; دور اليهود والماسونية في الانقلاب على السلطان عبد الحميد | مجلة المجتمع

العنوان دور اليهود والماسونية في الانقلاب على السلطان عبد الحميد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 428

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 16-يناير-1979

  • القوة اليهودية لا تقوم إلا بإبقاء شعـلة الفرقة والخصام بين الناس
  •  الأتراك الاتحاديون وتقليد الثورة الفرنسية في أساليبها اللادينية وطريقتها في خفض مستوى الأغنياء

نشرت «المجتمع» ثلاث حلقات من الوثيقة السرية التي أرسلها السفير البريطاني في القسطنطينية إلى وزير خارجية بلاده عام 1910، وقد تبين فيما مضى طرف من اللعبة الماسونية في السيطرة على كافة الاتجاهات السياسية في أقطار الخلافة العثمانية بواسطة تعدد اتجاهات محافلها، وفي هذه الحلقة تتضح بعض الأساليب الأخرى لليهودية والماسونية في السيطرة على بلدان الخلافة الإسلامية، كما تتضح اتجاهات تركيا الفتاة وممثليها، فضلًا عن سياسة الاتحاديين.

من الواضح أن اليهودي الذي يهتم أعظم الاهتمام بالاحتفاظ بنفوذه المطلق في مجلس وزراء تركيا الجديدة، ليس أقل اهتمامًا بإبقاء شعلة الفرقة والخصام بين الأتراك وبين خصوم اليهود المحتملين كاليونان والأرمن... إلخ، بينما يمكننا الاستنتاج بأن اليهودي لا يرى غضاضة بأن يزيد العهد الجديد من اقتراضه الأموال من الممولين اليهود. لقد أطلت الحديث عن هذه الناحية من الثورة التركيةلأنها- بالإضافة إلى أهميتها التاريخية- لا تخلو من أهمية مباشرة على مشكلات ثانوية في الشرق الأدنى.

إن اليهودي يكره روسيا وحكومتها، وحقيقة كون إنجلترا هي الآن صديقة لروسيا حسنة العلاقات معها قد أدت إلى جعل اليهود - إلى حد ما - يقفون ضد بريطانيا في تركيا وإيران. وهذا أمر لا أظنه يخفى على الألمان. بإمكان اليهود أن يساعدوا رجال تركيا الجديدة بأدمغتهم ومشاريعهم التجارية، وبنفوذهم الهائل في الصحافة الأوربية، وبتقديم الأموال مقابل الحصول على مكاسب اقتصادية، ومقابل التحقيق لأهداف إسرائيل العليا في المستقبل، بينما تريد تركيا الجديدة أن تستعيد استقلالها الوطني وتؤكده، وتتحرر من وصاية أوربا عليها، كجزء من نهضة آسيوية عامة، وبوتيرة لا بد وأن تظهر للغربي العادي، وطنية شوفينية مسرفة في التطرف. لقد قدم اليهود الأموال إلى الأتراك الشبان، وبهذا أحكموا سيطرتهم عليهم، ولكن حتى يحافظ اليهود على هذه السيطرة لا بد لهم أن يتظاهروا على الأقل بأنهم يوافقون على تحقيق الأتراك الشبان لأحلامهم «القومية»، والطرائق الملتوية والسوية أمران أساسيان لكلا الفريقين. واليهودي الشرقي متمرس في التعامل مع القوى الخفية. 

وقد اختبرت الماسونية السياسية من الطراز الأوربي كأكثر الروابط فعالية، والعباءة التي تستر الأعمال الداخلية للحركة.

ذكرت فيما تقدم أنه في البداية «تآخى» هذا الشكل الجديد من الماسونية في تركيا مع أعضاء المحفل البريطاني- أي المحفل الإسكتلندي- في القسطنطينية قبل خمسين سنة، ولكن المحفل الإسكتلندي الأعظم سرعان ما أخذ يكتشف أن تصرفات المحافل الماسونية المحلية- التي يُسيّر معظمها اليهود- ليست إلا تشويهًا واستغلالًا مشينًا للماسونية الحقة.

