; دور الناصرية في ترسيخ البيروقراطية | مجلة المجتمع

العنوان دور الناصرية في ترسيخ البيروقراطية

الكاتب روبيرت كابلان

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995

مشاهدات 66

نشر في العدد 1153

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 13-يونيو-1995

بقلم: روبيرت كابلان

عن مجلة «أتلانتيك ماتثلي» الأمريكية

ترجمة: الدكتور محمد وليد، والدكتور محمود النحاس

  • يُجمع الدبلوماسيون الغربيون الذين سألتهم على أنه لو أجريت انتخابات حرة في مصر لنالت جماعة «الإخوان المسلمون» معظم الأصوات
  • القوات المسلحة والأمن المركزي هي التي تقرر من يتولى الحكم وليست الأغلبية الديمقراطية.. والتعذيب والقتل إحدى سمات الممارسة الحكومية

لقد سافرتُ إلى معظم أنحاء الشرقِ الأوسط، وكانت أسيوط التي يبلغ سكانها ٣٠٠٫٠٠٠ نسمة وتبعد (٢٠٠ كم) جنوب القاهرة من أكثر المدن التي تدعو مشاهدتها للاكتئاب في حياتي، فالوجوه التي نشاهدها في الشوارع تبدو مُتعبة؛ حيث تلبس النساء العباءات الداكنة اللون، ويفترض في كل امرأة كاشفة لشعرها ومتبرجة أنها مسيحية، ولا توجد في الشوارع دهانات براقة إلا على تلك اللوحات المكتوبة باللغة العربية، والتي تدعو الناس لصيام رمضان والنساء لارتداء الحجاب، وعلى الرغم من أن هذه الأمور لا تتدخل في السياسة بشكل مباشر إلا أنها تشير إلى نفوذ المتشددين المسلمين وضعف الحكومة الوطنية المتمثلة بمركز قوي للبوليس وبناء أسمنتي لأمن الدولة على شط النيل، ويحرس المبنيين حراسة مشددة: جنودٌ خلف أكياسهم الرملية، ومخبرون سريون بثيابهم المدنية والمسدسات في أيديهم.

إن أسيوط خالية من الجريمة العشوائية، وقد شعرت خلال مرافقتي لصديقي المصري بأمن تام خلال زيارتي الأخيرة، وبهذا المعنى فإن المجتمع المصري أكثر تحضرًا من مجتمعنا ويتطلب الحفاظ عليه بهذا الشكل - في وجه التصنيع والمدنية ونمو المناطق السكنية العشوائية - تماسكًا دينيًّا واجتماعيًّا محافظًا يمهد الظروف لانتشار التشدد الإسلامي.

إن جو أسيوط المكفهر يؤدي بالناس إلى السخط السياسي، خاصة عندما يكون (٢٠٪) منهم عاطلين عن العمل أو يعملون بأقل من طاقتهم كما هو الحال عند كثيرين غيرهم.

لماذا تقتل الجماعة الإسلامية السياح؟

لا أدري، وكل ما استطعت عمله هو أن أنظر إلى ما حولي وأتكلم إلى الناس، فمحمد حبيب - هو أستاذ الجيولوجيا في جامعة أسيوط- يفسر قتل المتطرفين للسياح فيقول: ليس لدى المتطرفين أية عداوة شخصية مع السياح، وأفعالهم هذه ليست إلا وسيلة ضغط على الحكومة المصرية التي تدعمها أمريكا و«إسرائيل»، ومع ذلك فإن أفعال القتل هذه هي ضد الإسلام وضد مصر، ونحن نستنكرها. 

