العنوان دور اليهود والماسونية في الانقلاب العثماني 1908
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979
مشاهدات 74
نشر في العدد 427
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 09-يناير-1979
تفخر الجمهورية الفرنسية بأنها: بنت محفل الشرق الأعظم، وهذه الصفة نفسها يمكن أن توصف بها جمعية الاتحاد والترقي العثمانية، ولما كان الماسونيون هم الذين يؤلفون أعضاء جمعية الاتحاد والترقي وأنصارها ومؤيديها، فإن غير الماسونيين، أي الغالبية العظمى من السكان، هم معارضون في السر لحكم الجمعية.
ومثل الجمهوريين والماسونيين في فرنسا، فإن الكلمات التي لا تفارق شفاه مؤيدي الجمعية هي: الرجعية، والكهنوتية. ولم يكن اتجاهها الأول نحو تعديل وتحديث الشريعة الإسلامية - القانون المحمدي المقدس - وإنما نحو هدم أسس الشريعة وتحطيمها. وفي حين أن معظم قادة الجمعية هم صراحة علمانيون وعقلانيون فإنهم يسعون كذلك، ويا لها من مفارقة، إلى استخدام حماسة الجماهير الإسلامية كسلاح سياسي ويحولونها إلى أقنية شوفينية، على غرار الجامعة الإسلامية، أي الوطنية الآسيوية والجمعية لا تقبل أي نقد مهما كان.
وإحدى الطرق التي تستخدمها لسحق خصومها هي أن تدفعهم إلى إعلان المعارضة الصريحة، ومن ثم تسحقهم باعتبارهم رجعيين. وقد أقنع عدد من رجال الدين بالانتماء إلى الماسونية، فاتخذتهم الجمعية أمثلة للتغلب على شكوك الشعب بالماسونية، وكراهيته لها. وقد وصف أحد الأتراك هذه الطريقة بأنها عملية تخدير الشعب بحشيشة يهودية.
يظهر مما تقدم، وكما يتبين من أية ملاحظة دقيقة لحركة تركيا الفتاة في مرحلتها الراهنة، أن هذه الحركة هي في جوهرها وأساسها حركة يهودية وتركية، تعارض العناصر الأخرى كالعرب واليونان، والبلغار، والأرمن إلخ أن التركي في جوهره، جندي، وهو يسعى تحت الأشكال الدستورية، للحفاظ على تفوق عنصره.
هذا التفوق الذي هو الشيء الذي لا يستطيع تحقيقه إلا بوساطة الجيش. وهو ينفق على الجيش نصف دخله، ويستخدمه لإبقاء العناصر الأخرى في حالة رعب وخضوع أبكم.
والدستور، من بعض النواحي، يتضمن التقدم الاقتصادي، ولكن الكيان الاقتصادي التركي ضعيف جدًا، ولا يستطيع أن يقف وحده، دون سند، أسبوعًا واحدًا، وكان المؤمل في البداية أن يؤلف الأرمن والبلغار واليونان واليهود والعثمانيون الدعامة الاقتصادية للبلاد، ولكن يظهر أن جمعية الاتحاد والترقي قد تحالفت فقط مع اليهود، العثمانيين والأجانب، وعادت العناصر الأخرى.
وتشاهد الحالة نفسها في بلاد المجر، حيث إن المجري، وهو من العنصر التركي، فاقد للغرائز التجارية الحقيقية تمامًا مثل التركي، ولهذا وقع تحت السيطرة الاقتصادية والمالية لليهود، سيطرة تكاد تكون تامة، ويظهر أن اليهود قد أربكوا التركي الذي لا يعرف العقلية التجارية في جهوده.
ولما كانت الدولة التركية تضم الأماكن المقدسة عند إسرائيل، فمن الطبيعي أن يسعى اليهودي جاهدا ليحتل مركز نفوذ يتفرد به وحده، ويستخدمه لتحقيق مثله العليا ألا وهي إقامة دولة مستقلة في فلسطين أو في بلاد بابل - يقصد الكاتب العراق. المترجم- كما أوضح ذلك زانغفيل في مقاله المنشور في عدد شهر نيسان من مجلة فورت ناتيلي ريفيو.
وهو سيصيد عصفورين بحجر واحد إذا استطاع أن يحصل من الأتراك على السماح بهجرة غير مقيدة إلى تركيا، وهذا هدف ما فتئ يسعى لتحقيقه من سنوات عديدة، فينقل إلى ميزوبوتاميا -العراق. المترجم- بضعة ملايين من إخوته في الدين اليهودي- يرزحون تحت نير العبودية في روسيا ورومانيا.
وفي مقابل الهجرة غير المحدودة هذه لليهود الأجانب عرض على جمعية الاتحاد والترقي أن يستبدل لغته الوطنية باللغة التركية، بل إنه على استعداد لتحمل جميع ديون الدولة التركية.
وقد قام الدكتور ناظم، وهو من أبرز أعضاء جمعية الاتحاد الترقي في سالونيا ويقال إنه من أصل يهودي، يرافقه صديقه الحميم المدعو فائق بك تولاليدو وهو من أصل يهودي من سالونيكا، بزيارة فرع الوكالة اليهودية في باريس، ومنذ تلك الزيارة تبنى فكرة إدخال 200.000 يهودي روماني إلى مقدونيا، وبضعة ملايين من يهود روسيا إلى العراق.
وقد عبر إسرائيل زانغفيل، في مقاله المنشور في عدد نيسان من مجلة فورت نايتلي ريفيو الذي تقدم ذكره، عن الأمل في أن يكون حقي باشا، رئيس وزراء تركيا الحالي، مؤتمنًا على تقديم المشورة الصحيحة عن الموضوع إلى الباب العالي، أي أن يكون مؤيدًا لقيام دولة يهودية مستقلة في العراق.
وقد وضع في خدمة حقي باشا سكرتير شخصي يهودي، وهو يتردد على أحد البيوت اليهودية أكثر مما يزور أي بيت آخر، ولكن المشروع اليهودي لم يتحقق حتى الآن، ومما لا شك فيه أن حكومة تركيا الحالية، وهي تتحمل نفقات عسكرية ثقيلة، بحاجة إلى قروض مالية، مما سيمكن المقرضين اليهود من استخدام ضغوط جديدة عليها. وقد رفض السلطان عبد الحميد، عندما كان يعاني أزمة مالية شديدة، مثل هذه العروض التي تقدم بها إليه هرتزل الزعيم الصهيوني.
ويبدو أن زانغفيل كان يعبر عن الفكرة نفسها عندما كتب: «فإذا لم يكن حظ أعضاء جمعية الاتحاد والترقي من الإدراك السليم أقل من النقود في خزائنهم فإنهم سيدركون ولا شك أية فائدة عظيمة ستحصل عليها دولتهم بسماحهم، بالتغلغل السلمي في بلادهم لسكان من الجنس الأبيض ذوي كفاءة صناعية، ومثابرة في العمل، وغير عسكريين».
يقول زانغفيل: إن النواب اليهود الأربعة في البرلمان العثماني هم خصوم ألداء للصهيونية-. قد يتظاهر هؤلاء النواب اليهود. الأربعة بعدائهم للصهيونية فيما يختص بالصهيونية الداعية إلى هجرة اليهود إلى فلسطين، ولكنهم وبكل تأكيد، لا يعادون الصهيونية الداعية إلى هجرة اليهود إلى العراق.
هذه الناحية من سياسة تركيا الجديدة لا يمكن أن يتجاهلها أولئك الذين لهم علاقة بالمشاريع والخطط المقترحة في العراق وسوريا، بل وحتى في مصر، فإن جريدة «شفق»، وهي جريدة صهيونية أنشئت منذ سنة في القسطنطينية، وما زالت تذكر قراءها، وتعيد تذكيرهم دون كلل ولا ملل، بأن السيطرة على مصر، أرض الفراعنة الذين أجبروا على بناء الأهرامات، هي جزء من ميراث إسرائيل في المستقبل.
قد تبدو هذه النظرية خيالية، بعيدة عن الواقع، ولكن عددًا من المثاليين يعتنقونها، ويدعون لها، ويبشرون بها، على أن فلسطين والعراق هما هدف اليهود النهائي البعيد، وأما الهدف المباشر القريب، الذي يسمو اليهود إلى تحقيقه، فهو السيطرة الاقتصادية التامة على تركيا، وإقامة المشاريع الجديدة فيها.
وقد تبين فيما تقدم أن اليهود قد تمكنوا حتى الآن من احتلال جميع النقاط الرئيسية في الحكومة التركية الجديدة، أو من السيطرة عليها، على الرغم من أن وزارة الأشغال العامة، التي بإمكانها أن تؤثر في منح الامتيازات، ما زالت بيد أحد الأرمن حلاجيان أفندي، وعندما عزل سلفه من هذه الوزارة، وهو أيضا أرمني، حاول اليهود بكل الوسائل أن يعينوا في هذا المنصب يهوديًا، أو شخصا يوافق عليه اليهود، ولكن ارتأى، وخاصة بعد مذبحة الأرمن في أدرنة، أنه من الضروري أن يكون للأرمن وزير واحد في مجلس الوزراء.
وقبل شهرين كان حلاجيان أفندي على وشك السقوط، ولكنه حصل على فرصة جديدة للبقاء، وذلك بأن أصبح ماسونيًا، وانتمى إلى نفس المحفل الذي ينتمي إليه طلعت بك وجاويد بك، وما يزال مركزه الآن قلقا مهزوزا ومعظم الهجوم المستمر عليه، والنقد القارص له، يصدر عن جريدة يمولها اليهود تسمى تركيا الفتاة.
هذا وترددت شائعات بأن خلفه في الوزارة سيكون يهوديًا، أو تركيًا يوجهه يهودي من وراء الستار.
يتبع العدد القادم