 فأعلن أن هذه المحافل المحلية إنما هي محافل «مزيفة»؛وكانت نتيجة ذلك أن المحفل الإنكليزي أغلق أبوابه بوجوه جميع الماسونيين الجدد، ومن ضمنهم أعظم الوزراء سلطة ونفوذًا: طلعت بك وجاويد بك. وهذان الوزيران اللذان يسيطران على جيوش تركيا، وعلى ماليتها، والأحكام العرفية والبرلمان، وفي كلمة واحدة يسيطران على مقدرات الدولة بصورة عامة، من الطبيعي أن يستاءا من هذه «الصفعة الإنكليزية»،كما تقول الإشاعات التي انتشرت في ندوات الهمس والوشوشة. ولعلهما أصبحا أقل ميلًا لبريطانيا نتيجة لهذا الأمر.

 ولقد وصفا بأنهما «جُنَّا من الغضب لهذه الإهانة». ولكن لا يوجد أي دليل على الافتراض أن هذه الإهانة قادتهما لتغيير سياسة الصداقة، التي يسير عليها مجلس وزرائهما نحونا بصورة جوهرية. ولعلنا نفسر الأمر لصالحهما فنفترض أنهما لا يعرفان إلا القليل، أو ليست لديهما أية معلومات مؤكدة، عن الآراء المتطرفة وعن سياسة بعض أعضاء المحافل الماسونية المحلية الذين هم على اتصال بالماسونيين المصريين، ويتعاطفون معهم، ويعملون بنفس الطريقة السرية في القاهرة والإسكندرية.. إلخ. فبعض الماسونيين من المغالين في الوطنية هنا يعملون مع الأحزاب المناوئة للخديوي وللإنكليز في مصر، وقد صرح نائب في البرلمان عربي وماسوني بأن لديه أسبابًا كافية ليفترض أن أحد الأهداف المضمرة التي يسعون لتحقيقها، هي أن يثيروا البلبلة في مصر بوساطة الدعاية، واستعراض الأسطول العثماني بين فترة وأخرى في الإسكندرية، والبلبلة تقود إلى القلاقل والاضطرابات حيث يمكن التخلص من سمو الخديوي بوساطة «اليد السوداء»،وتعيين أحد أفراد أسرة الأمير حليم وصيًّا على ابن الخديوي، على غرار التغييرات الحديثة التي وقعت للأسرة المالكة في إیران، ومما لا شك فيه أن جمعية الاتحاد والترقي شجعت الإيرانيين- وتعاونت معهم- على إحداث تلك التغييرات في الأسرة الحاكمة. ويدور الحديث الآن حول البدء بإنشاء محفل الشرق الماسوني في إيران، وفرج الله خان القائم بأعمال السفارة الإيرانية الجديدة في القسطنطينية قد انتمى إلى الماسونية حديثًا.

إن نموذج عضو جمعية الاتحاد والترقي الذي يحمل مثل هذه الأفكار هو «وطني آسيوي»، وأيًّا ما يكون شعوره بالشكر لأية دولة أوربية تقدم أية خدمة لبلاده، فإنه يعتبر من واجباته «الوطنية» مساعدة أبناء الشعوب الشرقية الأخرى، الذين «يناضلون بحق ليكونوا أحرارًا»، ويجاهدون في مصر وفي الهند لكسب حريتهم من «العبودية الأوربية».

 إن سياسة جمعية الاتحاد والترقي لا توجهها الاعتبارات العاطفية، وأية دولة تتوقع الاعتراف بالجميل لخدمات تؤديها الدولة التركية إنما ترتكب خطأ جسيمًا. يقال إن إسماعيل حقي بك بابان زاده، نائب بغداد وأحد خبراء جمعية الاتحاد والترقي في الشؤون الخارجية، له أخ اسمه حكمت بك ويعمل تحت رئاسة رؤوف باشا في الوكالة العثمانية في القاهرة. ويظهر أن لحكمت بك هذا معاملات مريبة- بوساطة بعض السوريين- مع محمد فريد وغيره من الوطنيين على الرغم من سلوك رئيسه المستقيم. وتقوم جريدة «تركيا الفتاة»- التي يمولها اليهود كما يمولون عددًا آخر من الجرائد في العاصمة العثمانية- بين الحين والحين بنشر مقالات شاب من جزيرة كريت اسمه نوري، عضو في جمعية الاتحاد والترقي أبوه عضو في مجلس الأعيان من جمعية الاتحاد والترقي. وكاتب آخر من كتاب الجريدة بولندي مرتد اسمه سيف الدين ت. غاستوت، كانت له في وقت من الأوقات علاقات مالية مع أوبنهايم، اليهودي الألماني المعروف جيدًا في القاهرة منذ حادثة العقبة. 

وقد قام غاستوت حديثًا، مع مصري يدعى حسين حسيب، بإنشاء جريدة تعمل لنشر الدعوة للجامعة الإسلامية باللغتين التركية والفرنسية اسمها: «منبر الشعوب»، وهدف الجريدة الصريح هو إيقاظ الملايين من الإخوة «المضطهدين» في الهند، ومصر، وروسيا، وتونس، والجزائر، إلخ، وتنبيههم للتضامن مع مسلمي تركيا الجديدة. وتصرح هذه الجريدة بأن سياسة أوربا هي ضد الإسلام وضـــــــد الآسيويين،وأن الأتراك يجب ألّا يصدقوا ما يعلنه الأوربيون كذبًا ونفاقًا من صداقة. 

وأما عن إنكلترة فالجريدة تقتبس عبارة أحمد رضا بك التالية: «إن تهديم الإمبراطورية العثمانية سوف يزيد من قوتها «أي بريطانيا»، ويثبتها في مصر وبلاد العرب»، وحسين حسيب بك أشبه ما يكون بممثل الوطنيين المصريين في القسطنطينية، وقد اهتم بإدخال بعض الشبان الوطنيين في المدارس التركية، وله أخ يعمل مع محمد فرید.

ما هي إذن اتجاهات تركيا الفتاة المحتملة؟ 

إن ممثليها المدنيين هم: طلعت بك، الذي كان كاتبًا في دائرة البرق ويقبض ثلاث ليرات تركية في الشهر. وجاويد بك وزير المالية، كان معلمًا يكسب نحو عشر ليرات تركية في الشهر. وحسين جاهد بك، وهو نائب في البرلمان ومحرر جريدة طنين، وقد ترجم في وقت من الأوقات روايات للسلطان عبد الحميد بسعر 9 بنسات للصفحة الواحدة. كانت غرائز هؤلاء الأشخاص الطبيعية- وما زالت- تدفعهم إلى أن يهبطوا بمستوى الناس الآخرين إلى نفس مستواهم هم.

إن العنصر التركي يعد ستة ملايين نسمة في إمبراطورية عدد سكانها نحو ثلاثين مليون نسمة، وهذا العنصر التركي في ظل حكم دستوري حقيقي يسمح بشيء من العدالة ويتيح فرصة العمل للعناصر الأخرى. لا بد وأن يضيع في أكثرية السكان، «العرب، واليونان، والبلغار... إلخ»، خاصة وأنه أدنى مستوى من هذه الأكثرية في الذكاء، والتعليم، والكفاءات المالية والقابليات التجارية، وهو لا يستطيع أن يحافظ على مركزه عنصرًا سيدًا متغلبًا إلا بصفاته القتالية، أي بالجيش فقط. إن الأتراك يسيطرون على العاصمة وعلى البرلمان بوساطة الأحكام العرفية. وقد أرهِب الأرمن بمذابح أدرنة، وأرهِب اليونانيون واضطروا إلى التزام صمت نكد، وسحقت الحياة السياسية البلغارية بغلق نواديهم وجمعياتهم بالقوة، هذا ما جرى للعناصر المسيحية التي يخشى الترك من تمردها المحتمل.

ويقوم الجيش التركي بإخضاع الألبانيين المسلمين الذين لم يعرفوا الخضوع لأحد. وربما سيعاني الأكراد والعرب بدورهم نفس المعاملة. وبما أن العنصر التركي لا يستطيع أن يتألق بالإنجازات الفكرية أو التجارية، فإن غريزته تقوده إلى أن يظهر تفوقه بـ«نشاطه» العسكري، وإذا نجح العنصر التركي في إيصال الإمبراطورية إلى حالة الخضوع الصامت داخليًّا، فمن المحتمل أن يندفع إلى تبني سياسة شوفينية نشطة تجاه إيران، ومصر، واليونان وربما بلغاريا. وفي اللحظة الراهنة لا يغامر بانتهاج هذه السياسة لاعتبارات يفرضها الحذر والتعقل، وذات علاقة بمسألة كريت حيث يتطلب الأمر حسن نوايا أوربا للحصول على الحل الملائم. 

وإذا حصل الأتراك على ما يريدون في كريت فلا بد وأن يحرك ذلك شهيتهم للحصول على نجاحات مماثلة في مصر... إلخ، على أن كل هذا يتوقف على الممولين الأوربيين، ومعظمهم من اليهود، الذين يزودونه بالمبالغ المطلوبة للإبقاء على جيش لا يتناسب حجمه مع الحالة الراهنة لتطوره الاقتصادي. في الوقت الحاضر النظام الدستوري التركي مظهر كاذب، ولكن إذا نظرنا إلى المستقبل وكيف سيتمكن العنصر التركي من المحافظة على تفوقه بالقوة فقط في ظل حكم دستوري حقيقي فمسألة تكاد تكون غير قابلة للحل. ومهما يكن من شيء فإن تركيا الفتاة نفسها تجد نفسها طليعة آسيا المستيقظة، وتتخيل نفسها مسوقة بحكم الواجب لحماية الحريات الوليدة في إيران «التي تهددها الآن سياسة روسيا وإنكلترة الأنانية المتغطرسة»، ومن هنا سياستها المغامرة في أذربيجان الغربية، وارتباطاتها السـرية بجمعيات إيران الفتية، وبجهود الألمان في التدخل في إيران، كما في مراكش سنة 1906، وبثورييالقفقاس. 

وكذلك علاقات الأتراك بالثوربين اليهود والأرمن «الطاشناق» في روسيا، التي تأمل في إضعافها وجعلها غير قادرة على الضرر، وذلك بتشجيع القلاقل والاضطرابات، وتقوية تيار الثورات والانتفاضات الداخلية. والأتراك يغازلون- بمعونة اليهود-إخوانهم الهنغاريين الذين ينتمون مثلهم إلى العنصر الطوراني، ويحاولون أن يوجدوا تيارًا يتعاطف معهم في أفغانستان وبين مسلمي الهند، ويقلد الأتراك الاتحاديون «أعضاء جمعية الاتحاد والترقي» الثورة الفرنسية وأساليبها اللادينية وطريقتها في خفض مستوى الأغنياء إلى مستوى الفقراء، ويعود ذلك إلى توجيه الماسونية اليهودية من ناحية، وإلى حقيقة كون اللغة الفرنسية هي اللغة الأوربية الوحيدة المنتشرة أوسع الانتشار في الشرق الأدنى. وقد أدى تطور الثورة الفرنسية إلى العداوة بين إنكلترة وفرنسا. وإذا تطورت الثورة التركية على نفس النهج فأغلب الظن أنها ستجد نفسها كذلك في حالة أعداء لمصالح بريطانيا ولأهدافها العليا. 

 يتبع العدد القادم

 

الرابط المختصر :