العنوان دور المساجد والمراكز الإسلامية في مجتمع الأقلية المسلمة
الكاتب محمود مصطفي حلاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1986
مشاهدات 52
نشر في العدد 780
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 26-أغسطس-1986
- المسجد ضرورة دينية وضرورة سياسية اجتماعية أيضًا.
- لا بد أن يعود المسجد ليكون ملتقى المسلمين في كل الأوقات
إنه من الأهمية بمكان إبراز دور المساجد والمراكز الإسلامية في مجتمع المسلمين وتكتلهم للحفاظ على الوجود الإسلامي ومنعه من الذوبان، ولتوحيد المسلمين وتكتلهم ضد أي غزو تبشيري مهما كانت صفته وطبيعته والقناع الذي يتقنع به، كذلك إبراز أثر غياب المراكز الإسلامية في مجتمع الأقلية المسلمة، وترك المسلمين عرضة لتأثير المراكز التبشيرية أو الإلحادية التي تغزوهم على شكل خدمات اجتماعية وصحية وتربوية وغيرها، مما يؤدي إلى ذوبان المسلمين وتضاؤل شأنهم، وتركهم التمسك بدينهم وبأخلاقهم الإسلامية، وتقليد غيرهم في احتفالاتهم وأعيادهم.
وهكذا يتخلى المسلمون شيئًا فشيئًا عن دينهم كعقيدة وكنظام حياة، فيخسروا دينهم ودنياهم، ويمكننا تلافي كل ذلك، والحفاظ على إخواننا في العقيدة، فنحفظ عليهم دينهم ووجودهم بمد يد العون لهم فننظم لهم شؤونهم، ونمدهم بالرجال وبالخبرات، وإذا احتاج الأمر يمكن أن نقدم إليهم الأموال لبناء مراكز إسلامية؛ فيصبحوا مجتمعًا يستطيع أن يفي باحتياجاته، ويساعد الآخرين في المستقبل.
أولًا: المسجد بين الماضي والحاضر والمستقبل:
- المسجد في الماضي:
إن المسجد النبوي الذي بني بالمدينة المنورة كان يؤدي مجموعة وظائف وخدمات دينية وسياسية وحربية واجتماعية وصحية وغيرها؛ فيجتمع فيه المسلمون، ويتشاورون في أمورهم خاصة قبل القيام بالغزوات، وكان المسجد أيضًا معهدًا أو مدرسة لتعليم القراءة والكتابة، ثم تطور ليصبح جامعًا للعلوم.
كذلك كانت صفة المسجد مأوى للغرباء الذين لا دار لهم ولا أهل، كما كانت تجمع في المسجد الصدقات والزكاة لتوزيعها على مستحقيها، ولا ننسى أن المسجد النبوي كان مركز تدريب على فنون القتال وإعداد للسلاح، كما كان يقوم أحيانًا مقام المستشفيات الميدانية العسكرية عندما يحمل إليه الجرحى من المسلمين طلبًا للعلاج وتضميد الجراح([1])، وعلى هذا الأساس «فالمسجد ضرورة دينية، وضرورة سياسية اجتماعية أيضًا بالنسبة لكل مسلم على حدة، وبالنسبة لجماعة المسلمين جملة»([2]).
- المسجد في الوقت الحاضر:
تراجع المسجد في الوقت الحاضر تراجعًا ملموسًا، ويكفي أن نزور مساجد اليوم في عالمنا الإسلامي حتى نرى- بشكل عام- أن دور المسجد أصبح يقتصر على أداء فريضة الصلاة في مواقيتها، وقد يضاف إلى هذا الدور في بعض المساجد دور آخر، هو تقديم بعض الخدمات للفقراء والمحتاجين، كجمع بعض التبرعات والصدقات لمريض لا يملك ثمن دواء، وآخر لا يملك قوت يومه، أو ثالث أصيب بمكروه ويحتاج لمساعدة الآخرين، وكأن الخدمات التي يحتاجها المجتمع الإسلامي أصبحت مقتصرة فقط على مساعدة فقير أو ضرير.
ولا شك أن تطور المجتمع الإسلامي، وتغيير ميكانيكية تحركه، أديا إلى إنشاء مؤسسات كانت ملحقة أو تابعة للمسجد، فالمؤسسة التعليمية كانت مسجدية في الأصل، ثم انفصلت عن المسجد، وأصبحت مستقلة بذاتها، ولها كيانها الخاص، كذلك المؤسسة السياسية والمؤسسة الاجتماعية وغيرها، انسلخت كلها عن المسجد، وأصبحت بعيدة عن جوه وتأثيره وتوجهاته وروحيته، وهكذا، شيئًا فشيئًا، أصبح المسجد مكانًا مخصصًا لأداء فريضة الصلاة، وبهذا يكون المسجد قد فقد دوره کأهم وأول مركز نشاط في أي تجمع بشري إسلامي، ذلك لأن أداء فريضة الصلاة جائز في أي مكان طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، أضف إلى ذلك أن معنى الجماعة في الصلاة الجامعة لم يبق منه سوى الشكل، أما المضمون فقد غاب كما غابت معظم المعاني التي أرادها الله- تعالى- عندما طلب منا التعاون والتعاضد والتوحد، فأصبح المسلم فرديًا في أخلاقه، فرديًا في صفاته، فرديًا في عمله، فرديًا في تطلعاته، وأُنْسي أن يد الله مع الجماعة.
وهكذا أصبح بالإمكان الانقضاض على المسلمين عندما تفرقوا وأصبحوا فرادى وآحادًا، وإن كثر عددهم؛ لأن قلوبهم أصبحت شتى لا يؤبه لهم، فكيف إذا كان مجتمعهم مجتمع أقلية عددية وتأثيرية؟ عندها يسهل تذويبهم أو إفقادهم شخصيتهم الإسلامية المميزة، وصولًا إلى تنصيرهم انتماء وشعورًا وأخلاقًا، ثم دينًا بعد ذلك في نهاية المطاف.
وإذا جلنا في عالمنا الإسلامي نجد الكثير من المسلمين من مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافية الذين عاشوا، أو يعيشون في هذا المحيط المليء بكل شيء إلا بالإسلام، نجدهم فقدوا انتماءهم الحقيقي للإسلام وارتباطهم بأخلاقه ومبادئه، وإن كان بعضهم لا يزال يؤدي الشعائر ويقوم بالفرائض بشكل دوري دون أن تحدث في نفسه الأثر المطلوب، وكأن العبادات أصبحت مطلوبة لذاتها لا لدورها وأهدافها التي ترمي إلى تحقيقها في نفسية المسلم خصوصًا، وفي بنية المجتمع الإسلامي عمومًا.
- الدور المستقبلي للمسجد:
لا بد أن يعود المسجد ليكون ملتقى المسلمين في كل الأوقات التي تستوجب وحدة الصف ووحدة الكلمة، وهذه الأوقات كثيرة في أيامنا الحاضرة، إضافة إلى ذلك فإن المسجد يجب أن يكون مركزًا للنشاطات الاجتماعية في المنطقة التي يقع فيها، فيكثر التردد على المسجد، ويعتاد الناس على ذلك، خاصة الشباب منهم، الذين بعدوا عنه، أو كادوا يبعدون ويجرون وراء مراكز حزبية إلحادية، أو لا دينية، فيبعدون بذلك عن إقامة الصلاة التي هي ركن الدين، ويتهاونون في تركها وترك غيرها من الشعائر الدينية.
لذا علينا أن نشغل المسجد ليس في أوقات الصلاة أو لأداء الصلاة فقط، بل يكون ذلك طوال اليوم، ليل نهار، وهكذا يصبح المسجد خلية اجتماعية دائمة النشاط والحركة، لا تخلو من مجموعات الشباب العامل المؤمن بدوره، هذه الخلية الاجتماعية تخرج أفواجًا من المسلمين يؤمنون بالله- تعالى- ربًا وبالإسلام دينًا، وبوحدة الصف والكلمة شعارًا، عندئذ لا يمكن أن ينال منهم أحد، ولا يمكن أن يخترق صفوفهم أي عابث بحقوق المسلمين، أو معتد عليهم، أو متطاول على كرامتهم، فهم كالبنيان المرصوص، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحماية والرعاية والنجدة والمساعدة، فكما أن رص الصفوف واجب في صلاة الجماعة، كذلك يكون رص الصفوف واجبًا خارج الصلاة، في العمل اليومي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره، ومن قال إن العمل ليس عبادة؟ ألم يخاطبنا رب العالمين دائمًا بصيغة الجمع؟ ألم يحثنا رسوله محمد- صلى الله عليه وسلم- على الوحدة والاتحاد، وأن لا نكون كالقاصية من الغنم التي تغري الذئاب وتفتح شهيتها للفتك بنا والانقضاض علينا؟
ثانيًا: دور المركز الإسلامي «المجمع الإسلامي»
قد لا يتسع المسجد لكل الخدمات اللازمة للمجتمع الإسلامي، وهذه الخدمات كثيرة ومتنوعة، كثرة المسلمين وتنوع حاجاتهم، لذا لا بد من وجود مراكز إسلامية ملحقة بالمساجد أو تابعة لها، فبتقديم الخدمات يمكن أن نشد المسلمين إلى المراكز الإسلامية، فهم بحاجة إلى خدمات متنوعة، يسعون جاهدين للحصول عليها من أية جهة كانت، وأحيانًا لا يرون الأهداف الخفية التي تختفي وراءها هذه الجهات أو المؤسسات، والتي هي في معظمها مؤسسات تبشيرية أو إلحادية، أرست قواعدها في المجتمعات الإسلامية الفقيرة منها خاصة، والتي تحتاج إلى مثل هذه الخدمات، فلا تجدها في مؤسسات إسلامية- وإن وجدت- فإن مستوى الخدمات التي تقدمها- هي ضئيلة هزيلة- لا تسمن ولا تغني من جوع، أو الداعون إلى المذاهب والعقائد الهدامة، التي سعت وتسعى باستمرار إلى تحطيم الإسلام وتغريب المسلمين عن دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم ومبادئهم.
لقد دخل هؤلاء المبشرون عن طريق فتح المدارس لأبناء المسلمين الذين اضطروا إلى دخول هذه المدارس لإنقاذ أنفسهم من كابوس الجهل والأمية، هذا الكابوس الذي يبقيهم في الدرك الأسفل من الحياة الاجتماعية، أرادوا التخلص منه فلم يجدوا أمامهم إلا مدارس المبشرين الذين أتوا كالحمل الوديع، مخفين أنياب الذئاب ومخالب الضباع، وتبقى المشكلة الصحية أهم ما يقض مضاجع الناس؛ فأنشأ المبشرون المستوصفات الطبية، وقدموا العلاج والدواء مجانًا حينًا، وبأسعار رمزية أحيانًا أخرى، فيسعى المسلم للتخلص من مرضه الجسدي، ولا يدري أنه حقن بجرثومة مرض نفسي تنتشر في نفسيته، فتفتك بها وبأخلاقه وبعقيدته شيئًا فشيئًا، لا يستفيق منها إلا وقد عم البلاء، ولم يعد ينفع بعد ذلك أي دواء.
كذلك لم ينس المبشرون حاجة بعض المجتمعات الفقيرة- خاصة في البلاد الأفريقية- إلى القوت اليومي، فالمجاعة تفتك بهذه البلاد، وكم يموت من أطفال وأولاد نتيجة سوء التغذية، أو قلتها، أو عدم التغذية أيضاً؛ فيأتي المبشرون يحملون في يدهم الأولى قطعة طعام أو رغيف خبز، وفي يدهم الثانية نسخة من الإنجيل، ويضطر الجائع أن يأخذ الاثنين معًا كما يشترط المبشرون، وهكذا شيئًا فشيئًا يقع المسلم فريسة بين يدي المبشرين، ويقع في الفخ المنصوب له، تمامًا كما تقع السمكة في يد الصياد، عندما تأخذ الطعم من الصنارة، فترى الأولى ولا ترى الثانية، ولا تدرك أن وراء لقمة عيش يكمن السم القاتل، ولا نريد أن نطيل في أساليب وطرق المبشرين بالإيقاع بالمسلمين عن طريق تقديم الخدمات والمساعدات، فكل مجتمع بحاجة إلى نوع أو أنواع من الخدمات قد تختلف عن حاجات مجتمع آخر، لكن الهدف الأساسي من كل ذلك هو إيقاع المسلمين بالفخ التبشيري، الذي يرمي كما قلنا إلى إخراجهم من دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم.
لكل ذلك نرى أنه لا بد من وجود مراكز إسلامية بديلة عن المراكز التبشيرية تقدم الخدمات اللازمة للمسلمين؛ فتحفظ لهم دينهم وأخلاقهم، وهذه المراكز يجب أن لا تقل في أنواع الخدمات التي تقدمها، وفي مستواها، عن مثيلاتها من المراكز غير الإسلامية، إن لم نقل يجب أن تفوقها كمًا ونوعًا، حتى تستطيع أن تحل محلها، وتجلب إليها المسلمين المتعطشين لمثل هذه الخدمات.
ولا بد لهذه المراكز الإسلامية - أي المجمعات- أن تحتوي على:
- مسجد أو مصلى لإقامة الصلوات في مواقيتها.
- مدرسة أو مدارس تعليم عام للذكور وللإناث، كما يمكنها أن تضم مدارس تعليم مهني، أو مراكز تدريب عملي حسب طبيعة البيئة التي تقع فيها، وحسب حاجاتها الحالية والمستقبلية.
- مستوصف متطور، يقدم- إضافة إلى العلاج والدواء- الخدمات الصحية الأخرى.
- تعاونية استهلاكية «جمعية استهلاكية» لبيع المواد الغذائية الضرورية، كاللحوم والدهون والأجبان والألبان والحبوب وغيرها، والتي لا يدخل في تصنيع بعضها أو تقديمه ما يخالف الشريعة الإسلامية، كذلك تساهم هذه الجمعية في بيع إنتاج المسلمين وتشجيعهم على التعاون فيما بينهم؛ ليشكلوا مجتمعًا إسلاميًا صحيحًا.
- مركز دراسات وأبحاث بمستوى يتفق مع حاجة المجتمع وإمكاناته البشرية والعلمية، يبحث توفير الخدمات اللازمة لهذا المجتمع الإسلامي، ودراسة سبل تطوير أوضاع المسلمين في المنطقة التي يعيشون فيها، وكيفية المحافظة على كيانهم ووجودهم.
- مكتبة عامة إسلامية وثقافية وعلمية، يلجأ إليها طلاب العلم والمعرفة من أبناء المسلمين، دون أن تعوزهم الحاجة إلى اللجوء إلى مكتبات الإرساليات والمدارس التبشيرية، التي فيها من الكتب والنشرات والدوريات ما هو مليء بالسموم والافتراءات ضد الإسلام والمسلمين.
- قاعة محاضرات عامة تخدم نشاطات المسلمين الثقافية، وتكون مركز إشعاع علمي وثقافي للمنطقة بكاملها، بحيث يمكن إحياء المناسبات الدينية، بمحاضرات تحث المسلمين على الوحدة والتعاون، وتنير لهم دروبهم، وترفع مستواهم العلمي والفكري والثقافي عمومًا، وتساهم أيضًا في نشر المعرفة بالإسلام بجوانبه كافة.
- قاعة اجتماعية تخصص للمناسبات العامة، وتكون بمثابة النادي الاجتماعي الإسلامي، تستخدم في مناسبات الأعياد الأسلامية أو المناسبات الاجتماعية، في الأفراح والأتراح، فيلتقي المسلمون، يتعارفون ويتعاونون على البر والتقوى، ويعيشون حياة إسلامية صحيحة.
- قاعات أنشطة رياضية متنوعة، فالمسلم القوي خير وأحب إلى الله من المسلم الضعيف، ولا يخفى ما لدور الحركة الرياضية من أبعاد تساهم في تعاون وتعاضد المسلمين كفريق واحد، أو كجسم واحد نشيط قوي.
- أمكنة خاصة بنشاطات النساء على اختلاف أنواعها، وبخدمات خاصة بهن كمركز محو الأمية، ومركز تدريب مهني كالخياطة والحياكة والتدبير المنزلي والإنتاج المنزلي، ودار حضانة للأطفال.
«يتبع في العدد القادم»
([1]) د. محمد بن محمد أبو شهبة: رسالة المساجد في صدر الإسلام بحث مقدم إلى مؤتمر رسالة المسجد، سبتمبر 1975 م مكة المكرمة.
([2]) د.حسين مؤنس: المساجد ص 34.