العنوان دور الفرد في بناء الأمة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
مشاهدات 74
نشر في العدد 1173
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
الإنسان على وجه الأرض هو قائد حركة التطور، يرتقي فكرًا، ونفسًا، وحياة ومجتمعًا بعقل نابه، وإرادة قادرة وعزيمة قوية، ويعز جاها، ويسود حضارة، وينبه إبداعًا، ويبهر اختراعًا واكتشافًا بعلم صحيح، ووجهة سديدة، وإسناد حان ومناخ رحيب، وحرية ندية، ولا يستطيع الإنسان أن يكون مؤثرًا في حركة التطور إلا إذا كان له حضور نفسي وفكري، وعلمي وحياتي، وعنده من الحنكة والكفاءة والمقدرة، ما يستطيع بها التغلب على كثير من الإشكاليات التي تعوق التطور، كما لا بد له من ممارسة ومشاركة في معرفة المشكلات واكتشافها والتعامل معها من منطلق معرفة الصواب والخطأ، والحرية في اكتشاف العيوب، ومعرفة الأسباب والمسببات والتعامل مع الأساليب المنتجة وغير المنتجة، والعقاقير المناسبة وغير المناسبة في جو من الحرية الكاملة، وحماية من العسف المرذول والعصف المأكول.
وقد يحال بين الشعوب والطاقات وتغيب الأمم في ظلال احتلال أو استعمار أو قهر أجنبي ماحق، ولا تمكن من ممارسة دورها في الحياة لخدمة نفسها، ونهضة شعبها، ورفعة جيلها، ورسم مستقبلها وهي فترات نحس تحل بالأمم، وتنزل بالشعوب تظل تعاني منها زمنًا إلى أن تتخلص والضياع من رواسب ذلك الكبت والقهر إن قدر لها ذلك. واستطاعت أن تجد المناخ الصالح الذي يعين، والفرص التي تواتي والعزائم التي تنهض والسلطة التي تسدد وتقارب، والقيادة التي تزود بموهبة وكفاءة وإخلاص.
أما إذا رزقت الأمم بعد تحررها بسلطات وطنية، وقيادة أممية، لا موهبة لها، ولا كفاءة، ولا إخلاص، فإنها تكون كمن استجار من الرمضاء بالنار، حيث تنتظر الشعوب الحوادث الجسام ولا فخر لأنهم سيتمتعون بمظالم باهرة تفوق في بشاعتها مظالم عهود الاحتلال والاستعمار، ومما يروى من الطرائف أن أحد القائمين على دفن الموتى كان يسرق أكفانهم بعد انصراف المشيعين، فكان الناس يلعنونه صباح مساء، ويدعون عليه بالوبال والنكال في أعقاب كل صلاة، ومات الرجل، وقام ابنه بعمله فكان إذا انصرف المشيعون يسرق الكفن ويحرق الجثة فانقلب الناس يترحمون على أبيه، حيث كان يكتفي بسرقة الكفن فقط فكان الخلف أسوا من السلف ولله در القائل:
ولو أنني أعطيت من دهري المني *** *وما كان من يعطي المني بِمُسَدَّد
لقلت لأيام مضين ألا أرجعي *** *وقلت لأيام أتين ألا ابعدي
إذن فحنوتية الشعوب اليوم في العالم الثالث على الخصوص أشد قسوة، واعتي إيلامًا من أسلافهم المستعمرين، وأكثر قتلًا وسجنًا وتشريدًا وتبديدًا، وهدرًا للطاقات وسوءًا في المعاملة، وقلبًا للحقائق، وبعد عن الصراط المستقيم، حيث يتم إلزام الشعوب بالأفكار الخاصة لفرد متسلط غير متخصص، وغير قادر على فعل شيء، أو إثارة طاقات، أو حتى إفساح المجال الأصحاب القدرات لتوظيف إمكاناتهم المادية والعلمية والفكرية، وأصحاب الكفاءات مثلًا متوفرون في العالم العربي على وجه الخصوص بقدر كاف، حيث يستطيع أي مخلص أن يفرز من أبنائه المثقفين والمهرة والمبدعين أكثر مما تفرزه الشعوب الأوروبية مجتمعة، فإذا تم تبديد هذه الطاقات تصبح الأمة وبكل إعزاز قاصرة عن أن توفي بالتزامها الحضاري أو تأتي بأي حلول صحيحة لمشكلات الحياة في مراحلها المختلفة، أو أن تستر انهزامها الحضاري والعلمي والتقني والاجتماعي بأية صورة من الصور، فمثلًا إذا تساءل الإنسان المسلم عن أحوالنا كشعوب تتعرض لمثل هذا الهدر والتفريط قائلُا:
1 - هل استطعنا إنشاء جيش قوي يدفع عن الأمة البلاء والمحن والاستعباد واستطعنا إمداده بالسلاح والعتاد الوطني بالكفاءة المطلوبة، والقوة اللازمة؟ وهل استطعنا عمل سيارة أو مدرعة أو دبابة، أو مدفع، أو قذيفة، أو صاروخ وهل استطعنا صناعة طائرة، أو بارجة أو باخرة، أو مدمرة، أو غواصة؟ إذا فبماذا ندافع عن أنفسنا؟ أبالسيوف؟، كما قال القائل: «طول يا بطل ممعانا سيوف، الدنيا ياما بكرة تشوف»، والحقيقة المرة أننا ليس عندنا حتى سيوف أو عصي!!.
2 - هل استطعنا أن ننهض زراعيًا فننتج غذاءنا وعندنا من الأنهار والأراضي الزراعية ما يفوق أوروبا، وحتى أمريكا وعندنا من الأيدي العاملة ما يسد عين الشمس، أم أننا نتعرض حتى في لقمة العيش إلى الاستجداء الشحاتة؟ وهل استطعنا تربية ثروة حيوانية، وقد كنا في أغلب البلاد العربية والإسلامية نصدر اللحوم بعد أن نكتفي منها؟ وهل حتى نستطيع أن ننتج أعلاف تلك الحيوانات، أم أن جهودنا العظيمة تقاصرت عن ذلك؟!
3 - هل استطعنا أن ننشئ تعليما رائدًا صالحًا ينبع من تصورنا وتطلعاتنا، ينتج العالم المبدع، والمخترع المنتج، والمفكر المخلص، الذي يعمق توجهنا، ويواكب أهدافنا وتطلعاتنا، أم أننا كالريشة المعلقة في الهواء، نخضع لتقلبات الأهواء والاتجاهات، والمذاهب والانتماءات من هنا ومن هناك؟
4 - هل استطعنا أن نوحد شعوبنا على غاية وهدف، وأن نجمع كلمتنا على مصلحة ومنفعة، وأن نركز في قلوبنا الحب والأمن والاستقرار والأخوة التي هي رباط القوة والكرامة والسيادة، أم أننا نعيش في تناقضات مع أنفسنا وهويتنا، ومع مجتمعاتنا، ومع المبدعين الذين تلفظهم من بيننا، ونقذفهم من مجتمعاتنا، ونسحلهم في ديارنا، ونطاردهم في أوطاننا، فلم هذا العجز ولماذا لا ننهض لنبني الأمة ولعل ذلك مما يفتح العيون وينبه القلوب ويلفت الأفكار:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه *** يكون وراءه فرج قريب
فيا من خائف ويفك عان *** ويأتي أهله النائي الغريب
وبعد.. فيجب أن نبرهن على أننا أمة بشيء غير الأعلام، والإذاعات والتلفاز والسجون والمعتقلات، فهل نستطيع نسأل الله ذلك.