محمد حبيب - هو أحد شخصيات الإخوان المسلمين المحترمة في أسيوط. وقد أسس حسن البنا الجماعة عام ١٩٢٨م، لكنها سرعان ما اتخذت المواجهة تكتيكًا لها، وكانت مسئولة عام ١٩٤٨م عن اغتيال رئيس الوزراء المصري، وعام ١٩٥٤م عن محاولة اغتيال جمال عبد الناصر. وقد فتح أنور السادات أبواب الحوار معهم، وذلك لمواجهة اليساريين الناصريين الذين أرادوا الإطاحة به، ثم تعهدت الجماعة بنبذ العنف، ولم تتهم بأي هجوم منذ ربع قرن، وينظر الكثير من المصريين إلى جماعة الإخوان المسلمين كقوة داعمة للعمل الخبري، فقد افتتحت العيادات الطبية والمنظمات الخيرية والمدارس والمستشفيات، ولا يعلم أحد كم عددهم بالضبط؛ إذ لم تظهر قوتهم الانتخابية الشعبية الحقيقية؛ لأنهم ممنوعون من الممارسة كحزب سياسي، ويجمع معظم من سألتهم من المصريين ومن الدبلوماسيين الغربيين أنه لو أجريت انتخابات حرة في مصر لنالت جماعة الإخوان المسلمين على الأرجح معظم الأصوات، ولم يكن بإمكاني الحصول على معلومات أكثر دقة.

هل هناك من علاقة بين جماعة الإخوان والمنظمات الإسلامية الأخرى المتطرفة كالجماعة الإسلامية على سبيل المثال؟ يقول معظم من تكلمت معهم من المصريين: إنه ثمة علاقة، ولم يقدم أحدهم أية تفصيلات، أو دليلًا على ذلك.

محمد حبيب أو الأستاذ الدكتور حبيب هو عضو نموذجي لجماعة الإخوان، وأعني بذلك أنه شديد الانضباط وبادي العِزة، وهو ذو لحية بيضاء مهذبة بشكل بالغ، ويلبس نظارات أنيقة، وجاكيتة بلون الكريمة ذات خطوط مضلعة تعطيه مظهرًا أستاذيًّا شديد الأناقة، يتكلم بغُنة أنفية لغةً عربية بينة، يدعوها العلمانيون المصريون اللغة الإسلامية.

عندما تسمع صوت حبيب المميز وهو يستنكر ما تقوم به الحكومة من تعذيب، ليس فقط لمن يشتبه بأنه إرهابي، وإنما لأي من الناس الذين لهم علاقة ولو غير أكيدة به، إذا كانت هذه العلاقة موجودة أصلًا، فإنك تقع تحت برهة من التفكير المثالي التآمري، وهناك اتجاه لدى الدبلوماسيين والخبراء بالمنطقة، ولدى المصريين أنفسهم يقول: إن حركة الإخوان تشكل البديل الإسلامي المعتدل للمتشددين، وتقدم للحكومة الوسيلة لتجنب التطرف، ومع ذلك فعندما نسأل حبيب - بغض النظر عن أعضاء الجماعة الآخرين - عن الاقتصاد المصري وما تواجهه الحكومة من متاعب في تخصيص حوالي (٣٠٠) شركة حكومية والتعامل مع الروتين القاتل لمليون موظف حكومي، تأتي إجابته غامضة، ولا يزيد عن القول: هذه مشاكل سياسية. وعندما تسأل الإخوان عن أمريكا ترى عداءهم الظاهر لها قائلين: إن أمريكا هي التي تدعم النظام الاستبدادي في القاهرة.

وعند سؤاله عن «إسرائيل» أجاب حبيب قائلًا: «إن ما يقوم به عرفات والحكومات العربية الأخرى من سلام مع «إسرائيل» لا يغير من الحقيقة شيئًا، وهذا سبب آخر يضاف إلى الأسباب التي أدت إلى فقدان مصداقيتهم وستؤدي إلى انهيارهم، نحن نعرف اليهود وكيف أنهم كانوا دائمًا يقومون بخلق المشاكل».

