; من «الأسرلة» الى المقاومة.. مفاجأة قلبت نظرية الأمن الصهيوني دور فلسطينيي ٤٨ في العمليات الاستشهادية: تخطيط.. تسهيل.. تنفيذ | مجلة المجتمع

العنوان من «الأسرلة» الى المقاومة.. مفاجأة قلبت نظرية الأمن الصهيوني دور فلسطينيي ٤٨ في العمليات الاستشهادية: تخطيط.. تسهيل.. تنفيذ

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002

مشاهدات 56

نشر في العدد 1505

نشر في الصفحة 24

السبت 15-يونيو-2002

الأمن الصهيوني يقترح تشغيل عرب ١٩٤٨ سائقين للحافلات وحراس أمن لكشف منفذي العمليات الاستشهادية!

نواب عرب في الكنيست: اقتراح هدفه تكوين «جيش لحد» فلسطيني وتحميل العرب مسؤولية العمليات مرتين.. لأنهم نفذوها ولأنهم لم يمنعوا تنفيذها

السياسة العنصرية اليهودية والقمع المتواصل ساهما في تعميق مفهوم الاختلاف بين فلسطينيي ١٩٤٨ والوسط اليهودي

فلسطين: المجتمع

كانت جريمة شارون لتدنيس الحرم القدسي الشريف قبل أكثر من عام هي المفجر الذي استفز مشاعر فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ فدفعهم إلى المشاركة في انتفاضة الأقصى، لا من موضع المتضامن، وإنما من موقع الفاعل صاحب الشأن، فقدموا ۱۳ شهيدًا في يوم واحد فيما عرف بأحداث أكتوبر ۲۰۰۰م.

وكانت المشاركة الواضحة في المراحل الأولى من انتفاضة الأقصى فرصة هي الأولى من نوعها للإفصاح عن حقيقة أن الأقلية العربية في إسرائيل، ليست مجرد تجمع أو تجمعات سكانية، وإنما هي قوة فاعلة ذات وجود وانتماء وموقع في الصراع العربي- الصهيوني.

وقد تفاعل فلسطينيو الداخل ١٩٤٨م بانتمائهم الذي لم يمت يومًا، وأحسوا بالانتفاضة تغلي في عروقهم يوم أن تفجرت واليوم يكتشف الكيان الصهيوني أن أولئك الفلسطينيين لم يستجيبوا لعمليات غسل الدماغ والأسرلة، ويدور الحديث عن دور فاعل في المقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها وعن تشكل خلايا مقاومة وانخراط في صفوف الفصائل الفلسطينية.

وكان الاستشهادي محمد حبيشي من قرية أبو ستان داخل فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ منفذ العملية الاستشهادية في نهارية في أغسطس ۲۰۰۱ أول استشهادي من فلسطينيي الداخل.

حالة فلسطينيي الـ٤٨

 منذ الاحتلال الأول لفلسطين عام ١٩٤٨ وحتى الآن تدهور وضع فلسطينيي ٤٨ داخل الكيان المحتل، وظل الفلسطيني في ذلك الكيان مواطنًا من الدرجة الأدنى وقد حدث ذلك برغم انخراط بعض الفلسطينيين في الخدمة العسكرية، كما حصل مع الدروز الذين فرضت عليهم الخدمة، وبعض بدو النقب ممن تطوعوا في سلك الجيش.

في سياق قضية التمييز يمكن الإشارة إلى أن عدد السكان الفلسطينيين في الكيان الصهيوني يبلغ قرابة مليون نسمة أي حوالي ١٨.٦% من السكان، ورغم ذلك فقد أشارت دراسة الجمعية سيكوي، لدفع المساواة المدنية إلى أن نسبة المستخدمين العرب في «14» وزارة حكومية تتراوح بين ٦.٣% في وزارة الصحة «الرقم الأعلى» وصفر في المائة في وزارة الاتصالات.

 ومن أمثلة التمييز الأخرى مساحة حدود السلطات العربية التي لا تصل إلا إلى ٢.٥% من مساحة الدولة فمساحة مستوطنة «بسغات» اليهودية مثلًا وعدد سكانها «20» ألف نسمة يساوي «180» ألف دونم، فيما مساحة قرية سخنين، وسكانها «20» ألفًا أيضًا، لا يساوي سوی «9» آلاف دونم.

ومنذ عام ٤٨ ورغم تكاثر العرب الذي يفوق اليهود بأضعاف إلا أن ما أقيم في القرى العربية منذ عام ١٩٤٨ هو «ألف» وحدة سكنية في القطاع العام، مقابل «237» ألف وحدة لليهود منذ عام ١٩٧٥ فقط!

من ناحية أخرى ليس للفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ لون سياسي واحد. ولكن هناك جملة من الأحزاب الموجودة في الساحة العربية هي الحركة الإسلامية جناح شمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح، وآخر جنوبي بقيادة عبد الله نمر درويش الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحزب الديمقراطي العربي، أبناء البلد. إضافة إلى الأحزاب الصهيونية مثل حزب العمل وحزب ميريتس وفي العموم، فإن الحركة الإسلامية والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة يمتلكان الحضور الأكبر في الشارع العربي.

انخرطوا في المقاومة

وتظهر التقارير التي تنشرها أجهزة الأمن الصهيونية أنها اعتقلت منذ مطلع العام ٢٠٠١ ما يزيد على ۱۱۰ فلسطينيين داخل الكيان للاشتباه بضلوعهم في عمليات مقاومة، وإقامة علاقات مع عناصر تنتمي لتنظيمات فلسطينية، يدرجها الكيان الصهيوني في قائمة التنظيمات الإرهابية ووصفت مصادر من أجهزة الأمن الصهيونية هذه الأرقام بأنها قياسية مقارنة بالأرقام التي عهدتها في السابق ويشار إلى أن بعض المعتقلين شاركوا بشكل مباشر في العمليات الاستشهادية التي نفذتها عناصر فلسطينية، بينما استخدم آخرون لتقديم المساعدة للاستشهاديين بشتى الوسائل الأمر الذي يثير قلق وخوف الأجهزة الأمنية من اتساع نطاق هذه الظاهرة بحيث تشكل حالة انقلاب شاملة لا تقتصر على أفراد أو جماعات صغيرة.

وقد اعتقل في الآونة الأخيرة أربعة شبان من مدينة الطيبة داخل فلسطين المحتلة عام «48» الواقعة بالقرب من مدينة طولكرم، بعد محاولتهم تنفيذ عملية تفجيرية للتعبير عن تضامنهم مع معاناة الشعب الفلسطيني كما اعتقل خلال الشهر قبل الماضي ثلاثة مواطنين من مدينة أم الفحم من عائلة واحدة بتهمة حيازة الأسلحة وبطاقات هوية مزيفة وكانت قوات الأمن قد اعتقلت في وقت سابق من نفس الشهر شقيقتين من قرية عرابة هما لميس ولينا جربوني بتهمة دعم تنظيم فلسطيني.

نماذج للمقاومة

نماذج المقاومة لفلسطينيي الـ ٤٨ ليست جديدة ولكنها شكلت نقلة نوعية في إطار الاندماج مع إخوانهم في الضفة والقطاع خلال انتفاضة الأقصى، ومن بين هذه النماذج إبراهيم إدريس الذي ولد عام ۱۹٦٧، في العام الذي تم فيه احتلال مدينته نابلس، وفي عام ١٩٩٤ عندما عادت السلطة الفلسطينية إلى المناطق المحتلة أجرى إدريس تحولًا جوهريًا في حياته، ففي شهر مارس من ذلك العام، حصل على مكانة مواطن دائم في «إسرائيل» وعلى بطاقة هوية إسرائيلية بعد زواجه من فلسطينية من أرض ٤٨، من سكان مدينة أم الفحم.

وخلال العام الأول من انتفاضة الأقصى بدأ نشاطه فالهوية الزرقاء لم تجعله أبدًا جزءًا من المجتمع الصهيوني فعيونه وقلبه وعلاقاته بقيت متشبثة بنابلس وهناك كان أسامة إدريس أحد كوادر الذراع العسكرية لحركة حماس في نابلس الذي قتل لاحقًا على أيدي الجيش الصهيوني، وهو شقيق إبراهيم، وكان قد نجح بتجنيده في صفوف الحركة وقد مكنته البطاقة الزرقاء التي يحملها من التجوال بحرية داخل «إسرائيل» والانتقال بينها وبين الضفة وساعدته فترة إقامته الطويلة في المجتمع الصهيوني على تجنيد نشطاء آخرين من فلسطينيي ٤٨، وحسب التهم التي وجهت له كان من المفروض أن يقوم إبراهيم بوضع عبوات ناسفة في عدة أماكن داخل الكيان.

نموذج آخر.. عبد الله معلواني الشخصية الفاعلة في خلية شبان أم الفحم التي كان من المفروض أن تنفذ العملية الاستشهادية في أغسطس ۲۰۰۱ في أحد البنوك في مدينة الخضيرة، لقد ولد والده في نابلس وحصل على هوية إسرائيلية بعد زواجه من مواطنة عربية من أم الفحم وسكن معها في فلسطين المحتلة.

عاش عبد الله معلواني، مثل بقية أفراد أسرته في فلسطين المحتلة، لكن ارتباطاته العائلية كلها كانت مع نابلس وعندما قرر استكمال دراسته العليا- اختار جامعة النجاح، وهناك تولد الاتصال بينه وبين عناصر حماس، وتجند في صفوف الحركة وجند معه رفاقه من المدينة العربية المحتلة عام ١٩٤٨.

وكذلك نموذج نهاد كشك الذي ولد عام ۱۹۷۸ وحصل بشكل طبيعي على بطاقة الهوية، كون والدته عربية من أرض «48» لقد اعتقل كشك في مايو من عام ۲۰۰۱ واعترف بنشاطه في حماس منذ عام ١٩٩٤ وباشتراكه في العمليات الاستشهادية في نتانيا وكان هو من قاد الاستشهادي الذي نفذ عملية «كفار سابا» في ٢٢ أبريل ۲۰۰۱.

اقتراح لجعلهم دروعًا بشرية

وأمام هذا الدور الفاعل الفلسطيني ١٩٤٨ في المقاومة الفلسطينية وفي محاولة لجعلهم دروعًا بشرية أمام إخوانهم الذين ينفذون العمليات الاستشهادية، قدم جدعون عزرا مساعد وزير الأمن العام الداخلي اقتراحًا جديدًا لضمان- على حد قوله- عدم وقوع العمليات الفلسطينية داخل «إسرائيل» وذلك عن طريق توظيف فلسطينيي ٤٨ في وزارة المواصلات.

وقال موقع صحيفة «معاريف»: ٢٠٠٢/٥/٢٣ إن جلسة الكنيست التي عقدت مساء ٢٠٠٢/٥/٢٢ لمناقشة أسباب ونتائج عملية نتانيا الأخيرة يوم ۲۰۰۲/۵/۱۹ تضمنت اقتراحًا، وصفته بالرائع حول منع ما أسمته بالعمليات الإرهابية داخل الخط الأخضر.

وأضافت أن جدعون عزرا خلص إلى أن معظم العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون تستهدف الحافلات والميادين الخاصة بوسائل النقل لذلك رأى أن تقوم وزارة المواصلات الصهيونية بتعيين عدد كبير من فلسطينيي ٤٨ للعمل كحراس أمن وسائقي حافلات.

وقال عزرا أمام الكنيست «سيكون لعرب ٤٨- حسب وصفه- دور مهم للغاية في المرحلة المقبلة في حربنا ضد الإرهاب، وذلك في حال إتمام التصديق على اقتراحي بتعيينهم في وزارة المواصلات.

 وأضاف: «معظم السائقين الإسرائيليين لا يمكنهم التعرف على هويات الفلسطينيين المتنكرين داخل الحفلات ومن ثم تقع الكارثة، أما فلسطينيو ٤٨ فأعتقد أنهم سيتمكنون من التعرف على هويات منفذي العمليات، وبذلك نمنع وقوع العديد من العمليات التي تفجع مواطني إسرائيل، وتؤدي لوقوع القتلى والمصابين».

 وركز عزرا في اقتراحه على مدينة نتانيا الشمالية التي تعد أكثر المدن تعرضًا للعمليات الاستشهادية منذ عام ١٩٩٦.

وقال عزرا إنه قدم اقتراحًا بهذا الشأن أيضًا لوزير المواصلات أفرايم سنيه، وتناقشا حول التفاصيل الخاصة بالاقتراح، وأبدى نيه إعجابه بالاقتراح، ووعده بالعمل على تنفيذه وقد أبدى كثير من القيادات الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام ١٩٤٨ استخفافًا بمشروع الاقتراح، وشددت هذه القيادات على أن فلسطينيي الداخل لم ولن يكونوا موظفي أمن الحماية الاحتلال وممارساته بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

واعتبر عضو الكنيست العربي عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة محمد بركة، أن الاقتراح الذي تقدم به جدعون عزرا يعبر عن الفكر المسموم لشخصه وللحكومة الإسرائيلية برمتها.

وقال بركة إن عزرا يريد أن يكون العرب ضحية الاحتلال ومسؤولين عنه، فإذا وقعت عملية فالعرب مسؤولون لأنهم نفذوها، ومسؤولون أيضًا لأنهم لم يمنعوها في حال تنفيذ هذا الاقتراح- على حد قول بركة.

واعتبر أن الاحتلال هو المسؤول الأول عما يجري من عمليات في كلا الجانبين، مضيفًا أن تصفية الاحتلال هي الكفيلة بوقف العمليات.

وعلى نفس الصعيد رفض عضو الكنيست العربي هاشم محاميد الاقتراح، ووصفه بأنه فكرة هزيلة، وأبدى رفضًا قطعيًا بأن يعمل المواطنون العرب كمخبرين لجدعون أو للحكومة الإسرائيلية.

وأكد محاميد أن الاقتراح في النهاية غير عملي لأن الطلاب والعمال اليهود يرفضون أصلاً أن يقود العرب وسائل المواصلات والنقل التي تقلهم.

وقال: إنه رغم أن نسبة البطالة بين عرب الداخل تبلغ ۲۰- ٢٤% فإنهم يرفضون العمل كمخبرين للحكومة. وشدد على أن العرب في «إسرائيل» لم ولن يكونوا «جيش لحد» فلسطينيًا، في إشارة إلى المليشيات العميلة للصهاينة أثناء احتلال جنوب لبنان.

أما عضو الكنيست عن الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام ٤٨ توفيق الخطيب فقد اعتبر الاقتراح «تافهًا»، مؤكدًا أن العرب يرفضون بشدة هذا الاقتراح أو مجرد البحث فيه.

وقال الخطيب: إنه كان سيتفهم الاقتراح لو استوعبت الوزارات الصهيونية العاطلين عن العمل من العرب حتى ولو كان في وزارة المواصلات ولكن ليس بالتوصيف والمعايير التي وضعها «عزرا».

أسباب التحول

ویرى حلمي أحمد الكاتب والباحث المختص بالشؤون العبرية أن أسباب التحول الكبير والمشاركة الواسعة خلال انتفاضة الأقصى هي نتيجة ما عاناه فلسطينيو ٤٨ منذ قيام الكيان الصهيوني وحتى الآن من أشكال تمييز قاهرة ضدهم، فإضافة إلى مصادرة أراضيهم وحرمانهم طوال عشرات السنين من حق الانتظام الجماعي الحر، وإخضاعهم لقوانين تمييزية مستترة كان الحكم الصهيوني يعمل على إشعارهم بالغربة في وطنهم، وقد تراكمت عبر السنين مشاعر خيبة وإحباط في العلاقة مع الدولة والمؤسسات اليهودية. وأضاف: لم تكن العلاقات الشعبية أفضل من العلاقات الرسمية فالمواطن العربي في «إسرائيل» كان يشعر فقط بالعنصرية اليهودية الموجهة نحوه وبأن كل مظاهر الظلم التي يعاني منها جاءت لزيادة رفاهية اليهودي على حسابه.

 وهكذا، فإن السياسات الرسمية والشعبية اليهودية المتواصلة- إضافة إلى حقيقة أن القرى والبلدات العربية في إسرائيل- كانت ولا تزال الأشد بؤسًا والأقل تطورًا- والتي تشهد أعلى درجات البطالة والإهمال، دفعت فلسطينيي ٤٨ إلى تعميق مفهوم الاختلاف بينهم وبين الوسط اليهودي، ولذلك كانت الهبة التي تميزت بعدة سمات لا يمكن تجاهل ارتباطها بأولويات الصراع في فلسطين.

ما لا يقل أهمية عن ذلك إشارة الصهاينة إلى أن هذه المشاركة عبرت عن انتهاء فكرة «الأسرلة» وزيادة البحث في صفوف فلسطينيي ٤٨ عن دموية وانتماء حقيقيين، لذا شكلت مشاركة فلسطينيي الـ٤٨ في انتفاضة الأقصى معلمًا جديدًا من معالم تبلور هويتهم كإطار جمعي مواجه للإطار الجمعي اليهودي، يربطه مع فلسطينيي الشتات وفلسطينيي المناطق المحتلة عام ١٩٦٧ أكثر من روابط العاطفة  والتاريخ وقرابة الدم، وفي الوقت نفسه يختلف عنه. كذلك دفعت هذه المشاركة الصهاينة جميعًا إلى إدراك بعد آخر من أبعاد الصراع كان غائبًا حتى الآن عن وجهه العام، وهو مكانة «فلسطيني ٤٨» المستقبلية.

وينهي أحمد حديثه بالقول قبل انتفاضة الأقصى كان هناك  تاريخ محدد لفلسطينيي ١٩٤٨، أما بعد انتفاضة الأقصى فقد صار لهم  تاريخ آخر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1344

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق