; المجتمع التربوي.. عدد 1179 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1179

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

مشاهدات 77

نشر في العدد 1179

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

النافذة التربوية

فوائد العمل الجماعي

يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله - واصفًا العبادات والفرائض وأدائها: (ومن الأمور المعينة على ذلك ما شرعه الله من المشاركة في أداء الفرائض، كما شرع الاجتماع في الجمعة والجماعة والأعياد، وكما شرع المشاركة في صيام رمضان وفي حج بيته الحرام، وكل أحد يفهم أن هذه المشاركات تخففها على العاملين، وتهون مشقتها مع ما يحصل في الاجتماع من التنافس في الخيرات وقوة الرغبة التي هي أكبر الأسباب بسهولة العبادة) (مجتنى الفوائد الدعوية والتربوية ص ٥٢).

وبما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم - كل بحسبه . وذلك يظهر في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤). فإن الاجتماع للقيام بهذه الفريضة مشروع من باب التعاون على البر والتقوى ومن باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

 يقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله معلقًا على هذه الآية: إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته، فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية، هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم، عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر، والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة، والحق فيه أقوى من الباطل، والعدل فيه أنفع من الظلم، فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانًا، وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانًا، ومن هنا قيمة هذا التجمع) (الظلال ج 1 ص ٤٤٤).

والعمل الجماعي فيه كذلك الرحمة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ... ﴾ (هود: ۱۱۸، ۱۱۹). 

ومنطلق الواقع يرينا أن المرء ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، قليل بمفرده كثير بأعوانه، ومن ثم قيل - كدر الجماعة ولا صفو الفرد.

والجهد الجماعي من شأنه حشد الطاقات وتعبئتها، وتوظيفها بما يتناسب وقدراتها التكوينية والموهبية وتنوعها، كما أن العمل الجماعي فيه سبر لغور النفس وإدراك لعللها وآفاتها، ومن ثم إصلاحها وتهذيبها. وتقويمها وتسديدها:

 رأيت الطين في الحمام يومًا

 
  بكفّ الحِب أثر ثم نسم

 
 فقلتُ له أمسْكٌ أمْ عبيرٌ

 
   لقد صيرتني بالحب مُغرم

 
 أجاب الطينُ أني كنتُ تربًا

 
  "صحبتُ الوردَ" صيّرني مُكرم

 
 ألفت أكابرًا وازددت علمًا

 
  كذا من عاشر العلماء يُكرم

 

(أضواء على الأصول العشرين ص ١٦).

عبد اللطيف محمد الصريخ

 

دورُ العلماءِ إعادةُ ما تهدَّمَ من حصونِ المجتمع الإسلاميِّ

ألقىَ الإسلامُ مسئولية عُظْمَى على العلماءِ، وتعظم مسئوليتهم كلما اشتدت الحاجة إليهم بانحسار الوعي الإسلامي في المجتمع.

 عندما تفقد القيم الدينية والأخلاق التي تبني عليها وتضعف الأواصر بين الناس وينحدر مستوى اللغة العربية السائدة ويتولد العجز عن فهم الأصول يأتي دور العلماء؛ لأن مهمتهم ليست قاصرة على الفتاوى في بيان الحلال والحرام، بل تتعدى إلى تثبيت العقيدة الإسلامية والمعاني الإيمانية التي تشعر المسلم بأهمية الإسلام في ثقافته وإشباع روحه وتحديد هويته ورسم معالم حياته الخاصة والعامة.

ومن هنا يأتي دور العلماء في إعادة ما تهدم من حصون المجتمع الإسلامي وبث روح النهضة فيه ودفعه إلى طريق الحضارة والتقدم، ولابُدَّ لهذه النخبة أن تكون على قدر كبير من الوعي العميق، والإحاطة بالمنهج الإسلامي، وعدم الانغلاقوالاعتزال، أو الجنوح إلى الروحية الاعتزالية بحجة القيام بالعبادات الفردية، فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس.

ولا شَكَّ أن العالم يؤثر في الناس على قدر صلاحه وتقواه فالعالم إسلام يمشي على رجلين، ونجم يسطع ضياؤه لينير الدرب أمام السالكين، فلاَ بُدَّ أن يأخذ نفسه بالحق، ويقومها على الصدق، ويغذيها بالورع ليكون بعمله داعيًا إلى الحق مثل قوله، ولئلا يكون في مخالفته للحق حجة عليه، لأن الناس يقولون لو كان كلامه صدقًا لأخذ نفسه به ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيبدو - كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع عليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى كنت أمرُ بالمعروفِ ولا آتيه، وأنهىَ عن المنكر وآتيه»..

 فالعالم يظهر على سلوكه وكلامه آثار حمله للأمانة، فالعالم يجتهد في مجاهدة نفسه والارتفاع بسلوكه ليكون قدوة صالحة للناس، ومن لوازم مخالطة الناس أن يكون العالم متصفا بسعة الأفق، ورجاحة العقل والثقافة الشرعية، والواقعية، والصبر على أذاهم، والرفق بهم.

وجاء في وصف العلماء الدعاة يدلون الخلق ويصبرون على أذاهم مع دوام النصح لهم يبتسمون في وجوه المنافقين والفساق، ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يخلصوهم مما هم فيه، ويحملوهم إلى ربهم – عز وجل – ولا شك أن من دواعي نجاح العالم القيام بحقوق الناس، والشفاعة لهم، والنظر في مصالحهم والاهتمام برعاية الفقراء، وسد حاجة المحتاجين، وإرشاد الأغنياء إلى أعمال الخير، وتبني المصالح الاجتماعية، والإنفاق عليها، كل ذلك يجعل لأهل العلم مكانة في المجتمع، وأثرًا في توجيهه نحو المثل العليا.

محمد أبو سيدو

طريق الأمناء لتحقيق الوفاء

الأخلاق غاية الإسلام في بناء الفرد والمجتمع

بقلم: د. جاسم المهلهل الياسين

الأخلاق من الثوابت المقررة في دين الإسلام إلى جانب العقيدة والعبادة بمعناها المعروف عند الناس الصلاة والصيام والزكاة والحج والأخلاق لا تتغير ولا تتبدل وإن تغيرت العصور، واختلفت البيئات، وتعاقبت الأجيال بعضها إثر بعض.

 فالصبر والصدق والأمانة والوفاء بالعهد والإخلاص وغيرها من جوانب الأخلاق، كلها أعمدة ثابتة في البناء الإسلامي تشد أزر المؤمنين، وتثبت بنيانهم وتقوي دعائمهم، وتبعث الثقة والاطمئنان في مجتمعاتهم، وتجعلهم متعاونين متراحمين، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فلا يقوى عدو عندئذ أن يتوغل بينهم أو يمكر بهم، أو يثير بينهم الضغائن والأحقاد التي هي مبعث كل شر، وسلاح كل شيطان مارد.

والأخلاق في الإسلام لا تتجزأ، فهي عند المسلم كلها لازمة وكلها يؤدي بعضها إلى بعض ويقوي بعضها بعضًا في نفوس المسلمين، فلا يستغني مسلم بالصبر عن الصدق ولا بهما معا عن غيرهما، لأن كلها تصب في نفس المسلم معنى القوة فيصبر عند البأساء، ويشكر عند النعماء، ويعفو عند المقدرة، ويسخو عند الفقر، ويوفي بعهده وإن احتمل التضحية في سبيل الوفاء، الذي لا مهرب ولا منجى منه إلا بالقيام به على أحسن الوجوه وأقواها.

ويبدو أن هذه الأخلاق تتبدى في النفوس المستقيمة، فهي جزء من الفطرة الصائبة؛ ولذا عرفها الجاهليون وعرفها المشركون والملحدون وأصحاب الأديان السماوية، عرفها كل هؤلاء وزاغ عنها أكثرهم وانحرف عن هديها المستقيم لثقل تبعتها، وحاجة الملتزمين بهذه الأخلاق إلى إرادة جازمة حازمة قوية لا تلين أمام الشهوات، ولا تتردد عند التضحيات، ولئن عرف الناس أجمعون هذه الأخلاق والتزم بها الأقلون، وتحلوا بها ورأوا أنهم أوفى في معاني الرجولة من غيرهم، فإن الدين الإسلامي اعتبرها جزءًا منه ينال الإنسان بها في دنيا الناس ما يناله غيره من أصحاب الأخلاق من حسن السيرة، وجميل التقدير والاحترام، وينال بها المسلم عند الله يوم الدين ما لا يناله غيره من البشر، غير المسلمين، فالمسلم بهذه الأخلاق شرف وعزة في الدنيا، وله بها عند الله ثواب مدخر لا يضيع يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

ومقياس ادخار الثواب عند الله هو الذي يفرق بين المسلم الملتزم بالأخلاق وبين غير المسلم وإن التزم بهذه الأخلاق، وأنت واجد في القرآن ما نقول، قال سبحانه حاثًا المؤمنين على الصبر في الجهاد أكثر من عدوهم: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (النساء: 104) وهذه ميزة الأخلاق في الإسلام  يتمسك بها المسلمون رجاء ما عند الله مما لا يخطر على بال غير المسلمين؛ ولذا فإن تمسك المسلم بالأخلاق غير خاضع لمنفعة دنيوية يحققها من وراء ذلك التمسك، بل إن مرده إلى الخوف من الله، وابتغاء مثوبته يوم يلقاه، لأنه يرجو من الله ما لا يرجوه غيره، ويطمع في درجات من النعيم يضحي في سبيلها براحته ووقته وماله وأحيانًا بنفسه، ولن تجد ذلك عند غير المسلمين.

لا عَجَبَ إذن أن يكون الوفاء بالعهد - وهو جزء من الأخلاق في الإسلام - قائمًا على ضروب من التضحيات، وأنواع من المغارم ووقفات في وجه المصلحة والهوى، ويقظة دائمة تحت النفس على الوفاء وتحذر من الغدر، وتذكر مستمر العاقبة المؤمنين، وجزاء الغادرين والتشهير بهم عند الله رب العالمين، حين يرفع لكل غادر لواء، فهو إعلان عن خيانتهم في الدنيا فيفضحهم الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، فمن ذا يستطيع ذلك من بين المسلمين إلا أن يكون من الغافلين؟.

إن جزاء الغادرين منفرد مؤلم مخز، وإن جزاء الأوفياء عظيم، مما يدفع نحو تحمل كل الآلام في سبيل هذا الوفاء، الذي هو سمة الأنبياء، ومن المعلوم أن كل الأنبياء واجب في حقهم أمور أربعة: «الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، وما الوفاء إلا نوع من الأمانة الواجبة أبا الأنبياء بالنص على وفائه، فجاء في سورة النجم وإبراهيم الذي وفى أي أدى ما عليه تامًا كاملًا غير هلهل الياسين في حق جميع الأنبياء، وقد خص القرآن الكريم إبراهيم

منقوص، وهذا ما جاء تفسيره وبيانه في آية أخرى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ( البقرة :104)..؛ ولأنه وفَّىَ وأدَّىَ ما عليه تامًا أخبره الله أنه جاعله للناس إماما، ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [سورة البقرة:124] ، وجعل الله في ذريته النبوَّةَ والكتاب وأتاه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين.

كما أن القرآن ذكر إسماعيل بأنه: صادق الوعد ﴿ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَٰبِ إِسْمَٰعِيلَ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾. (مريم - 54)

جاء رسولنا الكريم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن في الناس: «إنما بعثتُ لأتمَمَ مكارمَ الأخلاقِ» وشهد له القرآن الكريم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4) ويعجز كل قلم، ويعجز كل تصور عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود، وهي شهادة من الله في ميزان الله لعبد الله، يقولها له إنك لعلى خلق عظيم، ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين، ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد صلى الله عليه وسلم تبرز من نواح شتى تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال، يسجلها ضمير الكون وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله، وتبرز من جانب آخر من جانب إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقيها، وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة، ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته ما مداها؟ ما صداها؟ إن إطاقة محمد صلى الله عليه وسلم لتلقي هذه الكلمة من هذا المصدر وهو ثابت لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - ولو أنها ثناء ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب.. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل، ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة، وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه، ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر، أعظم بصدورها عن العلي الكبير، وأعظم بتلقي محمدصلى الله عليه وسلم لها وهو يعلم من هو العلي الكبير وبقاؤه بعدها ثابتا راسخًا مطمئنًا، لا يتكبر على العباد ولا ينتفخ ولا يتعاظم وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير في ظلال القرآن8/ 220-221ط - دار الشروق).

ولقد أطلنا بعض الإطالة في نقل هذه الفقرة من الظلال لنبين متانة الخلق في الإسلام؛ ومنها على وجه الخصوص الوفاء الذي أصبح بين الناس نادرًا في عصرنا؛ بحيث لا تكاد تجده، وإن وجدته وجدته معروق الجبين شاحب الوجه لا يكاد يبين، فالناس عنه في إعراض، حتى ما عاد يحمله من بينهم إلا الأقلون الذين ينظر إليهم على أنهم من جيل مضى عصره، وغاض نبعه وجف ماؤه وقل رواؤه، فلا يلتفت لأصحاب الوفاء، وربما لا يأبه بوفائهم ولا يهتم بخلقهم مع أنهم في ذلك يقتدون بالأنبياء، ويفعلون ما أمر الله وما طبقه رسوله صلى الله عليه وسلم وحَثَّ عليه.

 

صفحات من حياة الدكتور مصطفى السباعي

قاد المظاهرات ضد الاحتلال الفرنسي وهو في السادسة عشرة وحًكِمَ عليه بالسجن

قاد كتائب المجاهدين ضد الصهاينة في فلسطين وشارك في معارك القسطل والقطمون والقدس ونسف مقر القيادة الحربية اليهودية

فضح الغزو الفكري ودحر الهجوم على السنة النبوية الذي قاده المستشرقون وصبيانهم في بلاد المسلمين

بقلم: شوقي محمود الأسطل

روى الترمذي وأحمد عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا طوبي للشام يا طوبى للشام يا طوبى للشام، قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام».

وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام، أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

من أرض الشام المباركة المعطاء، من أرض الحشد والرباط، من أرض المحشر والمنشر من مقر الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، خرج إمامنا الذي نسعد ونشرف بصحبته عبر دروب الكلمة في هذه الرحلة الإيمانية، ولندع لأرواحنا فرصة التحليق في رحاب هذه الشخصية الإسلامية الفذة. 

  1. السباعي والعمل الجماعي:

 لقد أدرك - رحمه الله - ومنذ نعومة أظفاره ضرورة العمل الجماعي المنظم المواجهة تيارات الفساد والتغريب التي كانت تسرح وتمرح في أرض الشام في تلك الفترة في ظل رعاية وتوجيه المستعمر الكافر فساهم في تأسيس وقيادة عدد من الجمعيات الإسلامية في حمص «موطنه» وغيرها ومنها الرابطة الدينية، وشباب محمد صلى الله عليه وسلم ، والشبان المسلمين في دمشق، وقد نشط في العمل والدعوة من خلالها حتى قدر له السفر إلى أرض الكنانة عام ١٩٣٣م ليتعرف هناك على دعوة الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله - تلك الدعوة التي انطلقت من مصر لتعم أقطار الأرض حاملة التصور الشمولي للإسلام وداعية إلى مقاومة الاستعمار وأذنابه في أقطار المسلمين فأقبل على هذه الدعوة واغترف من معينها كي يعود لنشر فكرها والجهاد من أجل التمكين له في سوريا التي كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار الفرنسي في ذلك الوقت، فأنشأ الجماعة الإسلامية واختار لها نفس الاسم الذي تحمله في مصر وذلك عام ١٩٤٥م، وقد انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة مراقبًا مدى الحياة وبايعته الجماعة على ذلك. 

٢ - في ميادين الوغى: لقد كان إمامنا وكما هو المأمول منه في طليعة الفئة المجاهدة التي أخذت على عاتقها عب مقاومة المحتل في شتى أقطار المسلمين، فكان أول عمل قام به تأليف جمعية سرية المقاومة مدارس التنصير ودعا إلى مقاومة الاستعمار، وكان يقود المظاهرات لمواجهته مما أزعج السلطات الفرنسية الحاكمة فألقت القبض عليه عام ۱۹۳۱م وكان عمره إذ ذاك لا يتجاوز السادسة عشرة، ولا عجب فإنها عظمة الإسلام ومعجزته في صنع الرجال من هذا الطراز الفريد الذي يذكرنا بجيل الصحابة الكرام الأشاوس العظام الذين قاد أحدهم جيشا وهو في هذه السن متحديًا أعظم إمبراطورية على وجه الأرض في ذلك الوقت ومن يجهل أسامة ثم اعتقل للمرة الثانية عام ۱۹۳۲ م وسجن عدة أشهر، وعندما أفرج عنه سافر إلى مصر ليشارك إخوانه في العمل الجهادي ضد الإنجليز الذين ألقوا القبض عليه وأخرجوه من مصر ليعود بعدها إلى أرض الوطن فيلقي عليه الفرنسيون القبض العامين ونصف.

أما قضية فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية فقد كانت على رأس اهتماماته فطاف الأقطار داعيًا إلى الجهاد من أجلها، وعندما صدر قرار التقسيم الجائر هب - رحمه الله - كالأسد الهصور داعيًا إلى التطوع لإنقاذ فلسطين وليقود كتائب الجهاد المؤلفة من الصفوة من أبناء الإسلام الذين ربتهم جماعة الإخوان المسلمون على حب الشهادة والسعي من أجل الظفر بها، وقد شارك بمن معه من المجاهدين ببسالة في معارك القدس مثل معركة باب الخليل التي أصيب منهم فيها خمسة وثلاثون، ومعركة القسطل إلى جانب الشهيد عبد القادر الحسيني، ومعركة الحي القديم في القدس، ومعركة القطمون، ونسف الكنيس اليهودي الذي اتخذه اليهود مقرًا حربيًا، كما تألف من المجاهدين فريق لحفظ الأمن والانضباط في مدينة القدس بقيادة الشيخ ضيف الله مرار ثم انضم إليه الشيخ زهير الشاويش الذي طارد اللصوص والفجار وأغلق الخمارات وأندية القمار فشعر السكان بالأمن، مما جعل وفدًا منهم يتوجه لشكر الإخوان على جهودهم (انظر التيار الإسلامي في فلسطين المحسن محمد صالح (٤٧٥).

 يقول إميل الغوري في مقالة له بعنوان «ذكريات من جهاد السباعي»... وفي ليلة 2 مايو ١٩٤٨م فوجئنا بقدوم عدد من الرجال المسلحين أكد لنا الحرس أنهم من العرب، فلما ذهبنا للاتصال بهم وجدنا أنهم قوة من سوريا وأنهم يتحرقون شوقًا للقتال، وكان على رأس هذه القوة المرحوم الشيخ مصطفى السباعي في لباس الميدان متمنطقًا سلاحه للجهاد في سبيل الله.. وقبيل خوض المعركة حاولنا إبقاء الشيخ وإقناعه بالبقاء في مقر القيادة.. كما سعيت شخصيًا للاحتيال عليه وإقناعه بالبقاء في المقر للقيام بأعمال خطيرة ومهمة ولكنه أبي وأصر على خوض المعركة وغمارها قائلًا: إنه لم يحضر من دمشق إلا بنية الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، ولما لم نستطع ثني الشيخ عن عزمه وافقناه على ما يريد. واخترنا مركزًا يشغله وأترابه ولكنه لم يقبل وصمم على أن يشترك بنفسه في الطليعة... فخاض ورفاقه المعركة ببطولة عظيمة إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين وانتهت المعركة بنصر مؤزر وبعد انتهائها رجونا الشيخ أن يستريح قليلًا فرفض، فعرضت عليه الانتقال إلى القدس للدفاع عنها فقال: إني لا أقاتل خلف الأسوار، وانتقل الشيخ ورفاقه بعد المعركة معركة المستعمرات في لواء القدس وانضم إلى قوات الجهاد في المنطقة الوسطى متعاونًا فيها مع الشيخ حسن سلامه، وظل يجاهد في فلسطين حتى وقعت كارثة عام ١٩٤٨م فاضطر ورفاقه إلى الانسحاب من فلسطين تنفيذًا لأوامر القيادات العسكرية العربية النظامية وتعليماتها (انظر مصطفى السباعي رجل فكر وقائد دعوة لعبد العزيز الحاج مصطفى ص ٤٠). 

3- إنتاجه العلمي: لقد بارك الله لشيخنا في وقته على الرغم من كثرة أعبائه والمسئوليات التي تقلدها فأخرج للمكتبة الإسلامية عددًا كبيرًا من المؤلفات النافعة القيمة التي سدت فراغًا كبيرًا وعالجت موضوعات حية متصلة بشئون الأمة ومنها:

  1.  أخلاقنا الاجتماعية.
  2. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي وهو في الأصل رسالة الدكتوراه التي نال عليها تقدير ممتاز وأدهش اللجنة التي ناقشته بحسن عرضه وقوة حجته وبراعته في رد شبهات المستشرقين حول السنة النبوية.
  3.  المرأة بين الفقه والقانون.
  4.  عظماؤنا في التاريخ.
  5.  من روائع حضارتنا.
  6.  القلائد من فرائد الفوائد.
  7.  السيرة النبوية دروس وعبر
  8.  هذا هو الإسلام.
  9.  أحكام الصيام وفلسفته.
  10.  هكذا علمتني الحياة.
  11.  شرح قانون الأحوال الشخصية.
  12.  اشتراكية الإسلام.

وأشير هنا إلى أن الأمراض كانت قد داهمت الشيخ منذ شبابه فقبل ذهابه إلى فلسطين كان الأطباء قد نصحوه بالإخلاد إلى الراحة لإصابته بارتفاع ضغط الدم فلم يعبأ بنصحهم، وقاد إخوانه للجهاد وبكل قوة وعزيمة ونشاط، وهو يمني النفس بالشهادة فلما لم يظفر بها عاد إلى سوريا ليواصل حمل اللواء في ميادين العلم والفكر والسياسة وليحقق الله على يديه كثيرًا من أمال المسلمين ومنها إنشاء كلية للشريعة بجامعة دمشق وكان أول عميد لها.

ولما قررت الحركة الإسلامية في سوريا خوض الانتخابات النيابية تم اختيار الشيخ ليكون مرشحًا عن مدينة دمشق فكان الصدى الحقيقي المعبر عن آمال الشعب والأمة والصوت المدوي الذي يصدع بالحق ولا يداري، ويقارع الباطل ولا يهادن. فكان البطل الذي هز المنابر وأثار العزائم وحفر الشباب لاستعادة مكانة الأمة (القدوة الصالحة - حسني أدهم جرار ص ٢١٤ - بتصرف).

4. وفاته بعد صراع طويل ومرير مع المرض وفي الثالث من أكتوبر (تشرين أول عام ١٩٦٤م امتطت روحه زورق الأبدية مبحرة نحو الخلود فبكته الأمة في شتى أقطارها وظهرت الصحف في أنحاء العالم الإسلامي تحمل على صفحاتها النبأ المفجع والمصاب الجلل وأقبلت الوفود من بلاد الإسلام للمشاركة في التشييع فسار في المقدمة سفراء الدول العربية والإسلامية والعلماء وأساتذة الجامعات.. وقد ارتفع النعش على أيدي الشباب الذين أثارتهم الفاجعة فخرجوا باندفاع على الترتيب المهيأ لسير الجنازة وكان يوما مشهودًا في تاريخ دمشق فلم تمتلك الجماهير عبراتها ومشاعرها فتوالت الصرخات الباكية المؤثرة.. وفي هذا الجو المؤثر أقيمت للجنازة صلاة لم تشهدها دمشق منذ زمن بعيد وطويل فقد غص المسجد الأموي بألوف المصلين.. (انظر الوصف الكامل في مصطفي السباعي العبد العزيز الحاج مصطفى). وصدق من قال: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم شهود الجنائز.

5. من أقواله - رحمه الله: من كتابه هكذا علمتني الحياة.. 

قاطع الطريق أقرب إلى الله وأحب إلى الناس من أكل الدنيا بالدين. 

- مصيبة الدين في جميع عصوره بفئتين فئة أساءت فهمه، وفئة أتقنت استغلاله، تلك ضللت المؤمنين به، وهذه أعطت الجاحدين حجة عليه.

- جنود الدعوة الأوائل كانوا يقلون من الجدل ويكثرون من العمل، وكانوا يبخلون بالأقوال ويجودون بالأموال.. وجنود الدعوة الأواخر يكثرون من الجدل ويقلون من العمل ويجودون بالأقوال ويبخلون بالأموال.

- لا يجتمع حب الله ومولاة الظالمين في قلب عالم أبدًا.

- بين الجبن والشجاعة ثبات القلب ساعة.

- الصندوق الممتلئ بالجواهر لا يتسع للحصى، والقلب الممتلئ بالحكمة لا يتسع للصغائر.

رحم الله شيخنا ورزقنا حسن الاقتداء به وألحقنا به في الصالحين وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

الرابط المختصر :