إن المناقشة العميقة لمستقبل مصر يجب أن تبدأ من الاعتراف بأن الكيان المصري ليس كيانًا مصطنعًا كالعديد من كيانات الشرق الأوسط، فحضارة وادي النيل كانت وستبقى كيانًا جغرافيًّا ذا معنى، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه مهما كانت درجة استياء الناس في أسيوط؛ فإنهم يعتبرون أنفسهم مصريين، والقوى الانفصالية الموجودة في الجزائر بأقليتها البربرية الكبيرة وقبائل الطوارق لا وجود لها في مصر، وإذا ما سافرت بين المنيا وأسيوط وهي مسافة ساعتين بالسيارة، لا يرى المسافر المشاهد المعتادة لخلفية وادي النيل؛ حيث تسير الجواميس على حافة الترع بين المناطق الخضراء المزروعة، وإنما يتعب من مشاهدة البيوت المبنية بالطوب الأحمر والمنتشرة بدون انتظام حيث لا نهاية للزحام، ولأن أبنية الطوب الأحمر أكثر ثباتًا من البيوت الطينية فإنها أكثر علوًا مما يسمح للكثافة السكانية بالازدياد، وكذلك للتوتر الاجتماعي.

الأقباط في الصعيد

ينمو التشدد الإسلامي في هذه البيئة ليس بسبب البطالة وعجز الحكومة عن تقديم الخدمات الأساسية فقط مثل توفير تمديدات المياه وجمع القمامة. وإنما أيضًا من وجود الأقباط الذين تكثر أعدادهم في الصعيد أكثر من بقية أنحاء البلاد. لم يخترق الفتح العربي في القرن السابع عمق الجنوب المصري؛ حيث يشكل الأقباط الذين يتميزون دينيًّا وليس عرقيَّا حوالي (٢٠٪) من سكان الصعيد، بينما لا يشكلون إلا أقل من (١٠٪) في البلد ككل. «مع العلم أن كل الأرقام المصرية عن تعداد السكان هي أرقام تقريبية»، إن توسعية مركز الحج إلى دير مريم العذراء خارج أسيوط، والتي بنيت بتبرعات الأقباط في مصر والعالم هي تذكرة فجة للمسلمين بثراء الأقباط، ولا يوجد مسجد في الصعيد بضخامة وفخامة مركز الحج الذي يرى صليبه من مسافة أميال كثيرة عبر وادي النيل، وعلى كل حال فإن المساجد الكثيرة في الصعيد هي مساجد حكومية، ولا تتمتع بالمصداقية السياسية للمساجد الأهلية المتواضعة الموجودة في مقدمة المحلات التجارية، والتي صادرتها الحكومة بعد أن أصبحت قواعد للجماعات الإسلامية.

عندما سألت عائلة حسني فرج - وهو مزارع قبطي في قرية شمال أسيوط - فقد ذراعه اليمنى وعينه اليسرى نتيجة هجمات الجماعة الإسلامية على حقله، عن مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية أجاب أحد أفراد عائلته: «يمكن لنا أن نشعر بالأمان إذا كان هناك رجل شرطة لحمايتنا في كل شارع من الشوارع»، وبعد زيارتي بأسبوعين قتل خمسة أقباط بينهم قسيسان خارج إحدى الأديرة قرب قرية فرج.

حدثت اضطرابات دورية خلال حكم السادات في السبعينيات والثمانينيات، تلتها فترات أطول من الهدوء، أما الآن فإن الاضطرابات أصبحت مستوطنة، وليست المشكلة محدودة بالصعيد، ففي أول نوفمبر الماضي حدثت في الإسكندرية مؤامرة لاغتيال الرئيس عن طريق تفجير سيارته بواسطة آلة لكنس الألغام أخذت من مخازن الجيش، كما حدثت محاولة اغتيال لثلاثة من وزراء الحكومة، ومن الملفت للنظر أن هذه الهجمات لم تحدث إلا استياء قليلًا لدى المصريين.

دور الناصرية في ترسيخ البيروقراطية

هناك خرافة تقول: إن الناصرية ماتت مع عبد الناصر عام (١٩٧٠م) وهذا ليس صحيحًا؛ إذ إن ركائز الناصرية كانت دومًا في الجيش وبيروقراطية الدولة العملاقة، والمؤسسات التجارية الضخمة المؤممة وطبقة رجال الأعمال الخاصة وأقاربهم - الذين حمتهم الدولة من المنافسة الخارجية - فشكلوا طبقة طفيلية عالة على الدولة يشترون القطن والمواد الأولية الأخرى من الحكومة بأقل من سعر السوق، ويبيعونها بضائع وخدمات رديئة النوعية، وناصر والسادات وغيرهم كلهم انبثقوا من فيلق من ضباط القوات المسلحة تمتع في العقود الأخيرة بمميزات حكومية مدعمة بدءًا بالإسكان وانتهاءً بالسيارات ضمن المنافع الأخرى، ومهما يبدو النظام شغوفًا بمقارنة نفسه مع أنظمة ليبيا وسوريا والعراق، فإن مصر مازالت تحكم بقانون الطوارئ منذ الخمسينيات، إنها دولة الأمن القومي التي تعني أن المعتقلين ليس لهم في الواقع أي حقوق، وأن القوات المسلحة وليست الأغلبية الديمقراطية هي التي تقرر من يحكم، يذهب أكثر من نصف المساعدات التي تعطيها الحكومة الأمريكية لمصر سنويًّا «أي ١,٣ مليار دولار من أصل ٢,١ مليار دولار»، للقوات المسلحة.

أما بالنسبة للبيروقراطية فإنها موجودة في مصر منذ خمسة آلاف سنة قبل عبد الناصر، ولكن ناصر قوى سلطتها ورعى نموها جزئيًّا عن طريق سياسته في التأميم، وقد علمت بوجود دراسة - لا أدري مدى صحتها – تقول: بأن متوسط العمل الفعلي للبيروقراطي المصري هو (٢٧) دقيقة في اليوم، وإن أي مراقب للبيروقراطيين في مبنى المجمع الحكومي المتفرع في ساحة التحرير في القاهرة، وهم يجلسون لساعات يثرثرون ويقرؤون المجلات ويأكلون سندويتشات الفول يعلم بأن هذا الرقم قد يكون صحيحًا إلى حد كبير، لقد زرت مصر تسع مرات، وقضيت ساعات أتفرج على البيروقراطيين وهم يجلسون خلف مكاتبهم الآخذة في التلف، ولا يعملون أي عمل البتة.

لقد قدم ناصر للمصريين الفقراء خبزًا رخيصًا ولغوًا عن «إسرائيل» ووظائف في بيروقراطية الدولة، ولكن كان عليه أن يقدم أكثر من ذلك للنسبة المهمة من الطبقات الوسطى والعليا التي كان يشك في ولائها، ولذلك - وعلى سبيل المثال - منح عقودًا لرجال الأعمال المنتفعين؛ ليبنوا إسكانًا مدعومًا، ولم تكن الشقق الجديدة للفقراء، بل كانت لضباط الجيش والشرطة وللقضاة والمهندسين ولغيرهم من المهنيين من الطبقة الوسطى الذين احتاج ناصر لتأييدهم، واليوم يروى أن هناك مليون وحدة سكنية فارغة في مصر مقفلة، وتمثل رأس مال مجمد قيمته أكثر من ٢٥ مليار دولار، كثير منها لأولاد وأقارب جيل جديد من الأثرياء، بينما لا يستطيع المواطنون الأكثر فقرًا الحصول على قروض عقارية.

الوضع الاقتصادي

إن المواطنين الأكثر فقرًا هم غالبًا شباب لديهم شيء من التعليم، وربما شهادة جامعية، وغالبًا ما يكونون متزوجين ولا يستطيعون أن يجدوا عملًا وليس لديهم صلة بالمتنفذين في السلطة، يسكن كثير من الفقراء في المقابر، وفي مدن الأكواخ؛ حيث يمكن أن تعيش الأسرة في غرفة واحدة، ولكل عشر أسر مرحاض واحد، وتقول بعض التقديرات: إن خُمس سكان القاهرة يعيشون بهذه الطريقة. وفي وجه هذا الإهمال الرسمي برزت جمعيات رعاية الجوار، والتي غالبًا ما تكون تحت رعاية الإخوان المسلمين، ولا يشكل هذا الأمر عادة أكثر من عدد من الجيران يجتمعون معًا، ويديرهم شخص حركي ومثقف مثل محمد حبيب، والمهم أنه مهما كان عملهم صغيرًا فإنه في العادة أكثر مما تعمله الحكومة، وقد أعطى زلزال أكتوبر ١٩٩٢م في القاهرة مثالًا قد يكشف عن المستقبل السياسي لمصر أكثر بكثير من أي شيء يأتي من العمليات المعلنة عن السلام في الشرق الأوسط. عندما حصل الزلزال كان الرئيس في الخارج، وكانت البيروقراطية - التي اعتادت أن تأخذ الأوامر من الأعلى - مشلولة مؤقتًا، وقامت مساجد الإخوان والجوار الأهلية بتوزيع البطانيات وبعض الأطعمة للذين فقدوا منازلهم ولا أكثر من ذلك، ثم أسرع الرئيس بالعودة إلى مصر، وبدأت البيروقراطية تقوم بشيء من الاستجابة أدت في النهاية إلى إتاحة بعض الشقق للناس الذين فقدوا منازلهم، ولكن غياب الدولة عن مسرح الكارثة خلال الساعات الأولى من المأساة رسخ في عقول الناس أنها لم تفعل شيئًا.

اعترف لي مسئول حكومي قائلًا: «نحن عادة نعلم ما هي القضية، ولكننا نتصرف وكأننا لا نعلم»، وفي الحقيقة فإن جزءًا من مصر يقع خارج سيادة الدولة، ويبدو أنه يتوسع، خذ «إمبابة» على سبيل المثال، وهي الحي الفقير المجاور للقاهرة، والتي تبدو وكأن أبنيتها وشعبها قد غمسوا في وعاء كبير من الطين السائل ثم نشروا ليجفوا في الهواء الملوث، أجزاء مهمة من إمبابة لم تكن موجودة منذ عقد من الزمان، ونادرًا ما يزورها وزراء الحكومة «على الرغم من أن وزير الحكومة المحلية محمود الشريف قد زارها مؤخرًا في محاولة لاستخلاص الولاء من أحد أحياء إمبابة بتزويده بخدمات الماء والمجاري»، ومع هذا القليل جدًّا الذي تصنعه الحكومة فإن إمبابة تحكم دوريًّا بأمراء محليين متعاقبين، بعضهم له ارتباط بمنظمات الرعاية الإخوانية، وبعضهم من غير ارتباط، وعندما سألت أحد السكان ماذا يفعل هؤلاء الأمراء؟ أجاب: «إنهم يفتحون الدرج ويعطونك شيئًا، والحكومة تفتح الدرج وتطلب منك شيئًا» إذا نظر الغربي إلى التركيبة الأساسية وإمكانيات جمعيات الجوار، فإنه يجدها ليست على المستوى المطلوب، ولكن ما يجده في إمبابة نفسها على أية حال هو أن الحياة ووسائل الحياة العصرية أسوأ حتى من أي حي فقير في القاهرة، وقد لا تتوفر أنابيب المياه دائمًا، ولكن توجد هوائيات التلفاز؛ حيث لا يشاهد الناس المواعظ الدينية، وإنما يشاهدون المسلسلات الغربية المنزلية بما فيها من وسائل الراحة والترفيه.

النتيجة التي بدأت أدركها ببطء أن القضية ليست قضية الإخوان فقط قدر ما هي قضية التحديث، فمصر تتغير بسرعة، ولا تزداد فيها الأحياء الفقيرة فقط، ولكن تتزايد أعداد الهواتف اللاسلكية وسيارات المرسيدس - بنز، ومحلات البوتيك، والأغنياء الجدد هم ميراث آخر لناصر الذي أنهى إصلاحه الزراعي نظام العزبة ودمج بشكل غير متكافئ - الأغنياء والفقراء في بنية اجتماعية تقليدية؛ّ حيث أصبحت الطبقات الثرية الآن أقل اتصالًا شخصيًا مع الفقراء؛ مما كانت عليه في الأجيال السابقة، وبكلمة أخرى يعيش المصري اليوم حياة قلقة شبيهة بما عندنا. ويتبلور المجتمع إلى مجموعات صغيرة متزايدة، وحتى ضمن هذه المجموعات يتعلم الناس العيش بدون حكومة.

تستطيع الولايات المتحدة تغيير حكومتها كل أربع سنوات، ومهما كان الخير الذي يأتينا من هذا قليلًا، فإن المصريين لا يستطيعون القيام حتى بذلك، فهم لا يزالون عند مرحلة جيرالد فورد كما يقال، ولكن الفكرة القديمة عن مصر بأنها مجتمع الألف والباء والميم «أي: إن شاء الله، بكره، معليش» أخذت تفقد صلاحيتها؛ إذ لم يفقد الفقراء صبرهم فقط، وإنما الطبقات الغنية هي الآن تفقد صبرها أيضًا من أجل حكومة أفضل، وفي حين يتسع التصدع الطبقي، وتتعاظم المشكلات الأخرى فإن الدولة هي مثل حجر متشكل جاهز لأن يتفتت ويتلاشى.

يقول الكاتب والمفكر اليساري محمد سيد أحمد: إن الحزب الديمقراطي الوطني مصطنع تمامًا، وإذا فتح النظام السياسي حقًّا؛ فإن الإخوان سيكونون الحزب المركزي، ولم يعد بالإمكان إقامة حكومة علمانية في مصر.

ومهما كانت الأرقام الحقيقية عرضة للاختلاف، فقد بلغ معدل النمو السكاني أكثر من ٢٪ سنويًّا، وهو يتقدم على الزيادة في الإنتاج الوطني. وعلى الرغم من انخفاضه إلى ٣,١٪ عام ١٩٨٩م، فإن عدد السكان البالغ حاليًّا «٥٧ مليونًا» سيصبح «٦٥ مليونًا» عام (٢٠٠٠م) و(١٠٠ مليون) في بداية القرن القادم (٤٠٪) منهم دون الخامسة عشرة من العمر، وعلى الرغم من أن الهجرة للمدينة تتباطأ فإنها تبلغ ٣,٣٪ في السنة، وفي الوقت نفسه. وحسب أحدث التقديرات - فإن ١٠٪ من الإنتاج الزراعي المصري يفقد سنويًّا نتيجة تدهور خصوبة التربة والتملح والإشباع بالماء، وهذه هي إحدى الآثار الجانبية لزيادة الري.

لقد توصل جاك غولدستون وهو مؤلف كتاب «الثورات والثائرون في بداية العصر الحديث»، وهو أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة كاليفورنيا ديڤيس إلى نتائج مهمة - أعتبرها دليلًا لمصر في عهد مبارك - وهي أن الثورة البريطانية عام ١٦٤٠م، والثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م، والثورات المختلفة في أوروبا الوسطى عام ١٨٣٠ و١٨٤٨م، والثورات في الإمبراطورية العثمانية والمملكة الصينية. كلها انبثقت من عدم قدرة الأنظمة على التعامل مع المشكلات الناجمة عن النمو السكاني المستمر ونضوب الموارد الطبيعية، ويستعمل غولدستون كلمة الزلزال كاستعارة للتعبير عن فكرته قائلًا: «تزداد الشدائد تدريجيًّا لسنوات قبل أن تتحرك طبقات قشرة الأرض فجأة ويحدث الزلزال»

