروية مكان في التوراة.. في العهد القديم. فإذا تصفحنا
الإنجيل ـ وهو العهد الجديد ـ نجد أن هناك تحقيراً مفرطاً بشأن الدنيا، ونجد دعوة
قوية إلى إلغاء قيمة هذه الدنيا، واعتبارها بمثابة منفى للإنسان ـ أما طلب النجاة
والسعادة فهناك ـ في العالم الآخر، حيث تقوم مملكة السماء. فمن أراد ملكوت السماء
فليعرض عن هذه الأرض، ومن أراد العالم الآخر فليرفض هذه الدنيا. جاء في الإنجيل:
"لا يدخل غني في ملكوت السموات حتى يدخل جمل في سم الخياط". وقال المسيح
لشاب أراد أن يؤمن به: "إذا أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبيع ما تملك وأعطه
للفقراء، ثم تعال واتبعني". وقال لتلاميذه: "وأنتم فلا تبحثوا عما
تأكلون وما تشربون، ولا تهتموا لذلك؛ لأن هذه الأشياء إنما يبحث عنها غير المؤمنين".
وهكذا
لا نجد ـ في الإنجيل ـ أن لنا في الدنيا نصيباً...
ولم
تقف دعوة الإنجيل إلى التقشف والزهد وإهمال الحياة الدنيوية عند هذا الحد، بل
ابتدع أتباع النصرانية نظام الرهبنة بما فيه من قسوة على النفس، وكبت للغرائز
بتحريم الزواج ومصادرة الزينة.
هكذا
كانت اليهودية في إغفالها للآخرة والروح، وهكذا كانت المسيحية في تحقيرها للدنيا
وإذلال الجسد. فلما نزل القرآن، حمل معه مبادئ تشريعية كثيرة، وتعاليم شعائرية
جديدة، كانت سمة التوازن والاعتدال في كل النواحي والآفاق؛ الاعتدال الذي يليق
برسالة هامة خالدة جاءت لتسع أقطار الأرض، وتكفي أطوار الزمن، وتشرع لشتى الأجناس
والطبقات. نزل القرآن يحمل تحت أعطافه الاعتدال بين أشواق الروح وحقوق الجسد، بين
بواعث الدين ومطالب الدنيا، بين العمل لهذه الحياة، والعمل لما بعد الحياة..
نزل
القرآن ـ ولم يطلب من المسلم أن يكون راهباً في دير، أو عابداً في خلوة؛ لم يطلب
من المسلم أن يظل ليله قائماً ونهاره صائماً، ولم يطالبه بأن يكون كل صمته فكراً،
وكل كلامه ذكراً، لا حظ له في الحياة ولا حظ للحياة فيه، وإنما طلب القرآن من
المسلم أن يكون إنساناً عاملاً في الحياة، يعمرها ويرقيها، ويدفع بعجلتها إلى
الأمام؛ طلب القرآن من المسلم أن يسعى في مناكب الأرض ويلتمس الرزق الطيب من
أرجائها: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [سورة الملك: 15].
بيد
أن على هذا المسلم التزاماً، وهو ألا تلهيه مطالب الحياة أو ملذاتها عن واهب
الحياة ذاتها؛ عليه ألا يشغله حق الجسد عن حق الروح، عليه ألا تشغله رغائب الدنيا
الفانية عن حقائق الآخرة الباقية، عليه ألا ينسى الله فينسى حقيقة نفسه وقيمة
وجوده.
يقول
رب العزة والجلال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ
نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ
أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر: 18 - 19]. قال ابن
القيم ـ رحمه الله ـ في هذه الآية:
"تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفاً
عظيماً؛ وهو أن من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي
ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، فصار معطلاً مهملاً بمنزلة الأنعام السائبة،
بل ربما كانت الأنعام خيراً بمصالحها منه لبقائها على هداها الذي أعطاه إياها
خالقها، وأما هذا فخرج عن فطرته التي خلق عليها، فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما
تكمل به وتسعد به في معاشها ومعادها".
قال
تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [سورة الكهف: 28]. غافل عن ذكر ربه، ففرط عليه أمره
وقلبه، فلا التفات إلى صلاحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه؛ بل هو شتيت القلب في
جامعه، مفرط الأمر، حيران لا يهتدي سبيلاً.
إن
مهمة العبادات في الإسلام ـ كما وضحها القرآن ـ أن تأخذ بيد الإنسان حتى لا تغرقه
أعمال الدنيا في لجة النسيان، حيث ينسى الله فينسيه الله نفسه؛ مهمة العبادات أن
تقوم بالتنبيه والتذكير لئلا ينسى مولاه أو يغفل عن أخراه، ثم تدع الإنسان يعود
بعد أدائها إلى دنياه يلقاها ساعياً جاهداً.
ثم
إن رواد المساجد في الإسلام ليسوا دراويش معطلين، ولا رهباناً متبتلين؛ وإنما هم
كما وصفهم القرآن: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [سورة النور: 37].
فهم
ناس لهم دنياهم وأعمالهم، ولكن ذلك لم يلههم عن حق الله تعالى. صحيح أن الله فرض
على الناس أن يعبدوه ويتقربوا إليه، ولكن غلو المرء في العبادة أمر يرفضه
الإسلام.. ورسول الإسلام. رُوي عن أنس بن مالك: أن رهطاً جاءوا إلى بيوت أزواج
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألون عن عبادته، وكأنهم كانوا يتصورونه عليه
السلام راكعاً ساجداً أبداً؛ كل ليلة قيام وكل أيامه صيام، ليس لعينه حظ من نوم،
ولا لجسده حظ من راحة، ولا لإنسانه حظ من قربه.. فلما أخبرتهم أزواجه بعبادته
كأنهم تقالوها ولم تستحث نيتهم للعبادة فقالوا: وأين نحن من رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!... قال أحدهم: أما أنا
فإني أصلي الليل أبدأ، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر أبداً، وقال آخر: وأنا
أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال:
"أنتم القوم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له،
لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وهكذا
عرفهم الرسول الكريم حقيقة الإسلام.. دين لا ينعزل عن الدنيا، ودنيا لا تحرف عن
الدين.
تنويه:
نعتذر
للأستاذ الفاضل كاتب هذا المقال لنسيان ذكر اسمه سهواً في العدد الماضي عن مقالته:
"منهج القرآن إزاء الخير والشر".