; دولة المدينة المنورة، الإسلام والدولة المعاصرة (۲) الهجرة النبوية الشريفة | مجلة المجتمع

العنوان دولة المدينة المنورة، الإسلام والدولة المعاصرة (۲) الهجرة النبوية الشريفة

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 30-مارس-2013

مشاهدات 60

نشر في العدد 2046

نشر في الصفحة 50

السبت 30-مارس-2013

تعتبر الهجرة النبوية الشريفة ثالث أكبر حدث في حياة الدعوة الإسلامية، التي لمكانتها اتخذت بداية التاريخ الهجري (١)، تؤرخ به أيامها. في المدينة المنورة ودارتها الإسلامية المباركة قامت دولة الإسلام ومجتمعه الكريم، وانتصرت دعوته، وتقدمت وتثبتت أركانها. كُلُّ ذلك تم سريعًا بشكل عجيب، حيث امتدت منسابة منها إلى بقاع الأرض شرقًا وغربًا.
لكن لابد من البيان بالنسبة للهجرة النبوية الشريفة وغيرها من أحداث أن الله سبحانه يُصرفها بما يشاء، كما سنراه واضحًا، كل شيء في الكون بأمره وإرادته وحكمته: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54).
إذن كان لابد من هذه الهجرة النبوية الشريفة؛ لتمكين المنهج الإلهي، ولتحقيق هذا التكريم الرباني الذي أراده الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان.

الملاذ الآمن
وحده يعدو الملاذ الآمن للبشرية في يومها ومستقبلها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، حيث لابد أن يأتي اليوم الذي يُقدره الله تعالى بعلمه لتفيء إليه، هادئة آمنة مطمئنة، ذلك ما بينه سبحانه وتعالى في آيات كثيرة، وبشر به الرسول الكريم ﷺ في أحاديث عدة، يهين أسبابه وييسره ليكون دين الله جل جلاله موئل أهل الأرض.
اليوم: لو عرف كل أحد حقيقة الإسلام عن قرب واختبار وروية لما اختار غيره، دون أدنى تردد، محتملًا من أجله ما يكون، بقدر ما ينشد من الحق والخير والسعادة (٢).
كيف إذن بالمسلم، الذي للأسف ترى لبعضهم هذه الأيام إعراضًا عن دين الله تعالى، بل ومواجهين للإسلام أحيانًا أخرى حتى ليقف البعض منهم أمام كل مشروع إسلامي، وإن تظاهروا أحيانًا بالمسالمة، يخفون تحتها أكبر الحقد الذي يأكل الأكباد، مما جعلهم أقرب إلى أصحاب مسجد الضرار.
جربوه لتروا جماله
أقول لهؤلاء وأمثالهم: إن كان فيكم بعض رغبة في الخير(٣)، جربوه، وافسحوا له، بل وتعاونوا مع دعاته، كي تروا جماله، كل ذلك يظهر في وجود منهجه الرباني الكريم، حين يحكم الحياة ويوجهها كلها وحده. 
إذا أردتم أن تروا عظمة هذا المنهج وتفرده المتميز، لابد أن يعمل ويحكم لينتصب في الحياة كلها يقودها متفردًا، عندها سيصنع ما لا يصنعه غيره بأي حال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 138). يقول الله تعالى لا تحتاج إلى مزيد، لكن للذين يريدون، يجدون في التاريخ المحقق خير دليل، به قال الخبراء حتى من غير المسلمين، ونادى به الشهود والشهداء الأبرار من أبناء هذه الأمة. يقول أحد شهداء عصرنا وشهوده؛ سید قطب رحمه الله تعالى، الذي خبر نظريات العصر وأدرك أبعادها، لم ينغمس في أوحالها وأوضارها التي أنتجت: الدارونية والفرويدية والماركسية غيرها جد كثير، حتى إذا شاهد هذا الفارس المقدام منهج الإسلام، وقف ينظر إلى غيره من عل، مستغربًا مناديًا الزاهدين فيه من أمته، لتحكيمه في كافة شؤون حياتهم والعودة إليه، وتسليمه من جديد مقاليد موكب الخير وأهله، فيقول: «إذا أريد للإسلام أن يعمل فلابد للإسلام أن يحكم، فما جاء هذا الدين لينزوي في الصوامع والمعابد، أو يستكن في القلوب والضمائر، إنما جاء ليحكم الحياة ويصرفها» (٤) ألم يقل شاعرهم:
ويحي على ساسة القانون ويحهم 
     على جهود أضاعوها وما وجدوا
وبين أيديهم القرآن بوردهم 
      أسمى المناهج والأحكام لو وردوا

وإذ يمكر بك الذين كفروا
إذن امتلأ العهد المكي بالمخاضات المغرقة، لكن الرسول الكريم ﷺ كان متوقعًا لها ومستعدًا لخوضها، عارفًا مدركًا أعباءها، وأنه لا راحة منذ يوم الرسالة الأول (٥): ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)، لكن أهل الدعوات الربانية وكل من فهم تاريخها يعرفون ذلك، أما الأنبياء عليهم السلام، فالله تعالى من ورائهم يتولاهم ويرعاهم ويوجههم، والأتباع يتعلمون ذلك ويدركونه جيدًا، ومستعدون له إلى أبعد الحدود، كما فهمها ورقة بن نوفل.
على الرغم من معرفة قريش بأخلاق الرسول الكريم ﷺ التي اشتهر بها قبل النبوة، والتي جعلتهم يجمعون على وصفه ب«الصادق الأمين»، حتى حل ذلك محل اسمه عندهم جميعًا، ذلك وحده يشهد له ﷺ بالنبوة، يقول ابن حزم الأندلسي في ذلك: «إن سيرة محمد ﷺ لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنه رسول الله ﷺ حقًا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفي» (٦). 
مع كل ذلك عارضته قريش أكبر معارضة، وهو يدعوهم إلى الله تعالى برفق ووضوح ومحبة، وكان الأجدر بهم أن يكونوا أول المؤمنين به وبدعوته الربانية الأسباب كثيرة متنوعة، كما جرى مثله ليهود المدينة المنورة الذين كان الأخرى بهم من كل أحد غيرهم أن يكونوا أول المؤمنين به، سيما بعد هجرته ﷺ إليها، لولا الحقد والحسد والعناد، الذي يبوء بصاحبه ويأخذه إلى قعر نفق مظلم نادمًا، حين لا ينفع الندم، يتحمل زعماؤهم الوزر الأكبر، هذا ينسحب على كثير من أهل الكتاب اليوم، خلال تاريخهم وحاضرهم، حيث هم من أهل الأديان السماوية وأن موسى وعيسى وإخوانه الأنبياء عليهم السلام جميعًا بشروا بوضوح بالرسول الكريم ﷺ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146).

الأمي وجوامع الكلم
لم يعرف عنه ﷺ قبل النبوة توجيه أو علم أو تعليم، ثم لما أتاه الله تعالى النبوة، تدفقت منه الحكمة وحسن الخطاب، حيث آتاه الله سبحانه وتعالى جوامع الكلم (٧) كان ذلك فجأة منذ ابتداء الوحي، دليلًا آخر على نبوته، هكذا إذن حيث: «ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٨).
كان استعداده ﷺ في الصبر على الدعوة، متجاوزًا كل الحدود مستهينًا بأية أعباء وأخطار، مهما كانت تكاليفها. كان ﷺ مستعدًا لمواجهتها باذلًا غاية الطاقة، دليلًا إضافيًا على نبوته التي أعده الله تعالى لحمل أعبائها مهما كانت. أمر لابد منه لحامل رسالة الله جل جلاله، «فمضى رسول الله ﷺ على ما أمر الله، على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى» (٩). 
سلك ﷺ كل سبيل لأداء هذه الأمانة التي هياه الله تعالى لأدائها على أكمل وجه، يظهر ذلك فيما جرى له في الطائف مشيرًا إلى تحجر الأرض في تلك الديار، حال مكة قبلها، تمهيدًا لما ادخره الله تعالى، بتصريفه أن تكون المدينة المنورة معقل المجتمع المتحضر ودولته الفاضلة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

953

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

153

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد