العنوان دولة المدينة المنورة.. الجزء الثاني (أخيرة) استقــــرار المجتمـــع
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013
مشاهدات 67
نشر في العدد 2052
نشر في الصفحة 48
السبت 11-مايو-2013
الوثيقة أعطت درسا بليغًا للأجيال أن هذا هو الحكم الرشيد اللائق بالإنسان وبه تنطلق طاقاته للبناء
حقق الله تعالى هذا النصر المؤزر بقيام دولة الإسلام بعد كل ذلك الاضطهاد الشنيع الذي كان كفيلا بالقضاء على أي دعوة أو حركة أرضية
أبو جهل يعبر عن مكابرته تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل ذلك؟ والله لا نؤمن به أبداً
من ثمار وثيقة المدينة المنورة أنها جعلت الحقوق والواجبات واضحة للجميع، وأطلعتنا على ما عند اليهود من بشارات واضحة، وغدًا ساكنو المدينة المنورة آمنين على حياتهم وأهليهم، لا يخشون ظلمًا أو عدوانًا. وتعرف المسلمون على التنوع الموجود في المدينة المنورة، والفروق بين آثار التربية الإيمانية والثقافات الأخرى وشملت الوثيقة كل مكونات المجتمع المدني وعناصره من رجال ونساء وأطفال.
ووطدت الوثيقة الأمن، حيث رأينا المشركين على حالهم إلى حد أن أحدهم الحق حين خروجه ، يسأله الجهاد معه في معركة بدر الكبرى - يسير مع الجيش ويكلم الرسول الكريم مرات، كان آمنا على نفسه، مثله حدث من أصيرم بني عبد الأشهل وكان مشركا، لكنه أسلم يوم أحده، وجاهد مع المسلمين واستشهد فيها الجميع كانوا يعيشون بأمان وحرية.
ومن ثمار هذه الوثيقة أيضا أنها أعطت درسا بليغا للأجيال، أن هذا هو الحكم الرشيد المرجو اللائق بالإنسان، وبه تنطلق طاقاته للبناء.
يضاف إلى هذا أن على المسلم قراءة هذه السيرة النبوية الكريمة المعرفة الإسلام نفسه، وكيف نظر إليه غير المسلمين معا جعلهم يدركون محاسنه، ويقبلون عليه.
استقرار المجتمع
بهذه الوثيقة المباركة أخذ المجتمع المدني شكلاً مستقرا واضح المعالم.
في هذا المجتمع الطليق الأجواء بلا سلطات لاهوتية، حيث لا يشقى فيه القريب ولا الغريب.
وفرت هذه الوثيقة، ميداناً واسعاً لظهور المعاني الإسلامية، وبيئة صالحة لتطبيقها هذا الاستقرار هيا لما بعده، فلو بقيت الدعوة الإسلامية في مكة ومع نجاحها، ما كانت ستكون في تلك الأجواء الصافية التي وهبها الله تعالى لها، في المدينة المنورة ذلك لأن أهل مكة المشركين ما شعروا بالحاجة إليها أمام طغيان الشرك فاستهزؤوا بها. لكن حين تمت الهجرة وقامت دولة الإسلام المباركة وحققت ما حققته من أوضاع وأحوال وانتصارات كشف لأهل مكة المشركين الغطاء، وتبين لهم أن هذه الكبرياء ليست إلا وهما وظنونهم ما كانت إلا سراباً:
﴿وَاٌلِذينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابِ بَقِيعَة يَحْسَبُهُ الظُّمَانُ مَاءً حتى إذا جاءه لم يِجدهُ شَيْئًا﴾ (النور:39).
بل إن كثرة منهم ندموا وعابوا تأخر إسلامهم، مثلما جرى للحارث بن هشام (أخو أبي جهل) الذي أسلم بعد فتح مكة، عندما أدرك ما ساق الله إليه من نعمة عظمى وعندها قال له النبي الكريم: الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام.
وهكذا ضاعف الحارث جهاده لتعويض ما فات، فتجهز للخروج إلى معركة اليرموك في سبعين من أهل بيته، وتبعه أهل مكة يشيعونه ويبكون لفراقه، فقال لهم: يا أيها الناس والله ما رغبت بنفسي عنكم ولا اخترت بلدا غير بلدكم، ولكن كان هذا الأمر فخرجت فيه رجال من قريش، والله ما كانوا من ذوي أسنانها ولا في بيوتاتها، فأصبحنا والله لو أن جبال مكة ذهباً، فأنفقناها في سبيل الله عز وجل ما أدركنا يوما من أيامهم، وأيم الله لتن فاتونا في الدنيا لتلمسن أن نشاركهم في الآخرة، ولكنها النقلة إلى الله تعالى، فاتقى الله امرؤها، توجه الجميع للجهاد في الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة.
هكذا يكون التميز بالإسلام، وفي ذلك يقول الرسول الكريم: تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وتجدون خير الناس في هذا الشأن (الأمر) أشدهم له كراهية حتى يقع فيه، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هذا بوجه وهذا بوجه.
ولكنكم تستعجلون
هكذا حقق الله تعالى هذا النصر المؤزر. بقيام دولة الإسلام بعد كل ذلك الاضطهاد الشنيع، الذي كان وحده كفيلا بالقضاء على آية دعوة أو منهج أو حركة أرضية، بما لاقته في مكة المكرمة أو في المدينة المنورة سواء كان استعدادها لأكثر مما جرى لها، بل في أحلك الظروف التي تقود إلى اليأس، كان التأكيد على النصر، كما ظهر في حديثه الحباب بن الأرت الذي يقول: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا : یا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا فقعد وهو محمر وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم يُؤْخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بامشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصرفه . عن ذلك، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى . يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.
كل ذلك مع اليقين بصدق النبي الكريم - إلى درجة أنه لما كان يوم معركة بدره . وفي الطريق إليها، قال الأخنس بن شريق . خليف بني زهرة لأبي جهل وقد خلا به يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ! فقال أبو جهل . ويحك والله إن محمداً الصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكونالسائر قريش؟
المكابرة: أبو جهل كغيره من قريش أقر بصدقه، ثم صرح بالعداء وأصر عليه، بل إن زعماء قريش ذهبوا خفية دون علم بعضهم بعضا يستمعون القرآن الكريم خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي الليل في بيته، أخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، لكنهم عادوا، وتكرر ذلك ثلاثاً، ثم ذهب الأخنس إلى أبي جهل وسأله: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت. تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذبنا (تجالينا) على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا تؤمن (تسمع) به أبدا ولا تصدقه، فقام عنه الأخنس وتركه.
لكن الذي حدث بعد ذلك أن عناتهم سقطوا بسرعة أمام ضربات هذه الدعوة غير المنتظرة كأوراق شجر الخريف المتهالكة النخرة، بل أدنى منها، حتى قال أحدهم: فو الله إن لقينا إلا عجائز صلعا كاليدن المعقلة فتحرناها.
لكن من الناحية الأخرى أن تكون الدعوة بدأت في مكة المكرمة لها أكثر من أهمية رمزية، كانت لها في ذلك أسرار إلهية تخص حالها ومستقبلها.
بذلك أمكن رسم لوحة عالمية فريدة عالية المقام، رفيعة المقدار ساطعة الأنوار باهرة المدار، وصلى الله على محمد وعلى اله الكرام وصحبه الغر الميامين العظام وجزاء خير ما يجزي نبياً عن أمته ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِي﴾ ( الحشر)
الهوامش
- مسلم، رقم: ٤٧٠٠، جامع الأصول، ٩٠٤٦
- سير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/419-421.
- البخاري رقم: ٢٣٠٤ و ٢٣٠٥مسلم ، رقم: ٢٥٢٦ .
- البخاري أرقام: ١٣٩٨، ٣٤١٦، 3939 ، 6544.
- (5) في ظلال القرآن 2/1074-1075
- في ظلال القرآن، 2/1074-1075.
- السيرة النبوية، ص ٥٤٢، المعقلة: المحبوسة والمقيدة.