وبالحكم عليها من أفعالها، لا يبدو أن لدى الحكومة المصرية الحدس لفهم ما يجري حولها، فعندما سألت مسئولًا حكوميًّا قريبًا من الرئاسة إن كان هناك أي نوع من البرامج لمعالجة قلة الموارد والفقر والبطالة، هاجم الثقافة الأمريكية وأفكارها حول التطور المادي قائلًا: «أنتم الأمريكيون عندكم مشكلة ثقافية، الناس هنا لديهم طبيعة مختلفة، انظر إلى نهر النيل كيف يتحرك ببطء، المصريون لا يريدون تقدمًا بين يوم وليلة، الإرهابيون ليسوا إلا مجموعة من الدهانين والسباكين».

يبدو أن رد فعل الحكومة الوحيد للاضطرابات في مصر هو الاعتقالات الجماعية والضرب والتعذيب، بما في ذلك الصدمات الكهربائية، وكل هذا يحدث بشكل منتظم، وكما يروى فقد مات على الأقل ١٢ شخصًا في العام الماضي نتيجة إصابتهم عندما كانوا محتجزين في سجن الشرطة، ويعتقد أن خمسة من هؤلاء لا علاقة لهم بأية حال من الأحوال بالمنظمات الإسلامية، لقد أصبحت هذه الأمور إحدى سمات الممارسة الحكومية.

وقد روى لي مسئول في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان «أن الشرطة تقوم بتعذيب ثلاثمائة شخص؛ ليعثروا على شخص واحد فقط عنده معلومات عن محاولة اغتيال رئيس الوزراء»، إن ضبط حقوق الإنسان أمر صعب خاصة في القرى؛ حيث الضغط الاجتماعي شديد، وحيث تعتقل الشرطة أصدقاء وأقارب الإسلاميين المشتبه بهم - حتى الأطفال- وتعاملهم معاملة قاسية، إن الاعتداء على حقوق الإنسان ليس خطأ فقط، وإنما يُوجد أعداء للحكومة في أماكن لم يوجدوا فيها من قبل، ولقد سمعت أكثر من قصة كيف سبب اعتقال شخص بريء اختطاف ضابط أمن حكومي من قبل أقارب المعتقل الغاضبين، ولا تزال الحكومة تصر على أن سياستها القاسية والفظة سوف تستأصل الجماعات الإسلامية تمامًا كما استأصلت مثل هذه السياسة الألوية الحمراء في إيطاليا، ولا يبدو أن المسئولين يدركون أن الأمر مختلف فالألوية الحمراء عملت دون دعم شعبي في مجتمع غني، في حين أن الجماعة الإسلامية ما هي إلا تجليات لأصداء النزعات الاجتماعية.

والإجراءات الحكومية الصارمة مؤخرًا ضد المتشددين- بما في ذلك التخلص من خلايا إرهابية مهمة - قد أعطت الحكومة فسحة أخرى من الوقت لا أكثر ولا أقل.

قد يكون جميلًا التفكير بأن السياسة المصرية قد تتطور نحو الأفضل، ولكن إذا علمنا أن الانتخابات الحرة الحقيقية في مصر سوف تأتي إلى السلطة - على الأرجح - بحكومة أكثر تعصبًا من الحكومة الحالية لرأينا أن مجمل النقاش حول «المجتمع المدني» في العالم العربي يبدو غير واقعي، لقد كان الفائزون في انتخابات النقابات المهنية النزيهة والدورية هم من الإخوان، ويعرف المصريون الذين يعتبرون - من وجهة النظر الغربية - أنهم هم البديل الأفضل للواقع القائم، قد يكون الإحصاء الذي يدعم هذا الكلام غير موجود، ولكن المظاهر الشعبية هي مؤشرات واضحة في هذا السبيل، فعندما قتل المتطرفون فرج فودة الكاتب والمفكر العلماني، في يونيو عام ١٩٩٢م، لم يُظهر الحداد عليه إلا عدد قليل من أعضاء النخبة المتغربة، وقال لي أحدهم، من الذين آثروا البقاء بعيدًا: لقد أصبنا بخوف شديد.

القلعة الأمريكية في القاهرة

«الخوف مما قد يحصل لاحقًا»، عبرت عنه خاصة الهندسة المعمارية لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية في قلب القاهرة، إنها برج محاط بجدران طويلة ومرتفعة، يسميها سكان القاهرة القلعة الأمريكية.

عندما أعادت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع مصر عام ١٩٧٤م، بعد حرب أكتوبر حاول السفير الأمريكي الجديد هرمان إيلتس ألا يكون حضور أمريكا في مصر كبيرًا أو ظاهرًا جدًّا، فالسوفييت ارتكبوا هذا الخطأ ثم طردوا، ولكن البيروقراطية الأمريكية في النهاية استلمت زمام الأمر، وكانت النتيجة أن ضمت السفارة أكبر مجموعة دبلوماسيين أمريكيين مع مساعديهم في العالم، في رقعة من الأرض كبيرة ومسورة يشير إليها المتشددون على أنها مركز لكل المؤامرات البشعة، على الرغم من أن العاملين بداخل القلعة قد كتبوا - مع منظمة مراقب الشرق الأوسط وآخرون - تقارير مريعة عن حقوق الإنسان في مصر، استخدمها الأصوليون للتشنيع على النظام، وعلى الرغم كذلك من أن الدبلوماسيين الأمريكيين قد عملوا من وراء الستار - وإن لم يحالفهم الحظ - لكي تكون الرئاسة أكثر إدراكًا لعيوب ونقائص الحكومة.

في بيئة ثقافية تنوء تحت عبء نسبة عالية من الأميّة، وجو من نظريات التآمر يشير الرمز المعماري للقلعة إلى أن ما يجري فيها لابد أن يكون أكثر من مجرد كتابة تقارير عن حقوق الإنسان، ويظهر الفن المعماري للقلعة بطرق أخرى، ففي حين أن دافعي الضرائب الأمريكيين يقدمون البلايين لمصر على شكل مساعدات، فإن وضع الولايات المتحدة في القاهرة يمكن أن يتطور إلى الأسواء إن ذهاب أكثر من نصف مساعداتنا لهذا البلد الفقير إلى الجيش، يظهر نقص الثقة عندنا في مقدرة المجتمع المدني على إنتاج نظام أفضل من النظام الحالي. وعلى الرغم من أننا نعطي بلايين الدولارات إلى مصر، وأننا وضعنا عددًا كبيرًا من موظفي وزارة الخارجية هنا، فإن الجدران المرتفعة للسفارة تشير إلى مدى مخاوفنا من المصريين أنفسهم، مساعداتنا ينظر إليها على أنها رشوة أكثر منها شراكة. وبالتالي فإن موقفنا هنا ضعيف.

يعبر المستولون الأمريكيون عن أملهم بأن يبقى النظام ثابتًا في مركزه، وتبقى مصر لسنوات قادمة بعيدة عن مستويات السخط القائمة في الجزائر، ولم أسمع أبدًا من أي مراقب غربي أمله في أن تتحرك مصر في الاتجاه نحو مستقبل أفضل – في نظرنا - هناك فقط مجموعة واحدة من الناس تتكلم بانتظام عن مستقبل أفضل لمصر، هذه المجموعة هي الإسلاميون. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

314

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان