العنوان نقوش على جدار الدعوة.. دور الفكر في عملية التغيير (٢من٣)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 76
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
لقد أحدث التغيير الفكري في الأمة ما لم يحدثه الاحتلال العسكري والعامل الاقتصادي، ولو إنهم جميعًا غير منفصلين كليًا عن بعضهم البعض، لذلك فإنه لا بد من إعادة دور الفكر إلى الواجهة لرد الغزو وإحداث البناء المنهجي الفكري السليم القادر على خوض عملية التغيير التي تبدأ من الفكر الذي لا بد أن يتجلى بأبهى صوره وإنجازاته، ونظراً لدور الفكر وأهميته البالغة في إحداث البناء والتغيير فقد ربط الدكتور يوسف القرضاوي بين الإيمان والفكر بقوله: «إنه لا بد مع التربية الإيمانية التي هي الأساس والقاعدة للبناء الأخلاقي لطلائع الحركة وقيادات المستقبل من تربية فكرية راسخة»([1]).
إلا أن دور الفكر وأهميته يجب أن لا يبقيا في الإطار النظري، هذا ما نبه إليه الأستاذ مالك بن نبي قائلا: «ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العلمي، فالأفكار صحيحة إذا هي ضمنت النجاح»[2]، فكيف بنا ونحن نؤمن إيمانًا مطلقًا بأن منظومتنا الفكرية الإسلامية هي من عند الحق تعالى، أفلا تستحق أن نخوض معركة التغيير من أجل تحويلها إلى واقع يعيشه الناس وينعمون به؟!
وهنا يتجلى دور الفكر في عملية التغيير المنشودة، صحيح أن تحقيق هذا الأمر عملية تحتاج إلى مؤسسات وتنظيمات لكي توزع العمل والنشاط وترتبه، وكذلك تحتاج إلى أشخاص موهوبين، لكن كل هذا يجب أن لا يحيد بنا عن التزام المنهج الذي لم توجد التنظيمات والجمعيات إلا لخدمته ونشره، والذود عنه، وهذا هو الالتزام بحق، وقد عبر عن ذلك الكاتب الإسلامي عمر عبيد حسنة بقوله: «فالالتزام إنما يكون دائمًا وإبدًا بالمنهج الإسلامي، بالفكرة، بما شرعه الله لنا، وليس الالتزام بالأشخاص أو التنظيمات، أو الجماعات، أو الحكومات التي هي محل للخطأ والصواب»[3]
وهذا عين الصواب، لأن دور الفكر في العملية التغييرية على الرغم من أهمية وضرورة ملامسته للواقع لإحداث التغيير يجب أن يبقى منزّها عن التطويع لخدمة شخص أو حكومة أو مجموعة، لأن سقوطهم- وهذا ممكن- يعنى سقوط هذا الفكر، وهذا غير ممكن وغير مقبول، لذلك فإن ظاهرة ربط الفكر بالأشخاص والمؤسسات لا يصح إلا بما تؤديه من خدمات، ولا يصح أن يربط ذلك إلا بالمعصوم عليه الصلاة والسلام لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي بين لنا معالم المنهج الفكري الذي علينا انتهاجه.
إن معرفة المنهج الفكري الإسلامي ووعيه والالتزام به هي الخطوة الأساسية على طريق التغيير، لكن ذلك ينبغي أن لا ينسينا معرفة واقعنا وما يدور حولنا، لقد كان الواقع قديمًا قائمًا على الفكرة التغييرية في مواجهة تحديات وأفكار من البيئة نفسها التي تعيش فيها، أما اليوم فقد تضاعفت المواجهة عن طريق الأفكار الدخيلة المضادة، وعن طريق الأفكار الخارجية الساعية إلى غزو فكري، تستعمل لأجله كافة التقنيات والتكنولوجيا المتمثلة بوسائل الإعلام التقليدية والحديثة، إضافة إلى قدرتها على التغلغل في مجتمعاتنا الضعيفة، المتبلدة في هذا الجانب الخطير.
إن عملية التغيير واقعة لا محالة لأنها سنة المجتمعات، معوقاتها ومحفزاتها تاتي من داخلنا، من نفسنا المختلطة بالمنهج الفكري المتبنى، ولطالما بقي فكرنا تحركه نماذج غربية لا يرتقي معها عن مستوى التقليد، فسنبقى خاضعين لسلطان الغير والشخص... وعندما تزول تلك الظاهرة ونتعامل مع الأشياء وفق منهجنا الفكري المستقى من العقيدة والتراث، عندها يستعيد سلطان الفكر موقعه فينا وفي حياتنا وفي عملية التغيير التي لابد أنها واقعة بإذن الله.
([1]) عبد المجيد النجار، دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين، ط ا، هيردن . فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1413هـ، ۱۹۹۲م، ص ۲۹ - ۳۰.
([2]) مالك بن نبي مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٨هـ، ص ١١١
([3]) عمر عبيد حسنة، نظرات في مسيرة العمل الإسلامي، كتاب الأمة، العدد 8، ص ۲۱