العنوان دور المقاومة العراقية والأفغانية في تقرير مستقبل البلدين
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 19-ديسمبر-2009
مشاهدات 54
نشر في العدد 1881
نشر في الصفحة 20
السبت 19-ديسمبر-2009
● سيكون العراق الجديد محل نزاع بين القوى المؤيدة لإيران والأخرى المؤيدة لواشنطن وسيكون المستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية أثر حاسم في رسم مستقبل العراق
● طالبان ، وجهت ضربات موجعة للاحتلال وإذا سارت الأمور في أفغانستان على هذه الوتيرة فسوف تشهد الساحة توليها الحكم مع بعض العناصر الوطنية | في خليط جديد
● إن لم يكن للمقاومة بعد الانسحاب الأمريكي وجود في التركيبة السياسية فسيشتعل الصدام بين المقاومة وذيول الاحتلال
يتشكل الآن مستقبل كل من العراق وأفغانستان بعد أن أفلست سياسة الإدارة الأمريكية، والتي اعترفت بفشلها في إدارة الاحتلال، وإن لم تعترف بخطأ قرار الاحتلال نفسه، فقد أيدت هيلاري كلينتون وهي عضو في الكونجرس غزو العراق وبالطبع أفغانستان ولكنها طالبت بانسحاب القوات الأمريكية من العراق لفشل إدارة الاحتلال، كما توشك أن تكون جزءا من قرار أوباما المنتظر بالانسحاب من أفغانستان وقد أعلنت واشنطن خطة مبدئية للانسحاب من العراق، ولكنها تريد أن تطمئن على أنها قد خلفت وراءها نظاما مواليا لها، ويحزنها أن تشهد توغل النفوذ الإيراني المتربص بالحلول محلها من خلال التركيبة السياسية المتصارعة، والتي تنتظر القفز على السلطة في الانتخابات القادمة. في العراق.. هناك معادلات تستبعد المقاومة وتقر بالعملية السياسية لأسباب كثيرة أهمها أن واشنطن فسرت قرارات مجلس الأمن في العراق على أنها تقر بمشروعية الاحتلال، ولذلك لم يستهجن الوسط العربي هذا الاحتلال، وربما أبدى ارتياحاً لسقوط صدام حسين، وأما السبب الثاني : فهو أن الدول العربية المجاورة للعراق حتى لو ساعدت المقاومة، فإنها لا تستطيع مناهضة واشنطن والمجاهرة بذلك، أو حتى الاعتراف في خطابها السياسي بالمقاومة إلا مؤخرا حين بدأ الخطاب في بعض الدول يتحدث عن المقاومة، وعن الفرق بينها وبين الإرهاب الذي تعزوه أوساط كثيرة إلى إيران والولايات المتحدة، وإسرائيل، ولكن العنف عموما والذي غلبت عليه الإساءة إلى أمن العراقيين ظل حتى الآن مستهجنا في الوسط العربي المحيط، كما أن إيران وظفت عناصر الضرب المقاومة العربية ضد الولايات المتحدة أو للمشاركة في مقاومة الاحتلال حسب الظروف حتى تكون لديها الورقتان في حساباتها مع الولايات المتحدة بعد أن أقنعتها بأنها اللاعب الرئيس السياسي والميداني في الساحة العراقية، بينما اتجهت واشنطن في مرحلة متأخرة إلى تشجيع السنة والحوار مع المقاومة لإحداث بعض التوازن مع الوجود الإيراني.
وهكذا تتجه الجهود لبناء العراق الجديد خاليا تماما من عناصر المقاومة، مما يعني أن واشنطن التي حاولت توظيف عناصر البعث والتلاعب بمصيره بعد حل الحزب وتشويه صورته، لم تصل إلى صيغة وسط إزاء خطط مواجهة إيران، وبعبارة أخرى، فإن صورة العراق الجديد وفق هذه التقديرات سوف تغلب عليها عناصر الشيعة الموالية لإيران، مع منح الأكراد القسط الأوفى من الحكم الذاتي الذي يلامس مستوى الاستقلال عن العراق في إطار النظام الفيدرالي الذي قصدت به واشنطن فعلا تمزيق العراق.
فالعراق الجديد بهذه الطريقة سيكون محل نزاع بين القوى المؤيدة لإيران والأخرى المؤيدة لواشنطن، وسوف يكون المستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية أثر حاسم في رسم مستقبل العراق في أي من المعسكرين.
ومعنى ذلك أن الشخصيات والقوى السياسية التي دخلت الساحة ومكنتها واشنطن من كراسي الحكم هي نفسها التي تنقسم بين واشنطن وإيران، أما المقاومة التي بذلت كل جهد لإرغام واشنطن على الانسحاب فإنها خارج الحسابات، مما يعني أن المقاومة بعد الانسحاب الأمريكي لابد من وجودها في التركيبة السياسية الأميل إلى العراق العربي الموحد، أو أن يقوم صدام بين المقاومة وذيول الاحتلال بعد رحيله.
● أفغانستان.
أما الموقف في أفغانستان، فهو مختلف تماماً؛ حيث تمكنت «طالبان» من توجيه ضربات موجعة للاحتلال المتعدد الجنسيات رغم القدرات الأمريكية والأطلسية؛ حتى اضطرت واشنطن إلى دفع «كرزاي» للحوار مع «طالبان»، والتي ترفض الاحتلال وعملاءه؛ مما يعني أن مستقبل أفغانستان إذا سارت الأمور على هذه الوتيرة سوف يشهد تولي «طالبان» الحكم ربما مع بعض العناصر الوطنية في خليط جديد، وهو ما يعني دعم طالبان باكستان، وزيادة الضغوط العسكرية على واشنطن وحكومة إسلام آباد، وقد استعدت واشنطن لهذا الاحتمال عن طريق عدد من الرسائل الواضحة التي تعمدت إرسالها إلى العالم، وهي: - أن واشنطن في الأغلب ستقرر الانسحاب بعد أن أعلنت دول حليفة أنها لن تبقى في أفغانستان، وبعد فتح ملف العراق في بريطانيا ومن بعده أفغانستان، وهو ما يشير إلى أن بريطانيا مع كل خسائرها المتزايدة لن تبقى سندا لواشنطن حتى لو قررت البقاء، كما تدرك واشنطن أن حلفاءها الذين ساندوها في العراق وأفغانستان انقلبت عليهم شعوبهم، ولم تغفر لهم الانسياق وراء سياسات خطرة ومغامرة، وأن بيانات المجاملة لا تكفي لمواجهة الموقف.
- إعلان واشنطن أنه يستحيل كسب الحرب عسكريا ، كما تواردت تقارير القيادات الميدانية في هذا الاتجاه، وتململ بعض القيادات والجنود من جدوى هذه الحرب الغامضة بعد أن ضاع الهدف الواضح منها . - إعلان واشنطن عن الفصل بين «القاعدة» و «طالبان»؛ فهي مستعدة للتعاون مع «طالبان»، لكنها تحارب «القاعدة» في كل مكان، وهو إشارة إلى التراجع واستعداد لما هو ات.
الاتجاه إلى تحميل المجتمع الدولي كله مسؤولية أفغانستان، وذلك بالنظر في دعوة مؤتمر دولي يقرر أمور البلاد، فضلا عن ضغوط الغرب لتحسين صورة «كرزاي» بشأن الفساد دون أن يتسامح مع حقيقة أنه جاء بالتزوير.
غير أن الوسط المحيط بـ«طالبان» كان العامل الحاسم في الغزو الأمريكي تماما، كما كان الوسط «العربي» متسامحاً أو مؤيداً لغزو العراق، ولكن حسابات واشنطن في أفغانستان تختلف تماما عن حساباتها في العراق، كما أن لـ«إسرائيل» قولا نسبيا في الحالين؛ وإن كان في حالة العراق تغلبت النظرة «الإسرائيلية» على عناصر القرار الأمريكي.
في هذا السياق الذي أشرنا إليه، يصبح للمقاومة الأفغانية اليد الطولى في رسم مستقبل أفغانستان الجديدة، بينما يرتسم مستقبل العراق الجديد بدون المقاومة، وهذا هو أحد أهم أسباب عدم سلامة المشهد الجديد، وبغير توافق عراقي شامل بما فيه المقاومة؛ فإن العراق الجديد لن يقوم على أسس مستقرة.