العنوان دور بريطانيا في الشرق الأوسط والخليج العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980
مشاهدات 70
نشر في العدد 471
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-فبراير-1980
- البريطانيون بين السياسة الأوروبية في مشكلة الشرق الأوسط وسياسة أمريكا في الخليج.
- السياسة البريطانية الحديثة في المنطقة ترتكز على إرث سياسي استعماري قديم.
بعد عشرين عامًا من التبعيَّة الأوروبية للأمريكان.. هل هناك من مؤشرات على السطح السياسي تدل على انفراط هذه التبعية؟
لقد كتبت مجلة «نيوزويك» الأمريكية مقالًا تحليليًّا بحثت فيه مشكلة التبعية الأوروبية للولايات المتحدة، خرجت به إلى فكرة فحواها أن «دول أوروبا الغربية، تتبع سياسة مستقلة في إطار الشرق الأوسط فقط».. السياسة 22/9/1979.
وبما أن المملكة المتحدة «بريطانيا» هي واحدة من دول أوروبا الغربية.. فهل تشمل هذه المقولة الحكومة البريطانية، بل والسياسة البريطانية في العالم عامةً والشرق الأوسط والخليج العربي بشكل خاص؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى ما يلي:
1 - عندما نظر البريطانيون إلى العالم نظرة سياسية كلية، فإنهم لا يستطيعون تجاوز المدى الذي حددته سياسة الوفاق بين جبهتي «وارسو- والناتو» كحلفين دوليين ينظران إلى العالم على أساس من خارطة النفوذ الدولية التي رسمتها سياسة الوفاق بين العمالقة.
٢ - وعندما يبحث البريطانيون عن الخط السياسي لهم في الشرق الأوسط والخليج، فإن ذلك يذكرهم بإمبراطوريتهم العظمى التي انحسرت ذيولها عن معظم المستعمرات البريطانية العربية «إثر الحرب العالمية الثانية» ويذكرهم بخسارتهم التي حولت صفقة الربح إلى يد الأمريكان.
ومن هاتين النقطتين يتبين أن السياسة البريطانية تتأرجح بين معطيات السياسة الأمريكية الغربية في مواجهة العالم الآخر، وبين الطموحات الاستعمارية الخاصة بالإرث البريطاني في الشرق الأوسط والخليج.
وطالما إن السياسة البريطانية تتمحور على هذه الشاكلة، فإنه من السهل أن نتلمس خطوط السياسة البريطانية على رقعة الشرق الأوسط والخليج، دون أن نعزل ذلك عن سياسة البريطانيين في العالم الثالث، كبيئة ينظر إليها جميع زعماء الدول الكبرى نظرة تنافس على النفوذ المصلحي.
أطر عامة للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط والخليج
إن معطيات التحرك البريطاني في الشرق الأوسط والخليج ووراء كواليس المؤتمرات واللقاءات الدولية؛ تُشير إلى عدة نقاط يستطيع المراقب أن يتلمس منها خطوطًا عامة للسياسة البريطانية في المنطقة، وذلك كما يأتي:
أولًا: أزمة الشرق الأوسط
لاحظ المراقبون منذ أن بدأت المشكلة بين العرب واليهود أن لبريطانيا سياسة واضحة تحدد موقفها الحديث الذي يتناسق وسياستها القديمة...
- - فالبريطانيون هم الذين أحضروا اليهود لتأسيس دولة يهودية في فلسطين.
- - والحكومات البريطانية المتعاقبة منذ عام ١٩٤٨ وحتى ما بعد حرب ۱۹۷۳ بين العرب واليهود تؤكِّد حق اليهود في إنشاء دولتهم المستقلة، وحق بقية الأطراف في الحياة المستقلة، بما في ذلك الفلسطينيين على غير أرض فلسطين ما قبل ١٩٤٨.
- - والبريطانيون هم الذين طرحوا مشروعهم الذي أعده وزير الخارجية الأسبق اللورد كارادون على مجلس الأمن ويُسمَّى بـ «٢٤٢» والذي لم يخرج أبدًا عن خط السياسة البريطانية التقليدية بمنح اليهود دولة مستقلة في فلسطين، وحل مشكلة ما يُسمِّونه «اللاجئين الفلسطينيين» في صيغة محددة تمنع قيام حرب جديدة بينهم وبين اليهود، وتمنعهم أيضًا من أية ممارسة سياسية أو عسكرية، توحي بأن لهم حقًّا في استرجاع شبر من أرض الدولة اليهودية بحسب قرار اللورد كارادون.
- وموقف البريطانيين من معاهدات كامب ديفيد متأثر بالسياسة البريطانية القديمة إلى حدِّ بعيدٍ، وهو يفسر لنا عدم اشتراك أية من حكومات بريطانيا المتعاقبة في حوار الصلح بين مصر و"إسرائيل" تحت المظلة الأمريكية المستقلة، وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك انفصامًا بين السياسة الأمريكية وسياسات الحكومات البريطانية، وإنما يُسلِّط الأضواء على ارتباط سياسة الإنكليز الحالية بسياساتهم السابقة التقليدية، بالنسبة لتطور العلاقة بين الحكومات العربية والحكومة اليهودية.
وعلى ضوء من هذه النقاط يستطيع المرء معرفة سبب إحجام بريطانيا عن الاشتراك في مفاوضات كامب ديفيد، وإلحاحها على بديل آخر يكون مما يلي:
1 - إما بالعودة بالقضية الشرق أوسطية إلى صيغة مؤتمر جنيف التي تتيح للأطراف الأوربية اشتراكًا فعَّالا في مفاوضات الصلح – العربية – اليهودية.
۲ - وإما اعتماد صيغة بريطانية معد له القرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الذي حظى بموافقة المجلس قبل سنوات قليلة.
3 – وإما طرح أي مشروع جديد يكفل للبريطانيين حق العمل مع أطراف دولية أخرى، للخروج بصيغة جديدة لصلح عربي – يهودي شامل.
- وهنا يحسن بنا الاطلاع على ما نقلته جريدة السفير اللبنانية يوم 31/١/1980 عن الهدف من جولة اللورد كارنغتون وزير الخارجية في حكومة المحافظين الحالية، والتي استهدف بها الوصول إلى مشروع لصلح جديد بين الحكومات العربية واليهودية، تقول الصحيفة في نقاط:
-إن بريطانيا ستعلن قريبًا عن صيغة جديدة للسلام في الشرق الأوسط.
-بريطانيا تعمل لتجعل من المطلب الفلسطيني بدولة مستقلة في الضفة والقطاع مطلبًا مقبولًا من المجتمع الدولي.
۱ - إن معظم دول المجموعة الاقتصادية الأوروبية يؤيدون الخطوة البريطانية:
2- إن المسؤولين البريطانيين أطلعوا الملك حسين على الصيغة المطروحة للحل السلمي بين حكومات الدول العربية و"إسرائيل".
ولكي نخلص إلى مجمل الموقف السياسي والدور الذي يمكن أن تلعبه حكومة المحافظين البريطانية؛ يحسن بنا نقل تصريحات السيد دوغلاس هيرد الأخيرة، وهو وزير الدولة للشؤون الخارجية في حكومة تاتشر الحالية، والتي نقلتها جريدة الشرق الأوسط السعودية يوم 31/1/1980. يقول هيرد:
«ينبغي من أجل تحقيق التعايش السلمي في المنطقة في مسالة مستقبل الفلسطينيين.. وبناء على ذلك يجب أن تشارك منظمة التحرير الفلسطينية في التوصل إلى تسوية سلمية، كما يجب على "إسرائيل" التي لها حق مشروع في الوجود أن تعترف بالحقوق السياسية للفلسطينيين.
دور بريطانيا
وينبغي على المنظمة في رأي بريطانيا أن تلزم نفسها عن طريق المفاوضات لا لتُحقق أماني المنظمة فحسب، وإنما لتضمن أيضًا حق "إسرائيل" في العيش.
بين الموقف البريطاني والموقف الأمريكي
حقيقة أن كلًّا من بريطانيا والولايات المتحدة تلعبان دورًا كبيرًا على المسرح السياسي العربي في الشهور الأخيرة، إلا أن المراقبين اختلفوا في العلاقة بين الموقفين:
- فقد ذهب فريق إلى أن السياسة البريطانية هي صورة طبق الأصل عن السياسة الأميركية في المنطقة، وأن التكتيك الذي يتبعه الساسة البريطانيون إنما هو خدمة السياسة التي يريدها البيت الأبيض.
- وذهب فريق آخر إلى أن السياسة البريطانية تتمايز بفروقات سياسية واضحة عن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الأمر الذي يُوحي بأن الإنكليز ينتهجون نهجًا أوروبيًّا خاصًّا.
وأمام هذين الرأيين يستطيع يستطيع المراقب المسلم ملاحظة الدور البريطاني، على أنه دور لا يخرج عن فلك السياسة الاستعمارية الغربية في مواجهة الأحداث العالمية، مع حرصه على دخول حلبة اقتسام النفوذ في العالم الثالث من ناحية، والشرق العربي من ناحية أخرى، ولهذا فإن البريطانيين يحرصون على تعميم الصلح المشترك بين الحكومات العربية و"إسرائيل" في صيغة تضمن لهم حق الاشتراك في المفاوضات، الأمر الذي يساعد حكومة بريطانيا على التمركز وفق شرعية دولية، في مناطق تعمل أساسًا وفق تخطيط أمريكي في مواجهة حلف وارسو الذي يعمل بتوجيه سوفياتي محض، وعلى هذا الخط نجد أن بريطانيا قد أرسلت قطعًا من أساطيلها البحرية للتمركز قرب سواحل المتوسط، لمساندة السياسة الأمريكية بعد أحداث أفغانستان.
ثانيًا: في الخليج العربي
ولعل الدور الذي يقوم به البريطانيون في الخليج لا يخرج عن السياسة الغربية العامة، وذلك وفق الأدلة الآتية:
1- إعلان بريطانيا عن السماح للأساطيل الأمريكية في قواعدها داخل الخليج، مثل قاعدة مصيرة، تحت اسم حماية الخليج من الخطر السوفياتي.
۲ - إجراء مناورات مشتركة في الخليج والمحيط الهندي بين بوارج الأسطول البحري الأمريكي وقطع الأسطول البحري البريطاني المتمركز في قواعد معروفة في العالم.
3 - ما أُعلن عن استراتيجية عسكرية مشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة، لدعم وجود السلطان قابوس على المستويين الداخلي والخارجي.
4 - اعتماد صفقات من السلاح المشترك، ودفعه إلى السلطان قابوس، وذلك إثر زيارة اللورد كارنغتون لمسقط.
5- وجود بريطانيين عسكريين في عمان؛ يستعدون الآن لتدريب رجال من الجيش العماني على الأسلحة البريطانية والأمريكية التي سيتسلمها السلطان قابوس من إنكلترا والولايات المتحدة.
كل هذه المؤشرات تبرز مدى رابط الاستراتيجية العسكرية للدولتين في الخليج، وهذا لابد وأنه انعكس عن موقف سياسي موحد بين الدولتين في الخليج الغني بموارد النفط.
ومن هنا فإن الموقف البريطاني جاء متناسقًا مع مبدأ كارتر الذي أعلنه تحت اسم حماية الخليج من الغزو السوفياتي المحتمل، ويؤكد هذا ما قاله دوغلاس هيرد وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية أثناء زيارته لثلاثة من بلدان الخليج في الشهر الماضي؛ حيث ذكرت الشرق الأوسط السعودية يوم 25/۱/1980 أن تلك الجولة كانت «للبحث في قضايا الأمن الإقليمي».
يقول هیرد:
«إن مهمته في جولته هي السعي لتأمين دعم جماعي للتحركات الغربية، واستطلاع إمكانات مشروع جماعي لأمن دول الخليج».
هنا يستطيع المراقب أن يقول:
- إن السياسة البريطانية في الخليج هي جزء من صفقة الشراكة الاستعمارية بين أركان الغرب الذي تتزعمه الولايات المتحدة.
- وإن الديبلوماسية البريطانية تعمل من وراء الكواليس لتكريس السياسة التي تحاول حكومة كارتر تمريرها في بلدان الخليج.
- وإن مبدأ حكومة تاتشر في الحشد العسكري في الخليج لا يختلف عن مبدأ كارتر الذي طرحه في الشهر الماضي، تحت اسم حماية الخليج من السوفييت.
- وإن الإرث البريطاني المزعوم في الخليج العربي، هو صفقة محددة بين الاستيلاء على قسم واف من نفط الخليج، وفتح المزيد من الأسواق للسلاح البريطاني المطروح للبيع إلى جانب السلاح الأمريكي.
- وإن الوجود البريطاني في الخليج «برًّا – وبحرًا» هو مشابه للوجود الأمريكي من حيث الأهداف، وهي التي يمكن إجمالها في القيام بدور الشرطي الغربي بعد غياب الشاه، وضمان تدفق النفط لخدمة المصلحة الغربية، وحماية الأنظمة التي قد تهتز الأرض تحت أقدامها في لحظة تعيد إلى أذهان الغرب صورة الشاه المطرود.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل